Jesus Christ IS The Way

الموقع الرسمي لروم ll Jesus Christ Is The Way ll على البالتوك بالقسم المسيحي للشرق الاوسط

أرشيف ‘مسيحيات’ التصنيف

9. محاضرة القمص عبد المسيح بسيط حول موضوع (مصدر تأليف إنجيل يهوذا الأبوكريفي)

Posted by Akristus_Anstee على 2 يوليو 2011


+ *************************** +

محاضرة القمص عبد المسيح بسيط حول موضوع

(مصدر تأليف إنجيل يهوذا الأبوكريفي)

لتحميل المحاضره اضغط هناااااااااااااااااااااااااا

+ *************************** +

للاستماع المباشر للمحاضرة

نشرت تحت تصنيف مقالات لاهوتيه, موضوعات كتابيه, محاضرات, مسيحيات, ابونا الروحي عبد المسيط بسيط استاذ اللاهوت الدفاعي, دفاعيات, روحانيات | Leave a Comment »

8. محاضرة القمص عبد المسيح بسيط حول موضوع (قانونية أسفار العهد الجديد وموضوعها القانونية عند القديس القديس أكليمندس الإسكندري )

Posted by Akristus_Anstee على 2 يوليو 2011


+ *************************** +

محاضرة القمص عبد المسيح بسيط حول موضوع

 (قانونية أسفار العهد الجديد وموضوعها القانونية عند القديس القديس أكليمندس الإسكندري )لتحميل المحاضره اضغط هناااااااااااااااااااااااااا

+ *************************** +

للاستماع المباشر للمحاضرة

نشرت تحت تصنيف مقالات لاهوتيه, موضوعات كتابيه, محاضرات, مسيحيات, ابونا الروحي عبد المسيط بسيط استاذ اللاهوت الدفاعي, دفاعيات, روحانيات, ردود اباء الكنيسة | Leave a Comment »

7. محاضرة القمص عبد المسيح بسيط حول موضوع (من هو الباراكليت)

Posted by Akristus_Anstee على 2 يوليو 2011


    ***************************    +

محاضرة القمص عبد المسيح بسيط حول موضوع

 (من هـــو البـــــاراكليـــت)

لتحميل المحاضره اضغط هناااااااااااااااااااااااااا

+   ***************************  +

للاستماع المباشر للمحاضرة

نشرت تحت تصنيف مقالات لاهوتيه, موضوعات كتابيه, محاضرات, مسيحيات, الردود على تدليسات الرومات الاسلامية, ابونا الروحي عبد المسيط بسيط استاذ اللاهوت الدفاعي, دفاعيات, روحانيات, ردود اباء الكنيسة | Leave a Comment »

6. محاضرة القمص عبد المسيح بسيط حول موضوع (ماهية الله)

Posted by Akristus_Anstee على 2 يوليو 2011


+ *************************** +

محاضرة القمص عبد المسيح بسيط حول موضوع

(مـــــاهــــــــــية اللـــه)

لتحميل المحاضره اضغط هناااااااااااااااااااااااااا

+ *************************** +

للاستماع المباشر للمحاضرة

نشرت تحت تصنيف محاضرات, مسيحيات, ابونا الروحي عبد المسيط بسيط استاذ اللاهوت الدفاعي, دفاعيات | Leave a Comment »

5. محاضرة القمص عبد المسيح بسيط حول موضوع (المحاضرة الأولى في موضوع من هو كاتب الإنجيل للقديس مرقس؟)

Posted by Akristus_Anstee على 2 يوليو 2011


 + *************************** +

محاضرة القمص عبد المسيح بسيط حول موضوع

(المحاضرة الأولى في موضوع من هو كاتب الإنجيل للقديس مرقس؟)

لتحميل المحاضره اضغط هناااااااااااااااااااااااااا

+ ******************************** +

للاستماع المباشر للمحاضرة

نشرت تحت تصنيف محاضرات, مسيحيات, ابونا الروحي عبد المسيط بسيط استاذ اللاهوت الدفاعي, دفاعيات | Leave a Comment »

4. محاضرة القمص عبد المسيح بسيط حول موضوع (ماذا كان هدف نزول السيد المسيح من السماء و تجسده)

Posted by Akristus_Anstee على 2 يوليو 2011


 

+     ***************************    +

محاضرة القمص عبد المسيح بسيط حول موضوع

(ماذا كان هدف نزول السيد المسيح من السماء و تجسده)

لتحميل المحاضره اضغط هناااااااااااااااااااااااااا

+    ********************************    +

للاستماع المباشر للمحاضرة

نشرت تحت تصنيف محاضرات, مسيحيات, ابونا الروحي عبد المسيط بسيط استاذ اللاهوت الدفاعي, دفاعيات | Leave a Comment »

لماذا إختار يسوع إثنى عشر تلميذاً؟!

Posted by Akristus_Anstee على 27 يونيو 2011


لماذا إختار يسوع إثنى عشر تلميذاً؟!
________________________________________

هناك العديد من الآراء في هذا الأمر..
فيوجد رأي يقول أنه هذا مثال للأربع زوايا الأرض (شمال – جنوب – شرق – غرب) مضروباً في 3 (رمز الثالوث الأقدس)، أي 4×3=12
ويخبرنا علم النفس أن هذا الرقم هو رقم جيد، وقد وجد هؤلاء الذين يقودون جماعات أن رقم  12هو عدد جيد لفصول مدارس الأحد ودراسات الكتاب المقدس، وهو عدد كافي لتوفير آراء مختلفة ومتنوعة، وفي نفس الوقت صغير ليتم التعارف الجيد بين بعضهم البعض..
أما الرأي الغالب فهو أن رقم 12 هو رقم الكمال في التقسيم الحكومي..
- في العهد القديم نجد شعب إسرائيل مقسماً إلى 12 سبط، بهم 12 رئيس.
- و الإثنى عشر تلميذاً سيصبحون نواة لإسرائيل العهد الجديد:
12 كرسي في الدينونة (مت28:19)
12بوابة من أحجار كريمة إثني عشر ثمرة في أورشليم الجديدة (رؤ12:21؛ 2:22).
- ونظراً لدراية التلاميذ بأهمية هذا الأمر، سارعوا بإحلال يهوذا الخائن بتلميذ آخر.

ومن الجدير بالذكر أن الإثنى عشر كانوا يكملون بعضهم البعض:
- كلهم عدا واحد قابلوا السيد المسيح في العلية (مع ملاحظة أن توما كان هو الغائب).
- كلهم حل عليهم الروح القدس يوم الخمسين وقاموا بعمل آيات وعجائب.
- في وقت قتل إسطفانوس، بقي التلاميذ في أورشليم، في حين أن باقي المؤمنون تفرّقوا..
- تشاوروا معاً حول قبول شاول الطرسوسي (بولس الرسول) معهم.
- أسّسوا أول مجمع كنسي مع آباء الكنيسة الأول.
وقد قال السيد المسيح لرسله الاثنى عشر:
“متى جلس ابن الانسان على كرسي مجده، تجلسون أنتم أيضاً على اثنى عشر كرسياً، تدينون أسباط إسرائيل اثنى عشر.” (مت28:19).
فمن الواضح أن السيد المسيح قد اختار تلاميذه بنفس عدد اسباط اسرائيل أو أبناء يعقوب الاثنى عشر.
فمن الإثنى عشر سبطاً تكونت كنيسة العهد القديم في إطار محدود، وبالإثنى عشر رسولاً تكونت كنيسة العهد الجديد في المسكونة كلها.

وهناك العديد من النقاط الأخرى في هذا الأمر:
أولاً: من الملاحظ أن السنة تتكون من إثنى عشر شهراً، أي أن الزمان يكمل بالنسبة للأرض بالإثنى عشر شهراً. مثل قول الرب لإبراهيم حينما ظهر له عند بلوطات ممرا:
“إني أرجع إليك نحو زمان الحياة، ويكون لسارة امرأتك ابن” (تك10:18). والمقصود هنا أنها سوف يكون لها ابن في نفس الموعد من العام التالي.
وفي العام الواحد أي في إثنى عشر شهراً تكمل الأرض دورة كاملة حول الشمس. تكمل كل فصول السنة بكل ما فيها من متغيرات.
وكمال العام بإثنى عشر شهرا يرمز إلى كمال الزمان مثلما قال السيد المسيح:
“قد كمل الزمان، واقترب ملكوت الله. فتوبوا وآمنوا بالإنجيل” (مر15:1).
حقاً، لقد أشرق شمس البر –ربنا يسوع المسيح- في ملء الزمان، حسب وعد الرب:
“ولكم أيها المتقون اسمي تشرق شمس البر، والشفاء في أجنحتها” (ملا2:4). لا توجد شمس لها أجنحة سوى ربنا يسوع المسيح، الذي بسط على خشبة الصليب يديه الممدودتنين لاحتضان كل التائبين.

ثانياً: نلاحظ أيضاً أن النهار يتكون من اثنتى عشرة ساعة، كما قال السيد المسيح:
“أليست ساعات النهار اثنتى عشرة، إن كان أحد يمشي في النهار لا يعثر، لأنه ينظر نور هذا العالم، ولكن إن كان أحد يمشي في الليل يعثر لأن النور ليس فيه” (يو10،9:11).
إن السيد المسيح هو نور العالم.. والبشارة بالإنجيل هي نور العالم، ولهذا فقد حمل الاثنا عشر تلميذا هذا النور، ونشروه في المسكونة لإنارتها..
كانوا اثنى عشر ليحملوا أنوار ساعات النهار الإثنى عشر.
وكل منهم كانت ترمز إليه ساعة من ساعات النهار. كقول الرب عن يوحنا المعمدان:
“كان هو السراج الموقد المُنير، وأنت أردتم أن تبتهجوا بنوره ساعة” (يو35:5).

ثالثاً: رقم 12 هو رقم ثلاثة مضروباً في أربعة (3×4=12):
ورقم 3 هو إشارة إلى الثالوث القدوس وعمله في خلاص البشرية.
أما رقم 4 فيشير إلى أربع اتجاهات المسكونة، أو يشير إلى الإنجيل أي البشائر الأربعة.
وهكذا يكون رقم 12 هو إشارة إلى عمل الثالوث القدوس في خلاص البشرية، في أرجاء المسكونة من مشارق الشمس إلى مغاربها ومن الشمال إلى الجنوب.
لهذا قال السيد المسيح لتلاميذه:
“اذهبوا إلى العالم أجمع، واكرزوا بالإنجيل للخليقة كلها” (مر15:16)؛
“وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس، وعلموهم أن يحفظوا كل ما أصيتكم به” (مت20،19:28).
وبالفعل قيل عن الآباء الرسل:
“في كل الأرض خرج منطقهم، وإلى أقصى المسكونة بلغت أقوالهم” (مز4:19).
ومن تاريخ الشعب القديم عند خروج بني إسرائيل من أرض مصر، وفي بداية ارتحالهم في برية سيناء، بعد عبورهم البحر الأحمر، أنهم
“جاءوا إلى إيليم وهناك اثنتا عشرة عين ماء وسبعين نخلة” (خر27:15)،
وفي هذا إشارة واضحة إلى التلاميذ الاثنى عشر والرسل السبعين الذي عيَّنهم السيد المسيح نفسه.
رابعا: في حديث السيد المسيح عن جيوش الملائكة قال لبطرس:
” أتظن أني لا أستطيع أن أطلب إلى أبي فيقدم لي أكثر من اثنى عشر جيشاً من الملائكة؟” (مت53:26).

خامساً: وفي سفر الرؤيا رأي القديس يوحنا اللاهوتي حول العرش في السماء أربعة وعشرين قسيساً في أيديهم مجامر وقيثارات، ويرفعون بخوراً أمام الله هو صلوات القديسين (رؤ8:5).
والملاحظ هنا أن رقم 24 هو ضعف رقم 12 لأن النهار على الأرض اثنتا عشر ساعة، أما في السماء فليس هناك نهار وليل، بل نهار دائم يرمز إليه رقم 24 (رؤ25:21).

سادسا: المئة وأربعة وأربعون ألفاً 144000 البتوليون غير الدنسين (رؤ4،3:14)، الذين ظهروا في المشهد السماوي يتبعون الحمل (المسيح) أينما ذهب، هؤلاء هو 12×12=144 مضاعفة ألف مرة. فهؤلاء عاشوا حياة منيرة غير دنسة (12 ساعة في نور النهار)، وما فيها من نور هو بحسب الإيمان الرسولي (×12 رسول)، ويصعب حصر عددهم لكثرتهم (ألوف).
ولعل هذا يذكرنا بتوبة أهل نينوى الذين قال عنهم الله:
أنهم إثنتا عشرة ربوة من الناس أي مائة وعشرون ألفاً. وهو رقم 12×1000×10، ويرمزون إلى الذين يحبون حياة النور بالتوبة في أفواج يصعب حصرها (عشرات ألوف).

وهنا يتبادر إلى الذهن السؤال التالي:
هل دبَّر الله أن يكون النهار اثنتى عشرة ساعة، والسنة اثنى عشر شهراً، لكي يختار اثنى عشر تلميذاً؟ أم اختار 12 تلميذ لأن النهار 12 ساعة، والسنة 12 شهر؟!
وللإجابة على ذلك نقول: إن المعنى الأساسي للرقم 12 هو الإشارة إلى الثالوث القدوس، وفي عمله من أجل خلاص البشرية في أربعة أرجاء المسكونة. وعلى هذا الأساس يأتي ترتيب باقي الأمور.

حقاً يا رب، ما أعجب تدابيرك! كلها بحكمة صنعت، وما أبعد أحكامك عن الفحص وطرقك عن الاستقصاء..! وإننا فقط نقف لنتأمل ونتفهم ونتعجب ويبقى أمامنا الكثير لنعرفه عنك يا إلهنا القدوس

نشرت تحت تصنيف مقالات لاهوتيه, موضوعات كتابيه, مسيحيات, دفاعيات, روحانيات | Leave a Comment »

لماذا الصليب بالذات؟

Posted by Akristus_Anstee على 27 يونيو 2011


لماذا الصليب بالذات؟
لماذا إختار السيد المسيح أن يموت مصلوباً؟

لماذا لم يمت السيد المسيح بالحرق ؟
لماذا لم يمت بالغرق ؟
لماذا لم يمت بطعنة الحربة ؟
لماذا لم يمت بالخنق أو بالشنق ؟
لماذا لم يمت مذبوحاً بالسيف ؟
لماذا الصليب ؟
إن الصليب عمق يتعلق بمفاهيم ومعانٍ فى خطة الله لخلاص الإنسان. فمعلمنا بولس الرسول يقول “إن كلمة الصليب عند الهالكين جهالة وأما عندنا نحن المخلصين فهى قوة الله” (1كو1: 18). لذلك لم يكن الصليب مجرد وسيلة للإعدام.
الصليب روحياً :
الصليب يدخل فى أعماق مشاعر الإنسان وفكره الروحى وأبعاد عمل الروح القدس فى داخله. فقد كان الصليب بالنسبة للقديسين هو موضوع عناق قوى فى علاقتهم بالله. وهو موضوع تأمل وممارسة حياة يومية. هو قوة الله للخلاص. فالصليب له معان تدخل إلى أعماق النفس بقوة الروح القدس حتى ولو لم يدرك الإنسان تلك المعانى. الصليب هو قوة وغلبة وإنتصار وحياة بالنسبة لنا. فلماذا إذاً؟
لماذا مات المسيح مصلوباً :
1 – بالصليب صار هو الكاهن والذبيحة :
لم يكن السيد المسيح هو مجرد ذبيحة قُدِّمت عن حياة العالم لكنه كان هو الكاهن وهو الذبيحة فى آنٍ واحد. فإذا كان قد تم ذبحه على الأرض مثلاً؛ سيكون فى هذا الوضع ذبيحة وليس كاهناً. ولكن على الصليب هو يرفع يديه ككاهن وهو فى نفس الوقت الذبيح المعلّق. فالناظر إليه يراه ككاهن يصلى وفى نفس الوقت يراه ذبيحاً ويقول “فصحنا أيضاً المسيح قد ذبح لأجلنا” (1كو 5 : 7). هو يشفع فى البشرية أثناء تقديمه لذاته كذبيحة. لذلك رآه يوحنا الحبيب فى سفر الرؤيا مثل “خروف قائم كأنه مذبوح” (رؤ5: 6).
الجرح الداخلى أعمق:
كان لابد أن يكون السيد المسيح قائماً؛ فلا يمكنه أن يكون ملقى أثناء ممارسته لعمله كرئيس للكهنة. لذلك فإن عملية الذبح كانت داخلية (بالرغم من وجود جراحات مثل آثار المسامير وإكليل الشوك) لكن الجرح الأساسىكان داخلياً. وهنا تظهر نقطة عميقة فى محبة الله، وهى تتمثل فى شخص السيد المسيح أنه مذبوح فى داخله كما يقول بولس الرسول “فى أحشاء ربنا يسوع المسيح” (فى1 :8) فالذبح الداخلى أصعب بكثير من الذبح الخارجى وفى هذا يقول الشاعر:
وظُلم ذوى القُربى أشد مضاضة على النفس من وقع الحُسام المُهندِ
فوقع السيف الحاد أخف من ظلم ذوى القرابة. ويقول الكتاب فى هذا المعنى “ما هذه الجروح فى يديك؟! فيقول هى التى جُرحت بها فى بيت أحبائى” (زك13: 6).
النزيف الداخلى :
السياط التى جُلد بها السيد المسيح كانت مصنوعة من سيور البقر وفى أطرافها عظم أو معدن، لذلك فقد مزّقت الشرايين المحيطة بالقفص الصدرى وأحدثت نزيفاً داخلياً. فلما ضربه الجندى بالحربة كان الدم عندئذ يملأ القفص الصدرى فسال الهيموجلوبين الأحمر بلون الدم ثم البلازما الشفافة ثم السوائل الخاصة بالأوديما (أى الإرتشاح المائى). هذه التى عبّر عنها ببساطة القديس يوحنا أنه بعدما طعن فى جنبه بالحربة “خرج دم وماء” (يو19: 34). وقد رأى القديس يوحنا مركبات الدم مفصولة لأن السيد المسيح كان قد أسلم الروح فى الساعة التاسعة وعندما طعنه الجندى قرب الغروب كان قد مضى حوالى ساعتين.

مات ذبيحاً :
إهتم القديـس يوحنـا أن يـذكر واقعة خروج الـدم والماء
لكى يؤكّد أن السيد المسيح مات ذبيحاً. ويقول و”الذى عاين شَهِد وشهادته حق” (يو19 :35). كانت رقبة السيد المسيح سليمة نسبياً والصدر سليم نسبياً بحسب الظاهر خارجه بينما كان النزيف حاد من الداخل. فى الخارج كانت تظهر آثار ضربات السياط، بالإضافة إلى الجروح التى كانت فى اليدين والقدمين، وقد أحدثت نزيفاً خارجياً لكنه محدود. فالمصلوب كان يمكن أن يبقى معلقاً على الصليب ويتعذب وقد لا يموت إلا بعد ثلاثة أيام. ولكن كان يهّم القديس يوحنا الإنجيلى جداً أن يؤكّد أن السيد المسيح هو خروف الفصح الذى ذُبح لأجلنا، لذلك أكَّد نزول الدم والماء من جنبه لكى نعرف أنه ذُبح.

سبب الهبوط فى القلب :
النزيف الداخلى الحاد الذى تعرَّض له السيد المسيح نتج عنه أن كمية الدم الباقية فى الدورة الدموية كانت بسيطة جداً. لذلك إحتاج القلب أن يعمل بسرعة لتعويض الدم المفقود. ولكى يعمل بسرعة، كان القلب نفسه كعضلة، يحتاج لكمية أكبر من الدم. ولكن الشرايين التاجيّة التى تغذّى القلب لم يكن فى إمكانها أن تقوم بهذا الدور لقلة كمية الدم الواصل إليها نتيجة للنزيف. وإذا كانت سرعة ضربات القلب فى الإنسان الطبيعى هى سبعين نبضة فى الدقيقة ففى حالات النزيف ترتفع إلى 140 نبضة. وكل هذا يجهد عضلة القلب فتصل إلى مرحلة الهبوط الحاد جداً فى الجزء الأيمن منها ويؤدى ذلك إلى الوفاة.

صرخة الإنتصار :
كان السيد المسيح يقترب من هذه اللحظة الأخيرة؛ وهنا
وفى آخر لحظة صرخ بصوت عظيم وقال “يا أبتاه فى يديك أستودع روحى” (لو23: 46). وقد كانت هذه الصرخة هى صرخة إنتصار. لإنه لأول مرة منذ سقوط أبينا آدم من الفردوس يستطيع أحد أن يقول “فى يديك أستودع روحى” فكل من مات لم يستطع أن يستودع روحه فى يدى الآب بل كان إبليس يقبض على تلك النفوس. وإذ صرخ السيد المسيح بصوت عظيم رغم حالة الإعياء الشديدة التى كان يعانى منها إنما أراد بذلك أن يلفت النظر إلى عبارة الإنتصار هذه. وهذه هى أول مرة منذ سقطة آدم يضع ذو طبيعة بشرية روحه فى يدى الآب.
صار السيد المسيح هو القنطرة أو الجسر الذى يعبر عليه المفديون من الجحيم إلى الفردوس وإلى ملكوته. وقد خاب أمل الشيطان فى هذه اللحظة لأنه رأى أمامه قوة الذى إنتصر بالصليب. وفى قداس للقديس يوحنا ذهبى الفم يقول: ]عندما إنحدرت إلى الموت أيها الحياة الذى لايموت حينئذ أمتَّ الجحيم ببرق لاهوتك. وعندما أقمت الأموات من تحت الثرى صرخ نحوك القوات السمائيون أيها المسيح الإله معطى الحياة المجد لك[. فقد أبرق السيد المسيح حينما سلّم روحه فى يدى الآب. وبتعبير آخر: أصبح كالبرق وأفزع كل مملكة الشيطان.
أخفى السيد المسيح لاهوته عن الشيطان وكان يقول "نفسى حزينة جداً حتى الموت" (مر14: 34).كان يجاهد ويأتى ملاك ليقويه فى الصلاة من أجل إخفاء لاهوته عن الشيطان ولكن فى اللحظة التى أسلم فيها روحه على الصليب؛ أى عندما غادرت روحه الإنسانية الجسد، فى الحال أبرق بمجد لاهوته، لذلك يقول "إذ جرّد السلاطين أشهرهم جهاراً ظافراً بهم فيه (فى الصليب)" (كو2: 15). فقد تحوّل الموقف تماماً وكأن الشيطان يقيم حفلاً أو وليمة وأحضر معه كل بوابات الجحيم وكل قوات الظلمة لتحيط بمنطقة الجلجثة فوقف أمامه من "خرج غالباً ولكى يغلب" (رؤ6: 2) ففزعت من أمامه كل هذه القوات حينما أبصرت مجد لاهوته.

2- بالصليب كان هو الميت القائم :
كان لابد أن يكون المسيح هو الذبيحة التى ذبحت وهى
تصلى أى وهى قائمة. فبعدما مات وسلّم الروح على الصليب كان المشهد فى غاية العجب : إنه ميت وقائم فى نفس الوقت. ذلك لأن المعلّق على الصليب تحمله رجلاه، لذلك عندما جاءوا ليكسروا ساقى السيد المسيح وجدوه قد أسلم الروح فلم يكسروهما فهو واقف على قدميه فعلاً، وقد سلم الروح وهو واقف، وهذه إشارة إلى أنه فى أثناء موته هو القائم الحى. ليس معنى هذا أنه لم يمت حقاً لكن هذا رمز إلى أن "فيه كانت الحياة" (يو1: 4). فهو قد أسلم الروح لكن قوة الحياة كائنة فيه. وحتى وهو قائم من بين الأموات كان محتفظاً بالجراحات لكى نراه مذبوحاً وهو قائم. أى أنه وهو مذبوح : هو قائم، وهو قائم : هو مذبوح. كما ورد أيضاً فى سفر الرؤيا أنه "خروف قائم كأنه مذبوح" (رؤ5: 6). فلا يمكن إذاً أن يُحرق أو يموت غريقاً لأن هذه المعانى لن تتفق فى هذه الميتات.

3- بالصليب صالح الأرضيين مع السمائيين :
هل السيـد المسيـح يمثل الله فى وسط البشر أم يمثل البشر
أمام الله؟ بالطبع هو الأمران معاً فى وقت واحد. هو إبن الله وهو إبن الإنسان فى نفس الوقت. بدون التجسد كان السيد المسيح سيبقى إبناً لله والبشر هم أبناء الإنسان. ولكنه فى تجسده وحّد البنوة لله مع البنوة للإنسان إذ صار هو نفسه إبناً لله وإبناً للإنسان فى آنٍ واحد. وأراد أن يجعل هناك صلة بين الله والبشر.

متى تصل الصلة إلى ذروة هدفها ؟
تصل الصلة بين الأرض والسماء إلى ذروتها على الصليب. فإن كان السيد المسيح وهو إبن الله الوحيد قد صار بالميلاد إبناً للإنسان لكنه لم يصل بالميلاد وحده إلى عمل علاقة بين الله والبشر... فهو يريد أن يصالح الله مع البشر. فليس هناك شركة بين الله والإنسان إلا بيسوع المسيح وهو معلَّق على الصليب. فهو الله الظاهر فى الجسد، وهو باكورة البشرية فى حضرة الآب السماوى، والسلم الواصل بين السماء والأرض.
عندما ننظر إلى السيد المسيح على الصليب نقول هذا هو الطريق المؤدى إلى السماء وهو نفسه يقول "أنا هو الطريق والحق والحياة" (يو14: 6). كل إنسان ينظر إلى ناحية الصليب لابد أن ينظر ناحية السماء "وكما رفع موسى الحية فى البرية هكذا ينبغى أن يُرفع إبن الإنسان" (يو3: 14) فلابد أن الناظر إليه ينظر إلى أعلى. هو معلق بين السماء والأرض. فحينما نراه نرى فيه الله الظاهر فى الجسد ونرى حب الله المعلن للبشرية. وفى نفس الوقت حينما يراه الآب من السماء يرى فيه الطاعة الكاملة ورائحة الرضا والسرور التى إشتمّها وقت المساء على الجلجثة. إذاً هو نقطة لقاء بين نظرنا نحن ونظر الآب السماوى. فالآب ينظر إليه؛ فإذا نظر كل منا إلى السيد المسيح فسوف يلتقى بالآب . بتعبير آخر إذا كنت واقفاً بجوار الصليب والآب ينظر من السماء إلى الصليب فسيراك أنت تحته وإذا أنت نظرت إلى الرب يسوع سترى الآب الذى يتقبل الذبيحة.

4- الصليب والأنا المبذولة :
علامة الصليب تشير إلى الأنا المبذولة أو الطاعة الكاملة. فإذا أردنا شطب أو إلغاء أى خط نضع خطاً متعارضاً مع الخط المراد إلغاءه. فالصليب فى حد ذاته يُعلن حياة التسليم الكامل لله.كما أن السيد المسيح فى مظهره على الصليب كان واقفاً وأما فى الحقيقة فقد كان كل جزء فى جسده مقيداً لا يستطيع أن يتحرك. معنى هذا أن السيد المسيح يريد أن يقول لنا إنه لابد من "صلب الجسد مع الأهواء والشهوات" ونقول "مع المسيح صلبت فأحيا لاأنا بل المسيح يحيا فىّ" (غل 20:2).
تسمّرت على الصليب كل أهواء الجسد ومشيئته الخاصة. لم تكن للسيد المسيح طبعاً رغبات خاطئة حاشا، لكن كانت له رغبات طبيعية مثل الأكل والشرب والراحة. فقد جاع عندما صام مثلاً. ورغبات الجسد هذه غير خاطئة فى حد ذاتها. لكن كانت مشيئة الآب السماوى بالنسبة للسيد المسيح هى أن تبطل هذه الرغبات، فكانت الطاعة الكاملة هى الجواب. لذلك عندما أتى الشيطان ليجرِّبه وهو جائع وقال له "قل للحجارة أن تصير خبزاً" أجابه السيد المسيح أنه "ليس بالخبز وحده يحيا الإنسان بل بكل كلمة تخرج من فم الله" (مت4: 3-4). فكما أن الجسد يقتات بالخبز، فمن الجانب الآخر ستتعطل الروح بسبب إتمام رغبات الجسد حتى لو كانت هذه الرغبات غير خاطئة. فليصلب الجسد إذاً لكى تنفذ المشيئة الإلهية. وأيضاً وهو على الصليب قيل له "إن كنت إبن الله فإنزل عن الصليب" (مت27: 40) فلماذا هذا التعب ولماذا هذه الآلام المريعة ؟ ولكن السيد المسيح لن يطع الجسد طالما يتعارض هذا مع مشيئة الآب السماوى. وبذلك يكون مفهوم عبارة "لتكن لا إرادتى بل إرادتك" (لو22 :42) هو: لتكن لا رغبات الجسد فى أن يرتاح أو أن يتحرر من الآلام الجسدية أو النفسية، بل لتكن مشيئة الآب فى إتمام الفداء.
تعرّض السيد المسيح لآلام نفسية مريرة بجوار الآلام الجسدية. تمثَّلت هذه الآلام النفسية فى الآلام التى عاناها السيد المسيح نتيجة لخيانة يهوذا (فهو إحساس مر أن يهوذا تلميذه يُقبّله ويُسلّمه لأعدائه بهذه الصورة). وأيضاً فى تعييرات الناس الذين أتى لأجل خلاصهم ويقدِّم لهم حبه، فتكون هذه هى مكافأته. إحساس مر لا يُعبَّر عنه. كما أن كونه موضوعاً فى وضع الملعون والمصاب والمضروب من الله ويحمل كل خطايا البشرية لكى يقدّم ثمن عصيان الإنسان وتمرده -كأس مملوءة بالمر.
كان من الطبيعى أن النفس والجسد يشعران أنهما أمام اجتياز كأس مريرة جداً لابد أن يشربها إلى نهايتها. فيقول للآب "لتكن لا إرادتى" (لو22: 42). وليس المقصود بالإرادة هنا الإرادة المسئولة عن إتخاذ القرار لأن القرار هو قرار الثالوث القدوس بإتمام الخلاص الذى أتى المسيح لأجله. إنما المقصود بها هو الرغبة الطبيعية أو الإحتياج الطبيعى الناشئ عن حمل السيد المسيح لطبيعة بشرية حقيقية من خصائصها الشعور بالألم وبالحزن وبالمعاناة. وهكذا فإن السيد المسيح فى معاناته الرهيبة يريد أن يقول للآب: "لن يكون قرارى مبنياً على ما فى هذه الخصائص البشرية من تعب وألم وحزن، لكنه مبنى على ما فى رغبتى الكاملة فى إرضائك وفى تخليص الذين أحببتهم للمنتهى. فهو الذى قيل عنه "أحبَّ خاصته الذين فى العالم أحبهم إلى المنتهى" (يو13: 1).

5- بالصليب تمت النبوات :
كان الصليب ضرورة لأن فيه تمت النبوات. إذ يقول داود النبى فى المزمور "ثقبوا يدىّ ورجلىّ" (مز16:22) "ويقتسمون ثيابى بينهم وعلى لباسى يقترعون" (مز18:22) "وفى عطشى يسقوننى خلاً" (مز69 :21)... وكل هذه النبوات كيف تتم إلا إذا صلب؟... أو مثلاً عندما قال "كما رفع موسى الحية فى البرية هكذا ينبغى أن يُرفع إبن الإنسان" (يو3: 14). فالمسيح حمل خطايانا التى ترمز إلى الشر (الحية) فصعد على الصليب وسمّر الخطية على الصليب ثم نزل هو وترك الخطية معلقة على الصليب. فلذلك نقول }مزِّق صك خطايانا أيها المسيح إلهنا{ ويقول "إذ محا الصك الذى علينا فى الفرائض الذى كان ضداً لنا وقد رفعه من الوسط مسمراً إياه بالصليب" (كو2: 14). فقد سمَّر الخطية على الصليب والحية المُعلقة ترمز إلى حمله خطايا العالم كله. فلابد أن تكون الذبيحة مرفوعة لأعلى لتتم النبوات.
وكما شق موسى النبى البحر الأحمر بضرب عصاه ثم ضربه ثانية بعلامة الصليب وأرجعه ثانيةً فغرق فرعون الذى يرمز للشيطان هكذا كان الصليب هو وسيلة الغلبة على مملكة إبليس.

6- بالصليب ملك على خشبة :
قيل عن السيد المسيح المخلِّص "ملك الرب على خشبة" (مز95: 10) فلابد أن تكون أداة موته التى يملك من خلالها على قلوب البشر هى خشبة. ولأنه قال أن مملكتى ليست من هذا العالم لذلك كان لابد أن تعلّق هذه الخشبة مرفوعة إلى فوق. ويقول "جعلوا فوق رأسه علَّته مكتوبة هذا هو يسوع ملك اليهود" (مت27: 37). لذلك كان الصليب هو عرشه بإعتراف الوالى نفسه الذى كتب: "يسوع الناصرى ملك اليهود" (يو19:19) وقد كتبت بثلاث لغات اللاتينية واليونانية والعبرانية، بمعنى أن العالم كله قد إعترف رسمياً أن هذا هو ملك اليهود. ولكى تُعلّق علته فوق رأسه وهو جالس على عرشه كان لابد أن يموت مصلوباً لأن هذه الأمور لن تتوفر إذا مات مثلاً مذبوحاً أو محروقاً أو غريقاً...
ما هو سبب الصلب؟
سبب الصلب هو أنه هو ملك اليهود لأن عرشه هو الصليب فملكه هو سبب موته، وسبب موته هو ملكه. أى أن كونه ملكاً كان هو السبب فى أنهم حكموا عليه بالموت. ولكن كيف مَلك؟ مَلك بالموت..!!

7- الصليب أعطى فرصة ثلاث ساعات لإتمام العمل :
لا تـوجد وسيـلة موت تستـغرق ثـلاث سـاعات. فـإذا
وضعوا شخصاً فى النار سيموت خلال خمس دقائق. وكذلك الموت بالغرق، وكذلك الشنق (فعند إزاحة الشئ الذى يقف عليه المحكوم عليه بالإعدام يصير معلقاً من رقبته فيحدث إنفصال للنخاع الشوكى فى ثانية واحدة وبعد دقيقتين يُسلم الروح). ولكن السيد المسيح كان يموت طوال الساعات الثلاث وقد حدثت أمور هامة وضخمة جداً فى هذه الساعات الثلاث :

أولاً: تذكُّر آدم
صُلِبَ السيد المسيح فى اليوم السادس وفى الساعة السادسة ليذكّرنا بآدم الذى خلق فى اليوم السادس.
ثانياً : خروف الفصح
تمت عملية الصلب ما بين الساعة السادسة والساعة التاسعة وكان ميعاد ذبح خروف الفصح حسب ناموس موسى "بين العشائين" (عد9: 3).
ثالثا : شمس البر
"ومن الساعة السادسة كانت ظلمة على كل الأرض إلى الساعة التاسعة" (مت45:27) لأن الشمس قد أخفت شعاعها. وعلى المستوى الروحى يقول "ولكم أيها المُتقون إسمى تُشرق شمس البر والشفاء فى أجنحتها"(مل4: 2). وبالطبع لا توجد شمس لها أجنحة لكن السيد المسيح وهو معلّق على الصليب كانت الأجنحة، هى الذراعين المبسوطتين، التى تقول "يا أبتاه إغفر لهم" (لو34:23) وهذا هو الشفاء الذى فى أجنحتها. الشمس أخفت شعاعها لتُعلن أن شمس البر هو المعلق على الصليب لأنه لا يصح وجود الشمس فى وجود شمس البر الحقيقى.
رابعاً : كلمات السيد المسيح على الصليب :
قول السيد المسيح للص "اليوم تكون معى فى الفردوس" (لو23: 43) وما وراء هذه العبارة من إعلان عن فتح الفردوس. وقوله "يا أبتاه اغفر لهم لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون" (لو23: 34) وما وراء هذه العبارة من مشاعر الحب والغفران لمخلِّص العالم. وأيضاً "أنا عطشان" (يو19: 28) لكى يتم المكتوب. و"قد أُكمل" (يو19: 30) وما تحمله هذه العبارة من تأكيد على إتمام الفداء والنبوات المُختصة به. وقوله للعذراء أمه "يا إمرأة هوذا إبنك" (يو19: 26) ويُسلِّمها ليوحنا لكى نعرف أن السيدة العذراء أصبحت أماً روحية لجميع القديسين، والشفيعة المؤتمنة للكنيسة كلها فى شخص يوحنا الحبيب، كما نفهم أن العذراء هى العروس والهيكل والسماء الثانية.
خامساً : لقطات من الأبدية
المشهد الأول :
فى خلال الساعات الثلاث على الصليب تكلّم السيد المسيح كلمات كثيرة منها أنه قال للص اليمين "اليوم تكون معى فى الفردوس" (لو23: 43). فى بداية الأمر كان اللص اليمين غاضباً جداً ومتفقاً مع اللص الآخر فى تعيير السيد المسيح. ولكن بمرور الوقت بدأ يتحول من التذمر إلى التوبة.
وكان لابد أن تكتمل هذه الصورة الجميلة التى رسمها السيد المسيح على الجلجثة. اللص اليمين كان خاطئاً تائباً ذهب إلى الفردوس، وأما اللص الشمال فكان خاطئاً لم يتب وذهب إلى الجحيم. كان المشهد كأنه لوحة فنية متكاملة على الجلجثة : فنرى يسوع -ملك البر مخلّص العالم الذى اشترك معنا وحُسِبَ بين البشر وهو الله الكلمة- يقف عن يمينه كل الذين طلبوا الغفران ونالوه، وعن يساره كل الذين رفضوا التوبة أبدياً. فى يوم استعلان ملكوت الله سنرى نفس مشهد الجلجثة عندما قال إنه "متى جاء إبن الإنسان فى مجده وجميع الملائكة القديسين معه فحينئذ يجلس على كرسى مجده. ويجتمع أمامه جميع الشعوب فيميّز بعضهم من بعض كما يميّز الراعى الخراف من الجداء . فيقيم الخراف عن يمينه والجداء عن اليسار" (مت25: 31-33). هذا المشهد كان مجرد لقطة من الأبدية فنرى منظر المجيء الثانى أثناء إتمام الفداء على الصليب.
يقول القداس الإلهى }فيما نحن نصنع ذكر آلامه المقدسة وقيامته من الأموات وصعوده إلى السماوات وظهوره الثانى المخوف المملوء مجداً..{ من هذه العبارة نعرف أن الكنيسة لا تفصل بين أحداث الخلاص وأحداث المجيء الثانى والأبدية لأن كل هذا هو عمل الله الفادى. مثلما قيل عن مجيء إيليا النبى قبل مجيء السيد المسيح وهكذا نرى ما دونته الأسفار المقدسة وهى تشرح ارتباط نبوات المجيء الأول بنبوات المجيء الثانى وهكذا كتب القديس متى "سأله تلاميذه قائلين فلماذا يقول الكتبة إن إيليا ينبغى أن يأتى أولاً. فأجاب يسوع وقال لهم إن إيليا يأتى أولاً ويرد كل شئ. ولكنى أقول لكم إن إيليا قد جاء ولم يعرفوه بل عملوا به كل ما أرادوا" (مت17: 10-12). وفى سفر ملاخى يقول "هأنذا أرسل إليكم إيليا النبى قبل مجيئ يوم الرب اليوم العظيم والمخوف" (مل4: 5). لذلك كلما قابل الكتبة والفريسيون التلاميذ كانوا يقولون لهم إن إيليا لم يأت فليس هذا إذاً هو المسيح. فعندما رأى التلاميذ إيليا على جبل التجلى تذكروا كلام الكتبة والفريسيين وسألوا السيد المسيح لماذا يقول الكتبة والفريسيين "ينبغى لإيليا أن يأتى أولاً" فأجابهم يجب أن تفهموا الكتب. فالنبوة مزدوجة فحينما قال "يتقدّم أمامه بروح إيليا وقوته ليرد قلوب الآباء إلى الأبناء والعصاة إلى فكر الأبرار لكى يُهيئ للرب شعباً مستعداً" (لو1: 17) كان المقصود بها يوحنا المعمدان، وقد قال السيد المسيح بفمه الطاهر "أن إيليا قد جاء... حينئذ فهم التلاميذ أنه قال لهم عن يوحنا المعمدان" (مت17: 12، 13)، إذن النبوة عن مجيئه الأول ولكنها سوف تتحقق أيضاً حرفياً فى مجيئه الثانى. وفى سفر ملاخى ربط أيضاً المجيء الأول بالمجيء الثانى إذ قال "فهوذا يأتى اليوم المتقِّد كالتنور وكل المستكبرين وكل فاعلى الشر يكونون قشاً ويحرقهم اليوم الآتى قال رب الجنود فلا يُبقى لهم أصلاً ولا فرعاً" (مل4: 1).

المشهد الثانى :
وهو لوحة أخرى جميلة رسمتها العناية الإلهية أثناء أحداث الصلب : عندما خرج بيلاطس البنطى الحاكم الرومانى ليقف فى المنتصف والسيد المسيح من جهة وباراباس من الجهة الأخرى. وراء هذا المشهد معنى رهيب، فهو ليس وليد الصدفة. فبيلاطس يعتبر مجرد رمز للعدل لإنه يمثّل الحكم فى الإمبراطورية الرومانية وهو يقف فى المنتصف، وملك البر - السيد المسيح آدم الثانى- يقف من ناحية، وباراباس -المجرم والعاتى فى الشر الذى يمثل آدم العتيق- يقف من الناحية الأخرى. فى قصة الخلاص لابد أن يموت أحدهما، إذ كان لابد من الإختيار بين الإثنين. طلب الشعب أن يطلق باراباس ولكن ما وراء الأحداث فى قصة الخلاص هو أنه كان لابد أن يُحكم على الرب بالموت لكى يفلت الأثيم الفاجر (الذى يمثل الإنسان الخاطىء) من الهلاك الأبدى.
جلسة محاكمة السيد المسيح كانت عجيبة جداً، فهى أعجب محاكمة فى تاريخ البشرية كلها. هل حدث فى التاريخ كله أن القاضى يحكم فى نفس الجلسة على الشخص بالبراءة والإعدام فى نفس الوقت؟ وبعدما حكم بالإعدام "غسل يديه قدام الجمع قائلاً إنى برئ من دم هذا البار" (مت27 :24). لو قُدّر لأحد أن تنكشف عن عينيه ورأى الذين فى الجحيم أو جهنم الأبدية، سيجد بيلاطس مازال يغسل يديه، ويداه ملآنة دماء ولن تُغسل إلى الأبد لأن هذه الجريمة لا يغسلها ماء بل كانت تغسلها التوبة أو التراجع عن الشر. وكأن القاضى نطق الحكم ]حكمت المحكمة ببراءة فلان وإعدامه صلباً[. فالسيد المسيح برئ من جهة بره الشخصى، ويحسب خاطئاً لأن الآب وضع عليه إثم جميعنا حسبما هو مكتوب “جَعَلَ الذى لم يعرف خطية، خطية لأجلنا، لنصير نحن بر الله فيه” (2كو5: 21).

المشهد الثالث :
فى سفر الأعمال عندما يتكلَّم عن حلول الروح القدس فى يوم الخمسين يقول على فم يوئيل النبى : “أسكب روحى على كل بشر فيتنبأ بنوكم وبناتكم ويحلم شيوخكم أحلاماً ويرى شبابكم رؤى. وعلى العبيد أيضاً وعلى الإماء أسكب روحى فى تلك الأيام . وأُعطى عجائب فى السماء والأرض دماً وناراً وأعمدة دُخان. تتحوَّل الشمس إلى ظلمة والقمر إلى دم قبل أن يجئ يوم الرب العظيم المخوف” (يؤ2: 28-31). وهنا يربط بين أحداث يوم الخمسين وأحداث نهاية العالم. فتحول الشمس إلى ظلمة والقمر إلى دم قبل أن يجيء يوم الرب العظيم والشهير، المقصود بها هنا هو المجيء الثانى. لكن على الصليب اظلمّت الشمس أيضاً… إذن ارتبط مشهد الجلجثة بمشهد نهاية العالم. فلولا مراحم الله لإنتهى العالم يوم صلب المسيح لأنه كيف تتجاسر البشرية بأن تصلب ابن الله الوحيد. لكننا نقول فى المزمور “هذا هو اليوم الذى صنعه الرب فلنبتهج ونفرح فيه” (مز118: 24) وهو يوم الرب العظيم المخوف.
عندما تكلَّم السيد المسيح عن نهاية العالم قال “تظلم الشمس والقمر لا يعطى ضوءه والنجوم تسقط من السماء” (مت24: 29) فموضوع “تتحول الشمس إلى ظلمة والقمر إلى دم قبل أن يجيء يوم الرب العظيم المخوف ويكون كل من يدعو بإسم الرب ينجو” (يؤ2 :31-32) إشارة إلى المجيء الثانى أيضاً.
كل هذا الربط بين الأحداث والنبوات لا يمكن حدوثه إلا بصلب السيد المسيح ثلاث ساعات، لكى تتم كل هذه الأحداث وهو مُعلَّق على الصليب.

8- الصليب شجرة الحياة :
يقول القديس مار إفرام السريانى:} مبارك هو ذلك النجار الذى صنع بصليبه قنطرة لعبور المفديين{. السيد المسيح إختار عدداً كبيراً من تلاميذه من الصيادين، لكن مهنته هولم تكن صيد السمك، بل كانت له وظيفتان (وهذا تعبير مجازى): وظيفة مارسها قبل الفداء (نجار)، والثانية ظهر بهيئته فيها وكأنه هو العامل فى هذا المجال بعد القيامة (بستانى).
الوظيفة الأولى التى مارسها هى وظيفته كنجار. فهو النجار الذى عمل من الشجرة صليباً لكى يفدى بها البشرية. كانت الشجرة هى سبب سقوط البشرية فكان لابد أن يستخدم نفس الأداة التى سقطت بها البشرية ليُتمم بها الفداء فيكون الصليب هو شجرة الحياة التى لا يموت الآكلين منها من المؤمنين. وكأنه لا يوجد شئ فى الطبيعة يستطيع أن يقف أمام حكمة الله وتدبيره؛ فالحية أيضاً التى كانت السبب فى سقوط البشرية علّقها موسى فى البرية لتكون وسيلة لبعد الناس عن الشر والتخلّص من الخطية. ويقول القديس مار إفرام السريانى:}كما أخفى الشيطان نفسه داخل الحية لكى يُسقط الإنسان هكذا أخفى السيد المسيح لاهوته عن الشيطان بالناسوت{ لأنه حجب مجده بالناسوتية “ركب على كاروب وطار… وجعل الظلمة له حجاباً” (مز18: 10).
عندما عُلِّق السيد المسيح على الصليب كان مثل الشجرة والثمرة معلقة فيها. فإذ نظر إبليس إلى الشجرة ووجد أن الثمرة شهية للأكل وجيدة للنظر، إلتهم تلك الثمرة وإذ إبتلع الموت ما هو ضده إبتُلِعَ الموت من الحياة كما كتب بولس الرسول “لكى يبيد بالموت ذاك الذى له سلطان الموت أى إبليس” (عب2 :14). أراد الرب يسوع أن يذكّر إبليس بما فعله فى الإنسان وأراد أن يسقيه من نفس الكأس الذى ملأه وجرعه لغيره. لذلك يقول بولس الرسول عن نعمة الخلاص “التى أجزلها لنا بكل حكمة وفطنة” (أف1: 8). لم يؤذ أحداً إنما كان يأتى عليه كل الأذى، وهو يحرر البشر من سلطان الموت والخطية. وهذه هى حكمة الله العجيبة، فالشيطان ليست له حجة لأنه هو المعتدِى فعندما قُبض عليه متلبساً بجريمته كان لابد أن يدان. لذلك كان موت السيد المسيح على الصليب هو أحد مراحل دينونة الشر والخطية. “لأنه ما كان الناموس عاجزاً عنه فى ما كان ضعيفاً بالجسد فالله إذ أرسل إبنه فى شبه جسد الخطية ولأجل الخطية دان الخطية فى الجسد” (رو 8 : 3). فأدين الشيطان على الصليب .
والخلاصة أنه كان لابد للسيد المسيح أن يعمل نجاراً لكى نعرف أنه صانع الفداء على الصليب ولهذا كان لابد أن يموت على خشبة .

الصليب فتح باب الفردوس :
إختار السيد المسيح أن يكون قبره فى بستان، وإختار أن يظهر لمريم المجدلية فى البستان. وحينما رأته مريم المجدلية التى تمثّل البشرية “ظنت تلك أنه البستانى” (يو20: 15). وإذ ظهر لها فى هذه الهيئة أراد بذلك أن يذكّرها بالجنة وحادثة سقوط البشرية ليفهمها أن الصليب فتح الفردوس، لذلك قصد أن يكون لقاؤه معها فى بستان. فى البستان الأول ظهر إبليس لحواء فى صورة الحية ولكن الذى قابل المجدلية هو السيد المسيح المخلِّص آدم الجديد لكى يقول لها “إنى أصعد إلى أبى وأبيكم وإلهى وإلهكم” (يو20: 17) وليبشرها أنه كما أن الله هو أباه بالطبيعة فسوف يصير لنا أباً بالتبنى. فالذى يكلِّمها ليس هو إبليس الذى كلّم حواء فى الجنة لكنه كلمة الله الآب الذى يبشرها بالحياة الجديدة التى “كانت عند الآب وأظهرت لنا” (1يو1: 2).

9 – الصليب محا اللعنة :
ورد فى سفر التثنية ” المعلّق ملعون من الله” (تث21: 23) لذلك أصّر اليهود على أن يموت السيد المسيح صلباً، لكى يثبتوا عليه اللعنة بحسب الناموس ولا يجرؤ أحد أن يقول إنه بار أو قديس لأن الناموس يقول “إن المعلّق ملعون من الله”. مع أن الله وضع هذه الآية فى الناموس لكى يُعلّق الله الكلمة على الصليب ويرفع لعنة الخطية، لذلك أكمل أشعياء النبى المعنى قائلاً “لكن أحزاننا حملها وأوجاعنا تحملها ونحن حسبناه مُصاباً مضروباً من الله ومذلولاً. وهو مجروح لأجل معاصينا مسحوق لأجل أثامنا تأديب سلامنا عليه وبحبره شُفينا” (أش53: 4-5). قد يعتقدون أنه ملعون لكنه حمل لعنة خطايا آخرين وحمل خطايا كثيرين وشفع فى المذنبين حاملاً آثامهم. لذلك لا ينبغى أن تؤخذ آية واحدة بدون النظر إلى ما يُكمل المعنى من آيات أخرى فى الكتاب.
محا السيد المسيح لعنة الخطية بقيامته من بين الأموات كما قال معلمنا بولس الرسول “وتعين إبن الله بقوة من جهة روح القداسة بالقيامة من الأموات” (رو1: 4). لذلك يقول أيضاً “الذى أسلِمَ من أجل خطايانا وأقيم لأجل تبريرنا” (رو4: 25). وأكد أهمية الصليب كوسيلة لرفع اللعنة عن المفديين فقال أن “المسيح إفتدانا من لعنة الناموس، إذ صار لعنة لأجلنا. لأنه مكتوب: “ملعون كل من علّق على خشبة”. لتصير بركة إبراهيم للأمم فى المسيح يسوع، لننال بالإيمان موعد الروح” (غل3: 13، 14).

10- الصليب والعرش الإلهى :
الصليب كعلامة له أربعة أفرع أو أجنحة ويرمز للعرش الإلهى الذى حوله الأربعة الأحياء غير المتجسدين. والعرش السماوى ليس عرشاً مادياً لكنه عرش روحى وهو يتصل بالصليب بالرقم أربعة. فالرقم أربعة واضح فى العرش السماوى وفى الصليب جداً. الصليب يرمز إلى إنتشار الخلاص فى العالم كله. لأن به كان الخلاص من مشارق الأرض إلى مغاربها ومن الشمال إلى الجنوب. كما أن الأربعة الأحياء التى حول العرش ترمز للخلاص. فصورة الإنسان ترمز للتجسد وصورة العجل ترمز للذبيحة أو الصلب وصورة الأسد ترمز للقيامة والقوة لأن المسيح بقيامته من بين الأموات أعلن سلطانه الإلهى على الموت. لأنه هو ملك الملوك ورب الأرباب. وصورة النسر ترمز للصعود لأن النسر يحلِّق فى السماء. فالأحياء الأربعة ترمز لتجسد الكلمة وصلبه وقيامته وصعوده.
ولكى ينتشر الإنجيل فى العالم كله إنتشر من خلال أربع بشاير: متى ولوقا ومرقس ويوحنا. وهذا الترتيب هو ترتيب الأربعة الأحياء الحاملين للعرش الإلهى. فهذا هو الترتيب اللاهوتى للبشاير الأربعة. لم يكن عدد الأناجيل ثلاثة أو خمسة ولكنها كانت أربعة ولم يكن هذا بمحض الصدفة إنما كان نتيجة لإرتباط الأناجيل بفكرة الصليب و بفكرة العرش أيضاً الذى حوله الأحياء الأربعة.
يتكلم إنجيل متى عن السيد المسيح ابن داود أو ابن الإنسان وذُكِرَ لقب إبن الإنسان 33 مرة فى إنجيل متى، لذلك يرمز إليه بالإنسان. أما إنجيل لوقا فيتكلم عن السيد المسيح الخادم وعن عمله فى تقديم نفسه كذبيحة لذلك اهتم جداً بأحداث الختان فى اليوم الثامن والذهاب للهيكل لتقديم الذبيحة (فرخى الحمام) وذهابهم للهيكل أيضاً فى اليوم الأربعين. ففى إنجيل لوقا نجد معانى كثيرة تشير إلى الذبيحة لذلك يرمز إليه بالعجل. وإنجيل مرقس من بدايته يتكلم عن الصوت الصارخ فى البرية ثم عن معجزاته وقوته لذلك يرمز إليه بالأسد. أما إنجيل يوحنا فيتكلم عن لاهوت السيد المسيح والإلهيات لذلك يرمز إليه بالنسر المحلق فى السماويات. لذلك فإن الأربع بشاير تشير إلى عمل الله فى خلاص البشرية وخبر انتشاره فى العالم كله.
فلكى تتحقق كل الرموز الخاصة بالفداء وكل المعانى الروحية؛ كان لابد للسيد المسيح أن يموت مصلوباً وليس بأى ميتة. حتى أن السيد المسيح تكفن بالطيب قبل موته لكى يكون ميتاً وهو حى، وحياً وهو ميت. وهكذا مات قائماً لكى نرى القيامة فى الصليب ونرى الصليب فى القيامة.

الأحياء الأربعة ومراحل الفداء :
رأى حزقيال النبى مركبة الشاروبيم ورأى كل من الأحياء الأربعة له أربع وجوه. ونحن أيضاً ينبغى أن نرى فى كل حدث من أحداث الخلاص باقى الأحداث. فعندما ننظر للتجسد نرى فيه الفداء : فقد ولد السيد المسيح فى مزود فى وسط الغنم والبقر والعجول لكى نعرف أنه منذ ميلاده هو ذبيحة وقد جاء ليذبح. كما لا يمكن فصل التجسد عن الصليب أو القيامة. التركيز على الصليب وحده ربما يقود إلى الشك لذلك قال السيد المسيح لتلاميذه “كلكم تشكُّون فىّ فى هذه الليلة” (مر14: 27). فالذى ينظر إلى الصليب بدون القيامة يتشكك. لذلك قال لهم إن إبن الإنسان “يُسلّم إلى الأمم… يجلدونه ويقتلونه وفى اليوم الثالث يقوم” (لو33:18). كان لابد أن يؤكد لهم القيامة لكى كما قال لبطرس “طلبت من أجلك لكى لا يفنى إيمانك” (لو22: 32). لذلك كل واحد من الأحياء الأربعة له أربع وجوه فعندما ننظر بروح الرؤيا النبوية نرى مع حزقيال الثلاثة وجوه الأخرى (الأسد والعجل والنسر) أى أننا عندما نتأمل فى ميلاده نتأمل ضمناً فى صلبه وقيامته وصعوده للسماء.
كانت مريم المجدلية تريد القيامة بدون الصعود فرفض السيد المسيح هذه الرغبة لتتذكر قوله للتلاميذ “خير لكم أن أنطلق. لأنه إن لم أنطلق لا يأتيكم المعزى” (يو16: 7).. وكأنه يقول كيف تولدوا ولادة جديدة وتصيروا أولاداً لله وتغتسلوا من خطاياكم؟ كيف تصيروا أعضاءً فى جسدى وتتناولوا من جسدى ودمى؟ وكيف تكونوا هياكل لله؟
هذا عمل الروح القدس فى الكنيسة، والروح القدس لن يأت إلا بعد الصعود. كان لابد أن يصعد السيد المسيح إلى السماء بعد أن تمم الفداء لأن بركات الفداء لن تصل إليهم إلا بالصعود للسماء. كان لابد أن يذهب إلى المقادس العلوية لكى يخدم كرئيس كهنة، وهناك أمام الله الآب يشفع فينا من أجل غفران خطايانا. ومنذ القديم كان صعود الذبيحة يعنى أنها قُبلت، لذلك كان ينبغى للصعيدة أن تصعد. إذا رفضنا صعوده نكون مثل من يقدّم الصعيدة للآب السماوى وعندما يمد الآب يده ليقبلها يريد أن يستردها ثانية..‍‍‍!!
مريم المجدلية كانت تفكر بهذه الطريقة : فرحتها بالقيامة جعلتها تريد أن تمسك بالسيد المسيح. فقال لها “لا تلمسينى لأنى لم أصعد بعد إلى أبى. ولكن إذهبى إلى إخوتى وقولى لهم إنى أصعد إلى أبى وأبيكم وإلهى وإلهكم” (يو20 :17) وهذا شرط إستمرار العلاقات بيننا. بالطبع كان قوله لها “لا تلمسينى” بمثابة صفعة على وجهها. ففى أول لقاء عندما ظهر لها فى البستان بعد قيامته من بين الأموات مسكت قدميه وسجدت له لكن قوله لها “لا تلمسينى” هنا معناه أنه لا يريدها أن تمسك به. وعند الرجوع إلى المعنى اليونانى للفظة “لا تلمسينى” نجد أنها تعنى بداية اللمس للإمساك بالشىء وليس مجرد اللمس فقط.

رؤيا حزقيال ورؤيا يوحنا :
رأى حزقيال النبى الأحياء الأربعة بأربعة وجوه وأما يوحنا فقد رآها بوجه واحد. وليس معنى هذا أن رؤيا حزقيال النبى كانت أوضح من رؤيا يوحنا لأن يوحنا رأى أكثر مما رآه حزقيال مع أن المنظر الذى رآه حزقيال كان منظراً رهيباً جداً: البكرات والنار والمركبة النارية الشاروبيمية. لكن عندما رأى يوحنا الرؤيا كان قد تم التجسد والصلب والقيامة والصعود فدخلت هذه الأمور فى مجال الزمن وأصبح التجسد فى وقت والصلب فى وقت ثانٍ والقيامة فى وقت ثالث والصعود فى وقت رابع وأصبحت أحداثاً متتالية كل حدث منها له معالمه البارزة التى تحدده. فلم تحدث القيامة فى يوم الصلب ولم يحدث الصلب فى يوم الميلاد ولم يحدث الصعود فى يوم القيامة. لذلك كان لابد أن يكون بين الصعود والقيامة أربعين يوماً لأنه إذا حدث الصعود فى يوم القيامة لن نفهم ما معنى القيامة ومعنى الصعود. وكان يمكن أن يحدث مزج بين المعنيين. القيامة حدث مستقل بذاته دون أن ينفصل عن الصعود والصلب والميلاد، أى أنه لم يمتزج ويذوب فى أحداث أخرى، لكن بدون إنفصال، أى أن له ملامحه المحددة القائمة بذاتها. ولهذا رآى يوحنا وجه واحد لكل من الأحياء الأربعة. أما حزقيال النبى فقد رأى أربعة وجوه للواحد منهم: لأن الأحداث لم تكن قد تمت بعد فيراها حزقيال بروح النبوة كأحداث متلازمة يُكمل بها الأربعة معاً عملية الفداء.
رأى حزقيال النبى الأحياء الأربعة من بعيد، لذلك رأى أربعة وجوه، لكل منها، لكن يوحنا عندما نظر عن قرب، رأى وجهاً واحداً فقط. فعندما وصف يوحنا العرش الإلهى أبرز تمايز أحداث التجسد والصلب والقيامة والصعود وهى أحداث عايشها يوحنا الإنجيلى فى مراحلها المتمايزة، لكن حزقيال الذى رأى من بعيد كانت الأحداث تتراكم مع بعضها فى نظره وتلاشت الفوارق الزمنية بينها لأنه يراها بروح النبوة وليس كأحداث حدثت فعلاً. ولتقريب المعنى نورد المثال التالى: إذا نظرنا إلى أى شىء من بعيد نرى له وجوهاً كثيرة، لكن إذا وضعناه أمام أعيننا لن نرى سوى الوجه المقابل لنا فقط.

نشرت تحت تصنيف مقالات لاهوتيه, موضوعات كتابيه, مسيحيات, دفاعيات, روحانيات | Leave a Comment »

المحاضرة الاولي لابونا الغالي (بيتركيفا) وموضوع المحاضرة عن * مجئ العريس* المجئ الثاني للرب يسوع المسيح وذلك في رومكم المحبوبه ll Jesus Christ IS The Way ll

Posted by Akristus_Anstee على 24 يونيو 2011


**********************************

تقدم روم يسوع المسيح هو الطريق تحت ادارة الاونر انا مانجو- والسوبر ادمن اخرستوس انيستي

سلسة محاضرات يقدمها لنا القمص (بيتر كيفا )في رومكم المحبوبة

ll Jesus Christ IS The Way ll

المحاضرة الاولي لابونا القمص (بيتر كيفا) وموضوع المحاضره عن * مجئ العريس* المجئ الثاني للرب يسوع المسيح .

لتحميل المحاضره اضغط هنااااااااااااا

نشرت تحت تصنيف محاضرات, محاضرات عامة, مسيحيات, روحانيات | 2 Comments »

بحث (هام)عن براهين لاهوت اقنوم الابن لاخونا خادم الرب ( sanmark_100)

Posted by Akristus_Anstee على 23 يونيو 2011


براهيـــن لاهـــوت اقنــوم الابـــن

تعتبر عقيدة التثليث المسيحي من العقائد الحياتية الهامة في حياة المسيحي، فلا يستطيع الإنسان المسيحي أن يحيا دون الإيمان بالثالوث القدوس، وعمله في حياة الإنسان.

وقبل أن نبدأ الخوض في الحديث عن هذه العقيدة الهامة نذكر هذه القصة الشهيرة عن القديس أغسطينوس (354 – 430م) أسقف هيبو : “أنه وبينما كان سائراً على شاطئ البحر ، وكان يفكر في إعداد كتابه عن الثالوث القدوس، رأى طفلا صغيراً يحمل ماء من البحر ويصبه في حفرة صغيرة على الشاطئ كان قد حفرها بنفسه ، وحينما سأله القديس: ماذا تفعل يا بني؟ أجابه إنني أقوم بإفراغ البحر في هذه الحفرة. فسأله القديس وكيف تسع حفرتك الصغيرة هذا البحر الواسع؟ أجابه الطفل – وكان ملاكاً من الله – وأنت كيف تستوعب عقيدة الثالوث القدوس بعقلك البشري المحدود؟وهذا حق فإننا لو استطعنا احتواء الله بالكامل في عقولنا المحدودة لكان الله محدوداً ، وحاشا لله أن يكون محدوداً

وسنسرد سويا في ما بعد الايات والدلائل من الكتاب المقدس

اين المسيح اعلن عن لاهوته بنفسه
اين اعلن الله الاب عن لاهوت الابن
اين اعلنو الرسل عن لاهوت الابن

سنبدا اولا بشرح مبسط عن التثليث والتوحيد فى المسيحيه وكيف يكون الثلاثه واحد
كيف يكون 1+1+1=1

مازال البعض مشوش بالنسبة للآب والأبن والروح القدس وكيف انهم إله واحد وهذا الذى سوف نشرحة بنعمة المسيح فى هذه الرسالة بعنوان ( التثليث والتوحيد ) وكيف ان إلهنا واحد وليس ثلاثة ألهه .

نبدأ حديثنا بقصة واقعية بسيطة معبرة عن موضوعنا وتعتبر مدخلا مناسبا لبدء الحديث عن سر التثليث والتوحيد .تقول القصة … إن عالماً ملحداً أخذ ذات يوم يهزأ أمام سامعيه بعقيدة المسيحيون … ثم فى سخرية التفت إلى أحد المؤمنين الحاضرين وسأله قائلا : كيف تفهم ان الثلاثة يكونون واحد والواحد يكون ثلاثة !؟

وكان بجانب ذلك المسيحى شمعة فأخذها وأجاب على سؤال العالم الملحد بسؤال قائلا : وهل تستطيع أنت ان تخبرنى عن كيفية أشتعال هذه الشمعة ؟

فأجاب الملحد قائلا : إن الأمر سهل جدا … إذ ان الشحم (المادة الشمعية) والفتيل والهواء .. هذه الثلاثة إتحدت معا فأعطت هذا النور المنظور .. وهنا رد المسيحى سائلا مرة أخرى : وهل يمكنك ان تفهم كيف ان الثلاثة مواد توجد نورا واحداً

فاجاب الملحد : لا … إننى لا افهم كيف يحدث هذا مع تصديقى للأمر

وهنا أجاب المسيحى البسيط المملوء من روح الله قائلا :

” هكذا الله … وإن كنا لا نفهم تماماً بعقولنا كل شيئ عن حقيقة ثالوث وحدانيته . ووحدانيه ثالوثه … إلا اننا نؤمن بها والعقل يقبلها لأنها لا تتعارض معه وإن كانت تسمو عليه . “

صديقى : لقد تجرأنا … نعم إذ نبحث فى موضوع مثل التثليث والتوحيد لأنه بحث فى طبيعة الله وجوهره … ومن هو الأنسان حتى يريد أن يفهم جوهر الله .

فإن كان الأنسان لم يعرف بعد نفسه جيدا من حيث جوهره .. أفلا تعتبر جرأة إن أراد أن يعرف الله لأن ” امور الله لا يعرفها احد الا روح الله ( 1كو 2 : 11 ) “

ولذلك يوصى بولس الرسول كل أحد ” ان لا يرتئي فوق ما ينبغي ان يرتئي بل يرتئي الى التعقل ( رو 12 : 3 ) ” أى أننا ممكن بعقلنا المحدود أن نأخذ ولو شعاعا بسيطا قدر ما تستطيع طبيعتنا البشرية ان تحتمل من أعلانات الله لنا عن نفسه … أى نرتئي الى التعقل .ونحتاج بالضرورة يا صديقى الى الأتضاع فى كلامنا عن الموضوعات اللاهوتية بصفة عامة .. لأنه إن كان العلم ينفخ فكم يكون الأمر اذا ارتبط باللاهوتيات … كم قاد هذا العلم كثيرين للكبرياء والهرطقة … حفظنا الرب .[/color]

الحقائق اللاهوتية فوق العقل والأدراك وهذا لا يعيب .. بل بالعكس هو دليل صحتها .. فالعقل اذا اخترع شيئاً إنما يخترع ما يتناسب مع فهمه وقدراته ..

فكون ان حقيقة التثليث والتوحيد أسمى من العقل فهذا دليل انها ليست من أختراع الأنسان فمن المنطقى أن يكون الله فوق العقل ...

لآننا لو امكننا أن نستوعب الله إلهاً بعقولنا فبكل تأكيد لا يكون هو الله .

وان كانت هناك حقائق علمية وظواهر طبيعية كثيرة جدا أثبتها العلم فصدقناها دون ان نفهم أعماقها وأسرارها فما بالنا نريد ان نفهم أعماق الله!! … وهذه أمثلة من الطبيعة تؤكد ذلك :
1. السكر الأبيض الذى يستخرج من نبات قصب السكر … هذا السكر الحلو المذاق والمستخدم فى عمليات التحلية يتكون من 3 عناصر لا مذاق لها جميعا وهى الأكسجين والهيدروجين والكربون … فكيف يمكن لعناصر ثلاثة عديمة المذاق ان تخرج لنا بإتحادها السكر الشديد الحلاوة !!! … ويزيد الأمر صعوبة فى الفهم ان عنصرين منها بلا لون وهما الأكسجين والهيدروجين وثالثهما اسود وهو الكربون … فكيف يمكن لعنصر أسود اللون يتحد مع عنصرين عديما اللون لتخرج لنا فى النهاية مادة بيضاء !!!

2. مثال أخر وهو الماء الذى يتكون من عنصرين وهما الهيدروجين والأكسجين حيث نجد أحدهما يشتعل والأخر يساعد على الاشتعال ولكنهما اذا اتحدا معا ينتج الماء الذى يستخدم فى إطفاء ما هو مشتعل !!

3. مثال ثالث وهو الملح الذى لا يخلو منه طعامنا نجد انه يتكون من عنصرى الكلور والصوديوم وكلاهما سام اذا اخذ بمفرده ولكنهما اذا اتحدا معاً نتج الملح الذى يعطى مذاقا لما نأكله !! فإن كان هذا يا صديقى هو إعجاز الله فى الطبيعة الغير عاقلة … فكم وكم يكون الأمر فى ثالوث أقانيمه … إننا لو كنا نفهم وندرك كل ما يدركه الله لما فاقنا هو فى شئ .

لذلك نؤكد على حقيقة ان وجود بعض الأسرار الفائقة التى يتأسس عليها الدين إنما يؤكد ان هذا الدين من الله … لآنه لو كانت هذه الاسرار من الأنسان لفهمها … وهنا تظهر أهمية وجود الأيمان لينال الأنسان المكافأة عليه . لأنه اى فضل لنا إن آمنا بما نراه وندركه فقط …

إن الدين الصحيح يحوى أمورا يفهمها العقل دليلا على صدق ذلك الدين … كما يحوى أموراً تسمو على العقل ليستحق المكافاة على الأيمان والتسليم به .

نوع وحدانية الله :

بالطبع الله واحد ولكن … هناك نوعان من الوحدانية … وحدانية مجردة مطلقة صماء مصمدة … والثانية وحدانية جامعة مانعة … فمن اى النوعين يا ترى وحدانية الله ؟؟؟

إن قلنا أنها وحدانية مجردة صماء فمعنى هذا أنه قبل خلق الملائكة والبشر كان الله فى حالة سكون تام لا يتكلم ولا يسمع ولا يحب … ثم طرأ عليه تغيير إذ تكلم للأباء بالأنبياء وصار يسمع الصلاة ويحب البشر وهكذا حدثت عليه تغييرات بينما هو جلت عظمته منزه عن التغيير والتطور .أما إذا قلنا ان الله يتكلم ويسمع ويحب قبل خلق الملائكة والبشر ….

فالسؤال الذى يفرض نفسه تلقائياً هو : مع من كان يتكلم الله ؟؟؟ وإلى من كان يسمع ؟؟؟ ومن كان يحب ؟؟؟

إن وُجد آخرون منذ الأزل كان الله يكلمهم ويسمعهم ويحبهم كان هذا تعدد آلهه

إن هذه المشكلة قد حلها لنا الكتاب المقدس فى بساطة عميقة مظهراً لنا ان وحدانية الله هى وحدانية جامعة مانعة … فهى جامعة لكل ما هو لازم لها ومانعة لكل ما عداه … وبناء عليه فالله منذ الأزل وإلى الأبد هو هو : ” ليس عنده تغيير ولا ظل دوران (يع 7:1) “فهو كليم وسميع فى نفس الوقت وأيضا محب ومحبوب فى آن واحد .

وهنا نجد ان وحدانية الله بالضرورة هى وحدانية جامعة لثلاثة أقانيم ومانعة لما هو اقل أو أكثر من ذلك .

وهذا يجعلنا نسأل عن معنى أقنوم ؟

كلمة أقنوم معناها صفة أو خاصية يقوم عليها الكيان الإلهى وبدونها ينعدم قيام الكيان أو الذات الإلهيه … وعلى ذلك ففى جوهر الله الواحد ثلاث أقانيم مع ملاحظة أنها ليست أجزاء فى الجوهر الإلهى … إذ هو جوهر بسيط كامل لا يقبل التجزئة .

فما هى إذن أقانيم الله الثلاثة أو خواصه الذاتية ؟

(1) خاصية الوجود :

فالله موجود وواجب الوجود . وإذا لم تكن لله صفة الوجود يكون عدماً . وحاشا لله أن يكون غير موجود … هذه الصفة نسميها ( الآب ) ومعناها الأصل أو الوجود أو الكيان .

(2) خاصية العقل والحكمة :

فالله عاقل بل هو مصدر العقل والحكمة وإذا لم يكن الله عاقلا فليس له وجود لأن الله عقل كله وليس فيه جسم … وأقنوم العقل فى الله نسميه ( الأبن ) او ( الكلمة ) إذ هو الأقنوم الذى أعلن لنا عن الله فهذا الأقنوم هو عقل الله الناطق او نطق الله العاقل . وسبب تسميته بالأبن لأن الفكر أو النطق صادر من الكيان الإلهى والشئ الصادر عن شئ يسمى مولود منه … فمثلا يقال ( فلان لم ينطق ببنت شفة ) أو ( بنات أفكاره ) .. فلأن الكلمة صادرة عن الفكر أو الشفة سميت بنتها .. وكذلك الأفكار تسمى ( وليدة العقل )

وخروج الأبن من عند الآب للتجسد إنما هو خروج من غير أنفصال مثل خروج الفكرة من عقل صاحبها وتذهب إلى أقاصى الأرض مع بقائها فى عقله .

(3) خاصية الحياة :

فالله حى بل هو مصدر وواهب الحياة … وإذا لم يكن الله حياً كان ميتاً وبالتالى ليس له وجود … هذه الخاصية أو هذا الأقنوم ندعوه ( الروح القدس ) . وسميت بالروح القدس لأنها روح الله

وخلاصة ذلك نفهم ان الجوهر الإلهى واحد ولكن الخواص التى يقوم عليها هى ثلاثة نسميها الآب والأبن والروح القدس … وبالتالى يكون الآب غير الأبن غير الروح القدس … ولكن فى نفس الوقت نجد أن الآب هو الله والأبن هو الله والروح القدس هو الله

مثال من الطبيعة يوضح لك عقيدة التثليث والتوحيد ببساطة:

الضوء : عند تحليل الضوء الطبيعى أكتشف أنه يتكون من ثلاث أشعة يمكن تمييزها وتمييز عملها عن بعضها مع أستحاله الفصل بينها وهى :

1. شعاع حرارة : وهو سبب حياة جميع الكائنات ولا يمكن ان نراه وإن كنا نشعر به .. وهو يرمز إلى الآب غير المرئى .
2. شعاع نور : وهذا نراه بعيوننا ويرمز للأبن الذى رأيناه بالتجسد .
3. شعاع كيميائى : وهذا وإن كنا لا نراه لكن يظهر تأثيره الكيميائى فى كثير من الظواهر كالتصوير الشمسى مثلا .. وهو يرمز إلى الروح القدس فى عمله الخفى فى النفس بأسرار الكنيسة السبعة .
وواضح أن كل شعاع من هذه الثلاث غير الأثنين الأخرين فى عمله وتأثيره مع بقاءه متحداً معهما ويستحيل الفصل بينهم . كذلك هو الله ( الآب والأبن والروح القدس )

وأطمئنك أن الله نفسه قد أشار كثيرا فى كتابه المقدس لحقيقة وحدانيته وتعدد أقانيمه أى أنه بالفعل إله واحد ليس سواه ولكنه متعدد الأقانيم (وحدانيه جامعة مانعة وليست مجردة مطلقة صماء).. تأمل معى تلك الآيات بهدوء على سبيل المثال لا الحصر :

1. قال الله نعمل الانسان على صورتنا كشبهنا ( تك 1 : 26 )

2. بعد السقوط .. ” قال الرب الاله هوذا الانسان قد صار كواحد منا ( تك 3 : 22 ) “

3. هلم ننزل و نبلبل هناك لسانهم ( تك 11 : 7 )

4. قال الرب (الآب) لربي (الأبن) اجلس عن يميني حتى اضع اعداءك موطئا لقدميك ( مز 110 : 1 )

5. من ثبت جميع اطراف الارض ما اسمه و ما اسم ابنه ان عرفت ( ام 30 : 4 )

6. قول الله على لسان أشعياء .. ” سمعت صوت السيد قائلا من ارسل (مفرد) و من يذهب من اجلنا (جمع) ( اش 6 : 8 ) “
وربما يعترض البعض بأن هذه التعبيرات هى على سبيل التعظيم

فنرد بكل بساطة أن اللغة العبرية التى كتب بها العهد القديم لا تعرف أسلوب التعظيم فيها والذين يدرسون العبرية يعرفون ذلك جيدا …

ودليل أخر نقوله ان ملوك بلاد أعرق الحضارات القديمة فرعون ونبوخذنصر وداريوس يتكلمون عن أنفسهم بلغة المفرد ( تك 44:41 / دا 6:4 / عز 12:6 )

هذا كان بالنسبة للعهد القديم أما بالنسبة للعهد الجديد فكانت أكثر وضوحا … تأمل تلك الآيات على سبيل المثال لا الحصر :

7. شهادة السيد المسيح عن نفسه .. ” انا و الاب واحد ( يو 10 : 30 ) “

8. رد السيد المسيح على فيلبس .. ” الذي رأني فقد رأى الاب فكيف تقول انت أرنا الاب ( يو 14 : 9 ) “

9. فان الذين يشهدون في السماء هم ثلاثة الاب و الكلمة (الأبن) و الروح القدس و هؤلاء الثلاثة هم واحد ( 1يو 5 : 7 )

ترتيب وتسمية الأقانيم

توجد نقطة أخرى أحب ان أذكرك بها وهى ان البعض يظن أفضلية وسمو أقنوم الآب عن أقنوم الأبن وأقنوم الروح القدس وأيضا أفضلية الأبن عن الروح القدس وذلك نظرا للترتيب الذى ذكره السيد المسيح ” اذهبوا و تلمذوا جميع الامم و عمدوهم باسم الاب و الابن و الروح القدس ( مت 28 : 19 ) ” ولكن حاشا لنا نحن فى إيماننا المستقيم ان نقول بهذا إذ نؤمن ان الثلاثصفــــــات جوهريه + + + + + صفـــــــات اقنوميهة أقانيم متساوون تماماً فى الذات الإلهية ولا يوجد أدنى أفضلية لأقنوم عن الأقنومين الأخرين

الاب ……….. خالق ــــــــــــــــــــــــــــــــ الاب …………… والدالابن……….. خالق ـــــــــــــــــــــــــــــــــ الابن ………….. مولودالروح …….. خالق ـــــــــــــــــــــــــــــــــ الروح ………… منبثق

 

السيد المسيح اعلن عن لاهوته بنفسه

1- اعلن انه مساوى للاب : -
+ انا والاب واحد

+ ليكونوا واحدا كما نحن ( يوحنا 10/20)

+ ليكونوا واحدا كما اننا واحد (يوحنا 17/11)

2-اعلن انه فى الاب والاب فيه:-

+لكى تعرفوا وتؤمنوا ان الاب فى وانا فيه (يوحنا 10/28)

+ ألست تؤمن انى انا فى الاب والاب فى (يوحنا 14/10)

+ صدقنى انا فى الاب والاب فى (14/11)

+ انا فى ابى (يوحنا 14/20)

3- اعلن انه يعمل كل اعمال الاب :-

+ ان كنت لست اعمل اعمال ابى فلا تؤمنوا بى (يوحنا 10/37)

+ ابى يعمل حتى الان وانا اعمل ( يوحنا 5/17)

+ان مهما عمل الاب فهذا يعمله الابن كذلك (يوحنا 5/19)

+ لانه كما ان الاب يقيم الاموات ويحيى كذلك الابن ايضا (يوحنا 5/21)

+ انت ايها الاب فى وانا فيك ( يوحنا 17/21)

4- اعلن انه ابدى {صفه من صفات الله}

+ قبل ان يكون ابراهيم انا كائن (يوحنا 8/58)

+ انا هو الالف والياء البدايا والنهايه (رؤيا 1/8)

+ مجدنى بالمجد الذى كان لى عندك قبل كون العالم (يوحنا 17/5)

+ لانك احببتنى قبل انشاء العالم (يوحنا 17/24)

+ انا هو الاول والاخر والحى وكنت ميتا وها انا حى الى الابد (رؤيا 1/18)

+ ان الذى ياتى بعدى صار قدامى لانه كان قبلى (يوحنا 1/15)

5- اعلن انه حاضر فى كل مكان وزمان {صفه من صفات الله}

+ ها انا معكم كل الايام والى انقضاء الدهر (متى 28/20)

+ ليس أحد صعد إلى السماء إلا الذي نزل من السماء ابن الإنسان الذي هو في السماء (يوحنا 3/13)

+ لانه حينما اجتمع اثنان او ثلاثه باسمى فهناك اكون فى وسطهم ( متى 18/20)

+فستعرف الكنائس انى انا الفاحص القلوب والكلى (رؤيا 2/18)                 

لتحميل البحث اضغط هنااااااا
 

نشرت تحت تصنيف مقالات لاهوتيه, منوعات, موضوعات كتابيه, مسيحيات, دفاعيات, ردود اباء الكنيسة | Leave a Comment »

محاضرة اخونا الحبيب العابر يوحنا " شرح العقيدة المسيحية " والمحاضرة مهداة للمسلمين عامة ولشيوخ وعلماء الازهر بروم ll Jesus Christ IS The Way II

Posted by Akristus_Anstee على 16 يونيو 2011


محاضرة اخونا الحبيب العابر يوحنا ” شرح العقيدة المسيحية ” والمحاضرة مهداة للمسلمين عامة ولشيوخ وعلماء الازهر بروم ll Jesus Christ IS The Way II

نشرت تحت تصنيف محاضرات, محاضرات عامة, مسيحيات, الردود على تدليسات الرومات الاسلامية, دفاعيات, غير مصنف | Leave a Comment »

القديس أثناسيوس الرسولي واللاهوت السكندرى

Posted by Akristus_Anstee على 15 يونيو 2011


أثناسيوس واللاهوت السكندرى

 

اباء الاسكندرية و فكرهم اللاهوتى

ركز آباء مدرسة الإسكندرية في فكرهم اللاهوتي على نعمة الله كعطية مستمرة ديناميكية لتجديد طبيعتنا البشرية بالروح القدس الذي يهبنا الاتحاد مع الآب في الابن. ففي شخص السيد المسيح لا نحصل فقط على مغفرة الخطايا بالروح القدس، بل ننال “حياة جديدة” متحررة من الخطية كنعمة أو عطية إلهية. يتحدث القديس بولس عن خلع الإنسان العتيق أو “الطبيعة العتيقة الفاسدة” ولبس الجديد أو الإنسان الداخلي أو الطبيعة المتجددة في الروح، الإنسان الجديد الذي يحمل سمات الله من برٍ وقداسةٍ (2 كو 21: 5؛ رو 1: 8). بالنعمة الإلهية نُعتبر أعضاء في جسد المسيح، أولاد الله، لنا قوة ممارسة حياة القداسة لأننا قد تقدسنا في المسيح وتكرسنا للآب. فالمؤمن ككل، بروحه وجسده وعواطفه وحواسه وفكره، يتقدس وتتحول طاقاته إلى آلات للبر (رو 13: 6). المسيح القائم من بين الأموات كائن في حياة المؤمن كهبة إلهية تقدم له المجد الداخلي وعربون الأمجاد السماوية الأبدية.

 

يُدعى هذا المفهوم عن تجديد الطبيعة البشرية “التأله”، حيث يشارك المؤمن الطبيعة الإلهية (2 بط 4: 1)، فيصير المسيح له برًا وقداسة (1 كو 30: 1). ويمكن تلخيص لاهوت الإسكندرية في بضع كلمات: “أخذ الله بشريتنا حتى يشاركه الإنسان حياته” أو “صار الله إنسانًا كي ما يصير البشر آلهة “.

 

واجه القديس مرقس الرسول ثلاثة تيارات خطيرة بالإسكندرية، وهي:

 

- اعتزاز المصريين بما بلغوه من تقدم علمي وفني لايزال يدهش العالم الحديث مثل هندسة المعابد والأهرامات وفن التحنيط والرسم والنحت الخ.

- اعتزاز المجتمع اليوناني السكندري بالفلسفة اليونانية والثقافة الهيلينية التي سادت العالم حتى في أثناء انتشار الإمبراطورية الرومانية.

- اعتزاز المجتمع اليهودي بالإسكندرية بالديانة اليهودية بصورة حرفية، وشعورهم انهم دون غيرهم شعب الله، مستلمو الشريعة الموسوية وأصحاب الوعود الإلهية، ولهم العهد الإلهي الخ.

 

كما يشهد القديس جيروم أن القديس مرقس الرسول أنشأ أول معهد مسيحي علمي في العالم، وهو مدرسة الإسكندرية المسيحية، لقد تفاعل القديس أثناسيوس الرسولي مع الفكر اللاهوتي السكندري، فحمل إلي العالم فكر مدرسة الإسكندرية من جوانبه المتعددة.

 

نظرة اثناسيوس اللاهوتية الخلاصية

كان القديس أثناسيوس في كل حواراته اللاهوتية مهتما بخلاص الإنسان(1)، فكان يؤكد بحرارة أن الله وحده يقدر أن يخلص الجنس البشري الساقط .(2)

في كل مقالاته ضد الأريوسيين ما يشغل ذهنه هو تجديد طبيعتنا بواسطة ابن اللَّه المتجسد:

 

“إن كان من أجلنا قدَّس نفسه (يو18: 17،19)، وقد صنع هذا إذ صار إنسانًا، فمن الواضح أن حلول الروح عليه وهو في الأردن كان حلولاً علينا إذ يحمل جسدنا “.(3)

 

“عندما قيل أنه مُسح بطريقة بشرية (مز7: 45،8)، فنحن الذين مُسحنا فيه، وهكذا عندما اعتمد فنحن الذين اعتمدنا فيه “(4)

 

“لم يكن إنسانًا صار إلهًا، بل هو اللَّه صار إنسانًا ليؤلهنا (نحمل عمله فينا)” (5)

 

فكر اثناسيوس السوتريولوجى (الخلاصى)

1-) “ما كنا نخلص لو لم يصر اللَّه الكلمة (اللوغوس) إنسانًا، فإن الإنسان في حاجة إلى الخالق ليُخلّص طبيعته الساقطة ويردها إلى أصلها، واهبًا إيّاها صورة اللَّه، ومصلحًا إيّاها من الفساد إلى عدم الفساد، فيه تغلب البشرية الموت ويُعاد خلقتها” (6)

 

2-) “لما كان ابن اللَّه واحدًا مع الآب في الجوهر، قدّم نفسه ذبيحة قادرة على الإيفاء بدين خطايانا وتحقيق العدالة والرحمة الإلهية في نفس الوقت.”

 

3-) “اللوغوس هو اللَّه غالب الشيطان ليس لأجل نفسه فقط وإنما لأجلنا جميعًا.”

 

4-) “بكونه اللَّه الحق أعاد لنا كرامتنا، واهبًا إيّانا البنوة للآب فيه بالروح القدس. يقول القديس أثناسيوس: [صار إنسانُا لنصير نحن آلهة ."، (7) "وإن كان يوجد ابن واحد بالطبيعة، ابن حقيقي وحيد الجنس، صرنا نحن أبناء ليس بالطبيعة والحق بل بنعمته التي تدعونا، وإن كنا بشرًا على الأرض لكننا دُعينا آلهة ." (8)

 

5-) "التجسد قدمنا لله، كلمة اللَّه المتجسد يعلن الآب لنا، والآب يجتذبنا نحو الابن (يو26: 17؛ 44: 6)."

 

تعليم اثناسيوس الكريستولوجى Christology

1-) يُعلن (9) القديس أثناسيوس أن تجسد المسيح وموته ليسا عارًا لله بل هما لمجده، صارا سببًا لنعبد الرب . (10)

 

2-) أخذ ناسوتًا كاملاً، إذ يقول: "لم يأخذ المخلص جسدًا بدون نفس، ولا بدون حواس أو عقل، فإنه لم يكن ممكنًا عندما صار الرب إنسانًا لأجلنا، أن يكون جسده بل عقل، وإلا ما كان الخلاص الذي قدمه الكلمة نفسه خاصًا بالنفس أيضًا مع الجسد ."(11)

 

3-) اللوغوس ليس أداة خارجية لتحقيق الخلقة؛ فإن اللَّه ليس في عوز إلى أداة للخلق أو حتى للخلاص. اللوغوس هو واحد مع الآب في الجوهر. "فلو أن الجوهر الإلهي غير مثمر في ذاته بل عقيم كما يقولون، يكون كنورٍ لا يُضيء، وكينبوعٍ جاف؛ أما يخجلون من هذا القول عن طاقته العاملة؟!" (12)

 

تعليم اثناسيوس عن الروح القدس

يدافع عن لاهوت الروح القدس في رده على الأريوسيين القائلين بأنه مخلوق أقل من اللوغوس. كما كتب أيضًا عن الروح القدس في أربع رسائل وجهها إلى الأسقف سيرابيون.

 

لاهوتياته بخصوص الروح القدس هي بعينها كلاهوتياته عن المسيح. يلزم أن يكون الروح القدس هو اللَّه، لأنه لو كان مخلوقًا ما كنا ننال شركة مع اللَّه فيه.

 

1-) يقول: "إن كنا بشركة الروح صرنا "شركاء في الطبيعة الإلهية" 2بط4: 1... فإن طبيعته هو اللَّه ."(13)

 

2-) يعلن القديس أثناسيوس عن عمل الروح القدس في حياتنا. إنه ينبوع التقديس الحقيقي، به نتقبل المسحة والختم لنكون شركاء المسيح، شركاء في الطبيعة الإلهية. خلال المعمودية والمسحة ننعم بالعضوية في الكنيسة به , الروح القدس هو الذي يعين الأساقفة ليرعوا قطيع اللَّه.

 

3-) بالروح القدس نثبت في اللَّه: "خارج الروح نحن غرباء وبعيدون عن اللَّه، وبشركة الروح نصير مُمسكين في اللاهوت، حتى أن وجودنا في الآب ليس منا بل من عند الروح الذي فينا ويسكن فينا. فبالاعتراف بالحق نحفظه فينا، وكما يقول يوحنا: "من اعترف أن يسوع هو ابن اللَّه، فاللَّه يثبت فيه وهو في اللَّه" (1يو15: 4) ." (14)

 

في صراعه ضد الهراطقة كان هدفه واضحًا، إذ كان يتوق إلى خلاص حتى الهراطقة. يقول عنه كواستن عالم الاباء الالمانى الكبير: "بالرغم من مقته الشديد للخطأ، وعنفه في مقاومته، فقد كان يتحلى بسجية يندر وجودها في شخصية كهذه، إذ كان قادرًا وسط حمية المعركة أن يسامح ويلاطف الذين ضلوا بنية صالحة ." (15)

 

يقول عن منهجه فى الحوار: [عمل الدين ليس الضغط بل الاقناع .] (16)

 

نظرة اثناسيوس الكتابية

اختار الشاب أنطونيوس طريق الرهبنة عند سماعه كلمات الإنجيل: “اذهب وبع كل مالك ووزعه على الفقراء وتعال اتبعني ” (مت 21: 19). لقد كرس كل حياته ليتمم الوصية الإنجيلية. عاش كل حياته لا يملك سوى الانجيل، مكتوبا لا على ورق بل في داخل نفسه.

 

جاء تلميذه القديس أثناسيوس يكرس كل حياته لقراءة الكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد والتمتع بعمل كلمة اللَّه فيه. لم يكتب تفسيرًا له، ولا كرس حياته للكتاب خلال الفكر الرهباني كمعلمه، لكنه جاءت حياته كتابيه، وجاءت كتاباته كلها تعتمد على الكتاب المقدس، خاصة في حواره مع الأريوسيين.

 

يقول: “عملات الحق تكون أكثر أصالة إذا استخرجت من الكتاب المقدس عن أن تُستخرج من مصادر أخرى .” (17)

 

نظرته للكنيسة المسكونية

فتحت مدرسة الإسكندرية أبوابها منذ بدء نشأتها لتضم طلبة من جنسيات مختلفة، فجاء إليها كثيرون يدرسون معا، ويعيشون معا، صاروا أساقفة وقادة يحملون روح الحب الحقيقي، وشركة الإيمان الواحد والفكر الواحد.

 

حمل القديس أثناسيوس ذات الفكر فآمن بالحياة الكنسية المسكونية التي تقوم على روح الحب مع وحدة الإيمان. فمنذ شبابه وهو بعد شماس أشترك في المجمع المسكوني الأول، في نيقية عام 325 م، حيث وضع قانون الإيمان الذي تردده أغلب الكنائس اليوم. انجذبت أنظار أساقفة العالم كله نحو هذا الشاب بروح الإعجاب، إذ وجدوا فيه قلبًا مسكونيًا حيًا يشتهي الحفاظ على الإيمان الرسولي المسلم للعالم كله. كتب عنه جون هنرى نيومان: “هذا الرجل الفائق… هو أداة رئيسية بعد الرسل، سلمت الحقائق المسيحية القدسية وأمنت بالكلمة .” (18) وقالت ليديا كيسيش: “لو لم يقف أثناسيوس من أجل إيماننا ربما ما كانت الكنيسة قد صارت ما هي عليه .”(19)

 

مفهوم اثناسيوس للكنيسة للحياة سماوية

تربي القديس أثناسيوس بالفكر السكندري الممتص دومًا في الحياة السماوية كحياة نختبر عربونها في هذا العالم. يرى الكنيسة هي الحياة المقامة في المسيح يسوع، وممارسة للفرح الداخلي، والدخول إلى السماء.

 

يقول عن السيد المسيح: “لقد أقام الساقطين وشفى المرضى وأشبع الجياع وسدّ احتياجات الفقراء، لكن ما هو أكثر عجبًا أنه أقامنا نحن جميعًا من الأموات، مبطلاً الموت، وأحضرنا من الضيق والأنين إلى الراحة وسعادة العيد، إلى الفرح الذي يبلغ حتى السماء .” (20)

 

يرى الكنيسة وقد حملت السمة السماوية تشارك السمائيين طعامهم السماوي، إذ يقول: “الرب هو طعام الأرواح الممجدة والملائكة أيضًا. هو فرح كل الطغمات السمائية. هو كل شيء للجميع. إنه لطيف مع الكل حسب حنو رأفاته. لقد أعطانا الرب بالفعل طعام الملائكة (مز25: 78) .”(21)

 

نظرة اثناسيوس إلى وحدة الحياة الجديدة

من أهم سمات اللاهوت السكندري حتى النسكي هو النظرة إلى وحدة الحياة الجديدة في المسيح يسوع، فالمؤمن إن كان متزوجًا أو راهبًا، في دير أو كان متوحدا، في كنيسته أو عمله يحمل حياة واحدة جديدة هي “الحياة في المسيح”. هذا ما نلمسه من تصرفات القديس أنبا أنطونيوس حينما التقى بالأخ زكاوس أحد تلاميذ القديس باخوميوس لم يسفه من نظام الشركة كنظامٍ جديدٍ، بل بكل اتساع قلب شجعه، قائلاً: “أنتم جميعكم صرتم كالأب باخوميوس، أقول لكم، أنها لخدمة عظيمة قام بها أن يجمع أخوة كثيرين هكذا، سالكا طريق الرسل “. (22)

 

حياة القديس أثناسيوس الرسولي تكشف عن هذه الوحدة للحياة في المسيح يسوع، فنراه اللاهوتي البارع في الدفاع عن لاهوت الكلمة المتجسد ولاهوت الروح القدس بفكر كتابي حي وقلب ناري متقد. وفي نفس الوقت نراه الراعي الحقيقي، الذي في أبوته لا يهتم بالحوارات اللاهوتية الجافة، بل باللاهوت الخلاصي، حيث يشتاق إلى الدخول بكل نفس إلى خبرة الحياة الجديدة. إنه الرجل الكنسي الذي يهتم بالصلوات الجماعية ويقود بنفسه السهر في التسبيح، وهو الناسك العابد الذي يمارس الحياة النسكية في حجرته الخاصة كما افتقد الأديرة كراهب حقيقي. أينما وجد سواء على كرسي الرعاية، أو في حواراته اللاهوتية، أو في دير من الأديرة أو في المنفى، أو هاربًا في مقبرة، أو مختفيًا لدى أسرة من شعبه، يحمل الحياة الجديدة التي في المسيح يسوع.

 

نشرت تحت تصنيف مقالات لاهوتيه, موضوعات كتابيه, مسيحيات, روحانيات, ردود اباء الكنيسة | Leave a Comment »

هل كان المسيح مجرد عبد لله

Posted by Akristus_Anstee على 15 يونيو 2011


هل كان المسيح مجرد عبد لله

هل هناك شهادة في الانجيل على أن يسوع المسيح كان مجرد عبداً لله؟

نص الشبهة:

من المعلوم لغةً أن: العبودية تعني الخضوع والذل. وأن العبادة تعني الأنقياد والخضوع. والعبد ضد الحر. ونحن البشر كلنا عبيد لله الخالق العظيم.. وقد صرح المسيح في إنجيل يوحنا بأن العبد يعمل بإرادة سيده، وهو لا يقترن بأي حال من الاحوال مع سيده: ((الحق الحق أقول لكم: ما كان الخادم أعظم من سيده ولا كان الرسول أعظم من مرسله)) [ يوحنا 13: 16 ]

فهل كان يسوع الناصري عبداً لله سبحانه وتعالى؟

ويوضح الكتاب المقدس للنصارى أن المسيح عبداً لله سبحانه وتعالى:

1- لقد بشر النبي اشعياء [ 42: 1 ] بنبي عظيم، أول صفاته أنه عبد الله ورسوله وهذه البشارة تقول: ((هوذا عبدي اعضده)) وقد اعتقد كاتب إنجيل متى أن تلك النبوءة قد تحققت في المسيح، فاقتبسها ووضعها في إنجيله في الاصحاح الثاني عشر.

والشاهد في هذا الدليل أن الله سماه عبداً على لسان إشعيا.

2- وورد في سفر اعمال الرسل [ 3: 13، 26 ] دليلاً ثانياً يؤكد عبودية يسوع المسيح لله سبحانه وتعالى، إليك نصه:

(إن إله ابراهيم وإسحاق ويعقوب، إله آبائنا، قد مجد عبده يسوع..) (العهد الجديد المطبعة الكاثوليكية)

علماً بأن الطبعة البروتستانتية (الإنجيلية) للكتاب المقدس تستبدل كلمة عبده، بكلمة فتاه.

وقد اتفقت الترجمتان الانجليزيتان: الملك جيمس والقياسية، على استخدام كلمة: Servant مقابل كلمة: عبد، العربية.

كذلك اتفقت الترجمتان الفرنسيتان: لوي سيجو، والمسكونية على استخدام كلمة: Serviteur مقابل كلمة: عبد، العربية.

3- دليل آخر على عبودية يسوع المسيح هو ما جاء في سفر أعمال الرسل [ 4: 27 ] وإليك النص: ((تحالف حقاً في هذه المدينة هيردوس وبنطيوس بيلاطس والوثنيون وشعوب إسرائيل على عبدك القدوس يسوع الذي مسحته)) (العهد الجديد المطبعة الكاثوليكية- منشورات دار المشرق ببيروت)

4- وورد في سفر أعمال الرسل [ 4: 29، 30 ] دليلاً رابعاً يؤكد عبودية يسوع الناصري لله سبحانه وتعالى، إليك نصه: ((فانظر الآن يا رب إلي تهديداتهم، وهب لعبيدك أن يعلنوا كلمتك بكل جرأة باسطاً يدك ليجري الشفاء والآيات والأعاجيب باسم عبدك القدوس يسوع)) (العهد الجديد المطبعة الكاثوليكية- منشورات دار المشرق ببيروت)

وقد أكد يسوع الناصري عبوديته لله سبحانه وتعالى بأفعاله وأقواله والتي منها:

قيامه بالصلاة وعبادته لله طوال الليل كله، طبقاً لما ذكره لوقا في إنجيله [ 6: 12 ] ونصه: ((وفي تلك الإيام خرج إلي الجبل ليصلي، وقضى الليل كله في الصلاة لله))

وفي يوحنا [ 11: 41 ] نجده أتى بأفعال تنافي الالوهية منها: قيامه برفع عينيه إلى السماء ودعائه لله سبحانه وتعالى لكي يستجيب له في تحقيق معجزة إحياء العازر ….

فلمن كان يتوجه ببصره إلي السماء إذا كان الأب حال فيه؟

وغيرها من الادلة..

فها هي كتب النصارى تشهد بأن يسوع الناصري هو عبد من عباد الله سبحانه وتعالى

والعبد يعمل بإرادة سيده، وهو لا يقترن بأي حال من الاحوال مع سيده: ((الحق الحق أقول لكم: ما كان الخادم أعظم من سيده ولا كان الرسول أعظم من مرسله)) [ يوحنا 13: 16 ]

فهل قبلتم المسيح كعبد لله ورسول من عنده؟

إنتهى نص الشبهة:

 

الرد:

شهادة الإنجيل على أن يسوع المسيح كان عبداً لله سبحانه

استدل المعترض على تعبير عبد المستخدم في العهد الجديد عن الرب يسوع المسيح وعلى نبوة اشعياء النبي عن المسيح كالعبد المتألم وإشارة القديس متى لهذه النبوة وتطبيقها على الرب يسوع المسيح. وكالعادة فقد ركز المعترض على بعض الآيات التي تناسب غرضه وتجاهل أو جهل بقية الآيات التي تتكلم عن المسيح في بقية صفاته وأعماله الدالة على لاهوته، سواء عمداً أو جهلاً، كما تجاهل أو جهل الآيات الخاصة بتجسده، عمداً أو جهلاً!!

ونقول للمعترض وغيره؛ نعم فالكتاب المقدس بعهديه القديم والجديد أعطى المسيح كل ما للإنسان من ألقاب بشرية فيما عدا الألقاب الخاصة بالخطية والخطاة، لسبب بسيط وهو أن المسيح تجسد وأتخذ الإنسانية الكاملة ” فإذ قد تشارك الأولاد في اللحم والدم اشترك هو أيضا كذلك فيهما لكي يبيد بالموت ذاك الذي له سلطان الموت أي إبليسويعتق أولئك الذين خوفا من الموت كانوا جميعا كل حياتهم تحت العبودية. لأنه حقا ليس يمسك الملائكة بل يمسك نسل إبراهيم من ثم كان ينبغي أن يشبه أخوته في كل شيء لكي يكون رحيما ورئيس كهنة أمينا في ما للّه حتى يكفّر خطايا الشعب. لأنه في ما هو قد تألم مجربا يقدر أن يعين المجربين ” (عب2: 14 -18)، ” مجرب في كل شيء مثلنا بلا خطية ” (عب4: 15)، أو كما يقول الكتاب: ” عظيم هو سر التقوى الله ظهر في الجسد تبرر في الروح تراءى لملائكة كرز به بين الأمم أومن به في العالم رفع في المجد ” (1تي3: 16)، ” والكلمة صار جسداً وحل بيننا ورأينا مجده مجدا كما لوحيد من الآب مملوءا نعمة وحقاً ” (يو1: 14)، ” ولما جاء ملء الزمان أرسل الله ابنه مولودا من امرأة مولودا تحت الناموس ليفتدي الذين تحت الناموس لننال التبني ” (غل4: 4و5).

أما الآية التي سنركز عليها هنا هي قوله: ” فليكن فيكم هذا الفكر الذي في المسيح يسوع أيضا، الذي إذ كان في صورة الله لم يحسب خلسة أن يكون معادلا لله، لكنه أخلى نفسه أخذا صورة عبد صائرا في شبه الناس، وإذ وجد في الهيئة كإنسان وضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب، لذلك رفعه الله أيضا وأعطاه اسما فوق كل اسم، لكي تجثو باسم يسوع كل ركبة ممن في السماء ومن على الأرض ومن تحت الأرض، ويعترف كل لسان أن يسوع المسيح هو رب لمجد الله الآب ” (في5: 211).

ولشرح الموضوع سأركز جوهريا على الفقرة الأخيرة وسأضع الأسئلة التالية لتوضح الصورة:

+ معنى قوله بالروح ” الذي إذ كان في صورة الله “؟

+ وما معنى قوله ” لم يحسب خلسة أن يكون مساويا لله “؟

+ وما معنى قوله أنه ” أخلى نفسه “؟

+ وما معنى قوله ” أخذا صورة عبد صائرا في شبه الناس، وإذ وجد في الهيئة كإنسان؟ “.

+ وهل يعني هذا أن المسيح أخلى نفسه من لاهوته ومن مجده وعظمته ومن كونه الإله كلي القدرة والوجود والعلم وأصبح مقيدا ومحدودا بحدود الجسد؟

1 صورة الله ” الذي إذ كان في صورة الله “:

يستخدم الرسول بالروح في قوله ” الذي إذ كان في صورة الله ” النص اليوناني ” مورفي Morehe ” والذي يعبر عن طبيعة الكيان وشخصه، والذي يشير إلى الظهور الخارجي الذي يوصل للجوهر، وهنا يُعبر عن الكيان الجوهري لله، ولذا فالتعبير ” صورة الله ” في هذه الآية مترجم في NIV ” في نفس طبيعة الله In The Very Nature Of God” أي ” الذي إذ كان في نفس طبيعة الله “.

ويسبق قوله ” صورة الله Morphe Theou ” عبارة ” الذي إذ كان Hos en “، و” كان ” هنا ليست في الماضي البسيط، بل في الزمن التام المستمر والذي يعنى هنا الوجود من البدء، أسبقية الوجود، الذي كان موجوداً دائماً، بصفة مستمرة في حالة الاستمرار، مثل قوله ” في البدء كان الكلمة “. ويلي ذلك أيضاً قوله أنه، المسيح، ” مساوياً لله ” الآب. ولا يساوى الله إلا الله، كلمة الله، صورة الله، الذي له نفس طبيعة وجوهر الله. هو الذي كان دائماً ويكون دائماً وسوف يكون أبداً، الأزلي الأبدي، الذي لا بداية له ولا نهاية، كقول الكتاب المقدس ” يسوع المسيح هو هو أمساً واليوم وإلى الأبد ” (عب8: 13)، وقول الرب يسوع المسيح عن نفسه “انا الالف والياء. البداية والنهاية. الاول والآخر ” (رؤ13: 22).

وقوله ” لم يحسب خلسة أن يكون مساويا (isa) لله” يوضحه ما سبق أن قاله الرب يسوع المسيح لرؤساء اليهود ” أبي يعمل حتى الآن وأنا أعمل ” وفهم رؤساء اليهود من قوله أنه يعمل مثل الله أنه يعنى المساواة المطلقة لله، يقول الكتاب ” من أجل هذا كان اليهود يطلبون أكثر أن يقتلوه. لأنه لم ينقض السبت فقط بل قال أيضا إن الله أبوه معادلا (ison) نفسه بالله “. وقد استخدم الكتاب في كلتا الآيتين نفس التعبير ” مساو أو معادل من الفعل ” أيسوس isos ” والذي يعني مساو أو معادل.

أي أنه وهو صورة الله المعبر عن الكيان الجوهري للذات الإلهية ” صورة الله غير المنظور ” (كو15: 1)، الذي هو الله، الله الكلمة المساوي لله الآب ” بهاء مجده ورسم جوهره وحامل كل الأشياء بكلمة قدرته ” (عب3: 1)، لم تحسب هذه المساواة التي له مع الآب خلسة بل هي من صميم ذاته لكنه مع ذلك حجبها في ناسوته متخذا صور عبد.

 

2 أخلى نفسه:

” لكنه أخلى نفسه أخذا صورة عبد صائرا في شبه الناس، وإذ وجد في الهيئة كانسان وضع نفسه وأطاع حتى الموت موت الصليب “، فما معني ” أخلى نفسه ” هنا؟ يستخدم الكتاب هنا الفعل اليوناني “ekenosen” من الفعل ” kenow ” والذي يعني يخلي. وترجمت في بعض الترجمات بمعني ” أصبح بلا شهرةreputation of no، وفسرها الآباء عبر تاريخ الكنيسة بمعنى ” حجب لاهوته، أخفى لاهوته ” في ناسوته، حجب مجده السماوي في ناسوته بإرادته، أفتقر وهو الغني، كما يقول الكتاب، ” فأنكم تعرفون نعمة ربنا يسوع المسيح انه من أجلكم افتقر وهو غني لكي تستغنوا انتم بفقره ” (1كو9: 8). وهذا واضح من مخاطبة الرب يسوع المسيح للآب ” مجدني أنت أيها الآب عند ذاتك بالمجد الذي كان لي عندك قبل كون العالم ” (يو17: 5).

لقد أخلى الرب يسوع المسيح نفسه بمعنى حجب مجده، فهو مع كونه كلمة الله (يو1: 1)، الله الكلمة، عقل الله الناطق ونطق الله العاقل، صورة الله غير المنظور (كو15: 1)، صورة الله المساوي لله الآب (في6: 2)، بهاء مجد الله الآب ورسم جوهرة (عب3: 1)، ابن الله الوحيد الذي هو في ذات الله ومن ذات الله، ” أخلى نفسه وحجب مجده، أخفي لاهوته في ناسوته، حجب لاهوته في ناسوته، قبل على نفسه الحدود، حدود البشرية، حدود الإنسان المحدود بالزمان والمكان، ظهر في الهيئة كإنسان وهو في ذاته، بلاهوته، صورة الله المساوي لله كلي الوجود، غير المحدود بالمكان أو الزمان! ظهر في زمن معين ” في ملء الزمان ” (غل4: 4)، ومكان معين على الأرض في فلسطين، وهو، بلاهوته، الذي بلا بداية له ولا نهاية! ظهر على الأرض متخذا صورة الإنسان المحدود بالطول والعرض والارتفاع، وهو بلاهوته، الذي لا يحده مكان أو زمان.

قبل الرب يسوع المسيح تطوعاً وباختياره أن يخلي ذاته بأن يحجب، يخفي، لاهوته في ناسوته، أن يحجب، يخفي، مجده وعظمته، كإله، في إنسانيته التي أتخذها من العذراء القديسة مريم، تجسد من الروح القدس ومن مريم العذراء تأنس ” ولما جاء ملء الزمان أرسل الله ابنه مولوداً من امرأة ” (غل4: 4)، أي تجسد، ظهر في الجسد، حل في الناسوت، أخذ جسداً، أتخذ جسداً، ظهر في الجسد، صورة الله أتخذ صورة العبد، يقول الكتاب المقدس:

” في البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله وكان الكلمة الله. هذا كان في البدء عند الله. كل شيء به كان وبغيره لم يكن شيء مما كان. فيه كانت الحياة.. والكلمة صار جسدا وحل بيننا ورأينا مجده مجداً كما لوحيد من الاب مملوءا نعمة وحقا ” (يو1: 1-4و14).

” وبالإجماع عظيم هو سر التقوى الله ظهر في الجسد تبرر في الروح تراءى لملائكة كرز به بين الأمم أومن به في العالم رفع في المجد ” (1تي16: 3).

” فانه فيه يحل كل ملء اللاهوت جسديا ” (كو9: 1).

” الذي كان من البدء الذي سمعناه الذي رأيناه بعيوننا الذي شاهدناه ولمسته أيدينا من جهة كلمة الحياة. فان الحياة اظهرت وقد راينا ونشهد ونخبركم بالحياة الأبدية التي كانت عند الاب واظهرت لنا. الذي رأيناه وسمعناه نخبركم به ” (1يو1: 1-3).

 

3 هل تغير من كونه إله إلى إنسان؟

الله بطبيعته لا يتغير يقول الكتاب؛ ” من قدم أسست الأرض والسموات هي عمل يديك هي تبيد وأنت تبقى وكلها كثوب تبلى كرداء تغيرهن فتتغير، وأنت هو وسنوك لن تنتهي ” (مز25: 10227)، ” لأني أنا الرب لا أتغير ” (ملا6: 3). ونفس هذا الكلام الإلهي قيل أيضا عن الرب يسوع المسيح، حتى بعد التجسد، يقول الكتاب في مقارنة بين المسيح والملائكة؛ ” لأنه لمن من الملائكة قال قط أنت ابني أنا اليوم ولدتك وأيضا أنا أكون له أبا وهو يكون لي ابنا، وأيضا متى ادخل البكر إلى العالم يقول ولتسجد له كل ملائكة الله، وعن الملائكة يقول الصانع ملائكته رياحا وخدامه لهيب نار وأما عن الابن كرسيك يا الله إلى دهر الدهور قضيب استقامة قضيب ملكك أحببت البر وأبغضت الإثم من اجل ذلك مسحك الله إلهك بزيت الابتهاج اكثر من شركائك، وأنت يا رب في البدء أسست الأرض والسموات هي عمل يديك هي تبيد ولكن أنت تبقى وكلها كثوب تبلى وكرداء تطويها فتتغير ولكن أنت أنت وسنوك لن تفنى ” (عب5: 112). وأيضا يقول ” يسوع المسيح هو هو أمسا واليوم وإلى الأبد ” (عب13: 8). أي أن بلاهوته هو هو لا ولن يتغير، سواء قبل التجسد أو بعده.

لم يتغير ولم يتحول من إله إلى إنسان، ولم يتغير عن كونه الإله القدير إلى إنسان محدود، بل ظل كما هو الإله الكائن على الكل، وإنما، حل في الجسد، أتخذ جسدا، أتخذ صورة العبد، حجب لاهوته وظهر في الهيئة كإنسان، حل اللاهوت في الناسوت، الجسد، الإنسان ” لأنه فيه سر أن يحل كل الملء ” (كو19: 1).

وقد كشف الرب يسوع المسيح عن هذه الحقيقة، حقيقة احتجاب لاهوته في ناسوته في حادثة التجلي عندما أخذ ثلاثة من تلاميذه هم بطرس ويوحنا ويعقوب وصعد إلى جبل ليصلّي. وهناك كشف لهم عن شيء من مجده ولاهوته المحتجب في ناسوته، يقول الكتاب المقدس ” تغيّرت هيئته قدّامهم وأضاء وجهه كالشمس وصارت ثيابه بيضاء كالنور”، ” صارت هيئة وجهه متغيرة ولباسه مبيضا لامعا “، ” صارت ثيابه تلمع بيضاء جدا كالثلج لا يقدر قصّار على الأرض أن يبيض مثل ذلك “، ” وظهر لهم ايليا مع موسى. وكانا يتكلمان مع يسوع. فجعل بطرس يقول ليسوع يا سيدي جيد ان نكون ههنا. فلنصنع ثلاث مظال. لك واحدة ولموسى واحدة ولإيليا واحدة “. ويعلق القديس مرقس قائلاً ” لأنه لم يكن يعلم ما يتكلم به اذ كانوا مرتعبين “، كانوا مرتعبين لرؤية هذا المشهد، التجلي، الإلهي مثلما خاف موسي وأرتعب عند رؤيته للظهور الإلهي على جبل سيناء ” وكان المنظر هكذا مخيفا حتى قال موسى أنا مرتعب ومرتعد ” (عب21: 12).

 

4 – عبد الرب، من هو؟ وما هي صفاته وأعماله؟

ورد في سفر اشعياء مجموعة من النبوات، في الإصحاحات (42 إلى 62)، عن شخص دعي ب ” عبد الرب ” ولم تذكر له، هذه النبوات، أسم محدد، وقد أكد العهد الجديد كما أجمع غالبية المفسرين المسيحيين على أن هذا الشخص المذكور في هذه النبوات هو المسيح، المسيا الآتي والمنتظر، وأن كان يعنينا بالدرجة الأولى رأي الكتاب المقدس نفسه. بينما رأت الغالبية العظمى من الربيين اليهود، خاصة القدماء الذين كتبوا في فترة ما قبل المسيح وما تلاها وحتى القرن الخامس عشر الميلادي، سواء في التلمود أو المشناه أو الجمارا أو المدراش، وكل كتب التقليد اليهودي بكافة أنواعها أن هذا العبد هو ” المسيا وذلك للأسباب التالية:

(1) أن لقب عبد الرب المقصود هنا هو لقب المسيح بعد التجسد فقد قال الكتاب عنه ” لكنه أخلى نفسه آخذا صورة عبد صائرا في شبه الناس ” (في7: 2). وهو شخص مختار من الله ” عبدي الذي اخترته ” (إش10: 43)،ليقوم بعمله كما وصفه الكتاب ب ” حجرا حيّا مرفوضا من الناس ولكن مختار من الله كريم ” (1بط4: 2).

(2) وقد سر الله به ” أعضده مختاري سيحيين هو المسيح، المسيا الآتي والمنتظر، الذي سرّت به نفسي”، بل وهو الوحيد الذي خاطبه الله من السماء في العماد وفي التجلي بقوله ” هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت ” (مت17: 3)، و” إذا سحابة نيرة ظللتهم وصوت من السحابة قائلا هذا هو ابني الحبيب الذي به سررت ” (مت5: 17).

(3) وهو الذي وضع الله عليه روحه ” وضعت روحي عليه “، أو كما قال اشعياء بالروح ” ويحل عليه روح الرب روح الحكمة والفهم روح المشورة والقوة روح المعرفة ومخافة الرب”، وقد حل الروح القدس عليه أمام شهود ” ونزل عليه الروح القدس بهيئة جسمية مثل حمامة وكان صوت من السماء قائلا أنت ابني الحبيب بك سررت ” (لو22: 3)، وقال القديس بطرس بالروح ” يسوع الذي من الناصرة كيف مسحه الله بالروح القدس والقوة الذي جال يصنع خيرا ويشفي جميع المتسلط عليهم إبليس لان الله كان معه ” (أع38: 10).

3 – ولن تكون رسالته لإسرائيل فقط، كما تصور اليهود، بل لجميع الأمم ” فيخرج الحق للأمم 000 وأجعلك عهداً للشعوب ونورا للأمم “، كما قال الرب يسوع لتلاميذه ” فاذهبوا وتلمذوا جميع الأمم وعمدوهم باسم الآب والابن والروح القدس ” (مت19: 28)، ” وينبغي أن يكرز أولا بالإنجيل في جميع الأمم ” (مر10: 13).

4 – وقد طبق الرب يسوع المسيح نفسه هذه النبوة حرفياً على نفسه، يقول الكتاب ” فلما خرج الفريسيون تشاوروا عليه لكي يهلكوه. فعلم يسوع وانصرف من هناك. وتبعته جموع كثيرة فشفاهم جميعا. وأوصاهم أن لا يظهروه. لكي يتم ما قيل باشعياء النبي القائل. هوذا فتاي الذي اخترته حبيبي الذي سرّت به نفسي. أضع روحي عليه فيخبر الأمم بالحق. لا يخاصم ولا يصيح ولا يسمع أحد في الشوارع صوته. قصبة مرضوضة لا يقصف. وفتيلة مدخنة لا يطفئ. حتى يخرج الحق إلى النصرة. وعلى اسمه يكون رجاء الأمم ” (مت14: 12-21).

فالمسيح بلاهوته هو كلمة الله وابن الله وحكمة الله وصورة الله وبهاء مجده ورسم جوهره، وبناسوته هو أيضا عبد الرب وابن الإنسان.

نشرت تحت تصنيف مقالات لاهوتيه, موضوعات كتابيه, مسيحيات, دفاعيات, روحانيات | Leave a Comment »

يسوع الإله أم الإنسان الذى مات على الصليب

Posted by Akristus_Anstee على 15 يونيو 2011


يسوع الإله أم الإنسان الذى مات على الصليب

نص الشبهة:

يعتقد المسيحيون أن المسيح مات مصلوباً فداءاً للبشرية وكفارة لخطايهم. ونحن نسأل:

من الذي مات على الصليب فداءاً للبشرية، أهو الانسان (الناسوت) أم الإله (اللاهوت)؟!

لو كان الذي مات على الصليب هو الاله فهذا باطل بالضرورة لأن الإله لا يموت بداهةً: ” الذي وحده له عدم الموت ” (1تيموثاوس الأولى 6: 16) وأيضاً في سفر التثنية 32: 40: ” حي أنا إلى الأبد ” وإن كان الذي مات على الصليب وحمل خطايا البشر هو المسيح كإنسان فقط وليس الاله، فهذا أيضاً باطل للأسباب التالية:

أولاً: لأن فكرة الفداء والتكفير تقضى ان الله نزل وتجسد ليصلب وانه ليس سوى الله قادراً على حمل خطايا البشر على الصليب. ولأن الانسان لا يمكنه ان يحمل على كتفه خطايا البشر كله فلو كان المسيح مات على الصليب كإنسان فقط لصارت المسيحية ديانة جوفاء.

ثانياً: ان القول بأن الذي مات على الصليب وحمل خطايا البشر هو إنسان فقط هو قول مرفوض ومردود لأن هذا الانسان الذي علق على الخشبة ملعون لأنه مكتوب في الشريعة: ((كل من علق على خشبة ملعون)) [ سفر التثنية ] واللعنة نقص وطرد من رحمة الله فكيف يكون هذا الانسان الذي اصابته اللعنة والنقص كفئاً لحمل خطايا البشر؟

ثالثًا: ان القول بأن الذي مات على الصليب هو إنسان فقط هو مناقض لنص قانون الايمان الذي يؤمن به النصارى والذي جاء فيه: ان المسيح إله حق من إله حق.. نزل وتجسد من روح القدس، وتأنس وصلب.

فبناء على نص قانون الايمان يكون الإله الحق المساو للأب صلب وقتل أي ان اللاهوت هو الذي صلب وقتل، وهذا هو مقتضى نص القانون وهذا يبطل العقيدة من اساسها لأن الله لا يموت.

رابعا: ان القول بأن المسيح مات كفارة كإنسان هو قول باطل لأن الكتاب يعلمنا أن الانسان لا يحمل خطيئة أي انسان بل كل انسان بخطيئته يقتل: ((لا يُقْتَلُ الآبَاءُ عَنِ الأَوْلادِ وَلا يُقْتَلُ الأَوْلادُ عَنِ الآبَاءِ.كُلُّ إِنْسَانٍ بِخَطِيَّتِهِ يُقْتَلُ.)) سفر التثنية [ 24: 16 ] فلو كان المسيح مات كإنسان فان الإنسان لا يحمل خطيئة آخر!

والخلاصة ان المسيحيون على أي جهة يذهبون فمذهبهم باطل فإن كان الذي مات على الصليب هو الله فهذا باطل وان كان الذي مات على الصليب هو الانسان فهذا أيضاً باطل. وما بني على باطل فهو باطل.

 

الرد:

للاجابة على هذا السؤال علينا اولا ان نعرف ثلاثة اشياء هم: -

1- اللاهوت

2- الناسوت

3- الموت

و هذا لكى يكون كلامنا مبنى على اساس علمى سليم يستقيم به النقاش.

1- اللاهوت: هو الطبيعة الالهية للسيد المسيح التى لا يمكن ان تشوبها اى نقص او خلل بصفات الله العظيمة والذى لم يتأثر ابدا بحلوله فى الناسوت (اى ان اللاهوت هو الله).

 

2- الناسوت: وهو الطبيعة البشرية للسيد المسيح,فكثيرا يعتقد ان الناسوت هو الجسد البشرى فقط للسيد المسيح وهذا خطأ,فالناسوت هو كل شىء فى الانسان ما عدا الخطية,اى ان الناسوت مكون من جسد ونفس بشرية وليس جسد ايضا بالاضافة الى كل ما تحتاجه هذه الطبيعة البشرية ما عدا الخطية.

 

3- الموت: وهنا مربط الفرس فى الاجابة على السؤال وهو ان الموت هو انفصال الروح عن الجسد,فلا يوجد مصطلح اسمه روح ماتت ولا يوجد مصطلح اسمه جسد مات,بل انه عند الموت تذهب الروح الى مكان الانتظار سواء الهاوية او الفردوس والجسد يتحلل ويعود ترابا من حيث جاء.

 

الأن علينا ان نعرف ان اللاهوت لا يتأثر مطلقا بما يتأثر الناسوت به فالروح لا تتأثر بما للجسد فالروح لا يتأثر بالجلد او البصق او اللطم او اكليل الشوك او الصلب.

فأذا تألم جسد المسيح بضربات الجلد فلاهوته لم يتاثر مطلقا واذا تعرضت يديى المسيح للصلب ودق المسامير فأن اللاهوت لم يتأثر نهائيا بكل هذه العوامل,فالان انا اقول لك انه بينما كان ناسوت المسيح (جسده ونفسه) كان اللاهوت (الطبيعة الالهية) ايضا معه فوق الصليب.

 

الان ماذا حدث فوق الصليب؟

فوق الصليب كان المسيح معلقا من اجلنا وذاق انواع العذاب من اجل محبته لنا وحين قال الانجيل (اسلم الروح) انفصلت روحه الناسوتية عن جسده وذهب المسيح الى الهاوية بروحه الناسوتية المتحدة باللاهوت وحرر كل المأسورين من قيود ابليس وقيود الخطية التى انكسرت بموت السيد المسيح فوق الصليب فداء عنا.

و فى نفس الوقت كان اللاهوت ايضا متحد بالجسد المسيح,فقد قلنا ان الموت هو انفصال الروح عن الجسد ولا يوجد شىء اسمه موت للروح وقد قلنا ان اللاهوت هو الطبيعة الالهية والطبيعة الالهية هى روح,فقد ورد فى الاصحاح الاول من سفر التكوين والعدد الثانى(وكانت الارض خربة وخالية وعلى وجه الغمر ظلمة وروح الله يرف على وجه المياه).

و ورد فى انجيل يوحنا الاصحاح الرابع والعشرون والعدد الرابع (الله روح.والذين يسجدون له فبالروح والحق ينبغي ان يسجدوا)

 

كيف تم الفداء ان كان من مات على الصليب هو الناسوت؟

يقول القديس يوحنا الدمشقى

واعلمْ أنّه يُقال بأنّ جسد الرب قد تألّه وصار مساوياً لله وصار إلهاً، ليس أنه تعرّض لتبديل في الطبيعة أو تحويل أو تغيير أو تبلبل، بل ذلك -كما يقول غريغوريوس اللاهوتي- “إنّ أحدهما قد ألّه والآخر قد تألّه، وكلاهما متساوين في اللاهوت والماسح صار إنساناً والممسوح صار إلهاً”. ذلك، ليس بتبديل طبيعة، بل باتحاد تدبيري، أعني الإتحاد في الأقنوم الذي به اتحد الجسد بلا انفصال بالله والكلمة والذي هو نفوذ كل من الطبيعتين في الأخرى، على نحو ما نتكلم أيضاً عن نفوذ النار في الحديد. وكما نعترف أن التأنّس قد حصل بمعزل عن التبديل والتحويل، نعتقد أيضاً أن تألّه الجسد قد حصل كذلك، لأن الكلمة -ولو صار جسداً- فهو لم يبتعد قط عن أرجاء لاهوته الخاص ولا مفاخره المرتبطة بلاهوته عن جدارة. والجسد كذلك -لمّا تألّه- لم يتحول عن طبيعته الخاصة أو اختصاصاته الطبيعية. فإن طبيعتي المسيح قد بقيتا -بعد الاتحاد أيضاً- غير منصهرتين، وخواصّهما غير مثلومة، لأن جسد الرب قد اكتسب الأفعال الإلهية بسبب اتحاده الأطهر بالكلمة -أي في الأقنوم- دون أن يتخلى البتّة عن خواص طبيعته من جرّاء تأقنمه. فهو يفعل الإلهيات، لا بموجب النشاط الخاص به، بل بسبب الكلمة المتحد هو به. كما أن الحديد المحمى بالنار يحرق، لا لأنه حاصل من جرّاء طبيعته على قوة الحرق، بل لأنه قد اكتسب ذلك من اتحاده بالنار.

في أن المشيئة البشرية قد تألّهت أيضاً: إذاً فإن الجسد نفسه الذي كان مائتاً في ذاته، قد أضحى محيياً من جرّاء اتحاده أقنومياً بالكلمة. وبالمثل نقول أيضاً: إن تألّه المشيئة لم يكن عن تبديل في حركتها الطبيعية، بل كان ذلك لأنها اتحدت بمشيئة الكلمة الإلهية الكاملة القدرة، فأصبحت مشيئة الإله المتأنس. ومن ثم لمّا أراد المسيح مرة أن يتنكّر، لم يستطع ذلك من ذاته، فقد سُرَّ كلمة الله حينئذ أن يُظهر ضعف المشيئة البشرية الكامن فيه (راجع مرقس 7: 24) وأنجز مرة أخرى تطهير الأبرص بسبب اتحاده بالمشيئة الإلهية (راجع متى 8: 3).

واعلمْ أن تأليه الطبيعة والمشيئة لدليل وبرهان ساطع على أن الطبيعتين إثنتان والمشيئتين إثنتان. فكما أنّ الإحماء لا يُحوّل طبيعة الشيء المحمّى إلى طبيعة النار، بل هو يدل على المحّمى والمحمّي، ولا يدل على واحد لا غير، بل على شيئين اثنين، كذلك التأليه أيضاً، فهو لا يؤلّف طبيعة مركبة واحدة، بل اثنتين وذلك باتحادهما في الأقنوم. لذلك يقول غريغوريوس اللاهوتي: “إن واحداً منهما يؤلّه والآخر يتألّه”. وبقوله “منهما” يظهر بأنهما اثنان: الواحد والآخر.

 

و عن بقاء اللاهوت متحد بكل بالناسوت بعد الموت يقول

لمّا كان ربنا يسوع المسيح منزّهاً عن الخطأ، – لأن “رافع خطيئة العالم” (يوحنا1: 29) لم يفعل الخطيئة و”لم يوجد في فمه مكر” (أشعيا53: 9)- فهو لم يكن خاضعاً للموت، إذ إنّ الموت قد دخل العالم بالخطيئة. إذاً، فإنّ الذي ارتضى بالموت لأجلنا بموت ويُقرّب ذاته للآب ذبيحة من أجلنا، فإننا قد أخطأنا نحوه وأصبح هو بحاجة إلى أن يقدّم ذاته فدية عنا، وبذلك يحلّنا من الحكم علينا. ولكن حاشا أن يكون دم الربّ قد تقرّب للطاغية! فإنّ هذا لمّا أسرع لابتلاع طعم الجسد جُرح بصنّارة اللاهوت إذ ذاق الجسد المنزّه عن الخطأ والمحيي. وحينذاك قد تعطّل وردَّ جميع الذين قد ابتلعهم قديماً. وكما أنّ الظلام يتبدّد بإشراقة النور كذلك يضمحلُّ الفساد بهجوم الحياة. لأنّ الحياة تعمُّ الجميع والفساد يعود إلى المفسِد.

أقنوم المسيح واحدٌ، وليس بحد ذاته ورغم تجزئته: إذاً فإنّ المسيح، ولو كان قد مات بصفته إنساناً وكانت نفسه المقدّسة قد انفصلت عن جسده الأطهر، لكنَّ اللاهوت ظلَّ بلا انفصال عن كليهما، لا عن النفس ولا عن الجسد. وأقنومه الواحد لم ينقسم بذلك إلى أقنومين. لأن الجسد والنفس -منذ ابتدائهما- قد نالا الوجود في أقنوم الكلمة بالطريقة نفسها، وفي انفصال أحدهما عن الآخر بالموت، ظلَّ كل منهما حاصلاً على أقنوم الكلمة الواحد، حتى إن أقنوم الكلمة الواحد ظلّ أقنوم الكلمة والنفس والجسد. فإن النفس والجسد لم يحظيا قط بأقنوم خاص لكل منهما خارجاً عن أقنوم الكلمة، وإن أقنوم الكلمة ظلّ دائماً واحداً ولم يكن قط اثنين، حتى إن أقنوم المسيح هو دائماً واحد. وإذا كانت النفس قد انفصلت عن الجسد انفصالاًَ مكانياً، فقد ظلّت متحدة به اتحاداً أقنومياً بواسطة الكلمة.

نشرت تحت تصنيف مقالات لاهوتيه, موضوعات كتابيه, مسيحيات, دفاعيات, روحانيات | Leave a Comment »

المسيح إبن الله فهل الله تزوج؟

Posted by Akristus_Anstee على 15 يونيو 2011


المسيح إبن الله فهل الله تزوج؟

- هذا سؤال هام، تتطلَّب الإجابة عليه موضوعية وفهماً، نظراً لما يدور حوله من سوء فهم، وخصوصاً من الإخوة غير المسيحيين. فمفهوم بنوية المسيح لله عند المسيحيين يختلف عن مفهومنا البشري، لأن بنوَّة المسيح لله ليست بنوة بالمعنى البشري أو الجسدي. فحاشا لله القادر على كل شيء والعليم بكل شيء، مبدع الكون بما فيه من إنسان وحيوان ونبات وجماد أن يكون في مرتبة الإنسان، فالإنسان مخلوق ترابي، أما الله فكائن أزلي (تثنية 32: 40). بالإضافة إلى ذلك، فإن الكتاب المقدس يصف الله جلّت قدرته، بأنه روح وليس له جسد فيقول: “الله روح والذين يسجدون له فبالروح والحق ينبغي أن يسجدوا” (يوحنا 4: 24). من هنا نستنتج أن الله ليس كائناً مادياً بل روحياً. وعلى هذا الأساس، فالله لا يمكن أن يتزوج ولا يمكن أن ينجب أولاداً، وهذا جوهر العقيدة المسيحية. ويُخطئ كل من يعتقد أن بُنوّة المسيح لله بنوّة جسدية، لأن الله أحدٌ لم يولد ولا يلد.

+ طالما أن المسيحيين يؤمنون بأن الله لم يولد ولا يلد، فكيف يعتقدون إذاً أن المسيح هو ابن الله؟

- لا يعتقد المسيحيون مطلقاً أن المسيح هو ابن لله من الناحية الجسدية، أو بالمفهوم البشري، بمعنى أنه الله تزوج وأنجب أولاداً. فالمسيح هو ابن الله من الناحية الروحية الصرفة. لقد جاء المسيح إلى العالم ليتمم قصد الله في نشر رسالة المحبة والسلام وفداء البشرية من لعنة الخطية. وكما نعلم، أن المسيح حُبل به من الروح القدس، أي من روح الله (متى 1: 20)، ووُلد من عذراء طاهرة، فهو قدوس الله (مرقس 1: 24). وهذا يعني أنه أرفع من مجرد إنسان أو نبي عادي. فقد حُبل به بطريقة عجائبية، ووُلد بطريقة عجائبية لم يولد بها أحد سواه. كما ورد في إنجيل يوحنا: “المولود من الجسد جسد هو، والمولود من الروح روح هو” (يوحنا 3: 6). فالمسيح هو قدوس الله، إنه كلمة الله المتجسد وروح منه.

 

+ عرفنا أن المسيح هو قدوس الله، وأنه وُلد بطريقة إلهية عجيبة، روحية وليست جسدية. ولكن هل لنا أن نعرف لماذا يسميه المسيحيون “ابن الله” ولم يسمّوه بأي اسم آخر مثلاً؟

- لم يُسمِّ المسيحيون المسيح “ابن الله” ولكن الله نفسه جل جلاله، هو الذي سمّاه بهذه التسمية الفريدة. وهذا ثابت طبعاً من كلام الله. وطالما نحن نؤمن بالله القدير ونصدّق وعوده، فنحن نثق بكل كلامه الوارد على صفحات الكتاب المقدس. ففيه نقرأ أنه عندما كان المسيح يعتمد في نهر الأردن انفتحت السموات له، وظهر روح الله نازلاً مثل حمامة وآتياً عليه، وصوت من السماوات قائلاً: “هذا هو ابني الحبيب الذي به سُررت” (متى 3: 16-17). وهذا الصوت هو صوت الله القادر على كل شيء، والذي أكّد فيه الله أن المسيح هو ابنه بالروح، فهو كلمة الله وروح منه.

 

+ وهل هناك دليل آخر يشير إلى أن تسمية المسيح بابن الله، هي من عند الله وليست من عند الناس؟

- الكتاب المقدس مليء بالتأكيدات التي تشير إلى أن المسيح هو ابن الله. وإن هذا اللقب أُطلق عليه من قبل أن يولد. فعندما جاء الملاك جبرائيل إلى العذراء مريم ليبشرها بأنها ستحبل وتلد ابناً، خافت، فقال لها: “لا تخافي يا مريم لأنك قد وجدتِ نعمة عند الله، وها أنتِ ستحبلين وتلدين ابناً وتسمينه يسوع، هذا يكون عظيماً، وابن العليّ يُدعى” (لوقا 1: 30-32). فقالت مريم للملاك: “كيف يكون هذا وأنا لست أعرف رجلاً؟ فأجاب الملاك: الروح القدس يحلّ عليك وقوّة العليّ تظلّلك، فلذلك أيضاً القدوس المولود منك يدعى ابن الله” (لوقا 1: 34-35). وعندما عاد المسيح من أرض مصر مع يوسف ومريم أمه، بعد موت هيرودس الملك الذي كان مزمعاً أن يقتل يسوع ليتخلص منه، كانت عودة المسيح تتميماً لنبوة هوشع النبي القائلة: “من مصر دعوت ابني” (هوشع11: 1: ومتّى 2: 15) والمعروف أن هذه النبوة وردت على لسان هوشع، أحد أنبياء العهد القديم قبل أن يولد المسيح بمئات السنين. والجدير بالذكر أن إيمان المسيحيين يرتكز على أن المسيح ابن الله، هو مخلص العالم من الخطية. وأن البشارة بالمسيح تدور حول شخص المسيح المخلص، ابن الله الذي قيل عنه في إنجيل يوحنا: “والكلمة (أي المسيح) صار جسداً وحل بيننا، ورأينا مجده، مجداً كما لوحيد من الآب، مملوءاً نعمة وحقاً” (يوحنا 1: 1-4 و14). إذاً بنوَّة المسيح لله هي بنوّة روحية وليست جسدية أو مادية.

نشرت تحت تصنيف مقالات لاهوتيه, موضوعات كتابيه, مسيحيات, دفاعيات, روحانيات | Leave a Comment »

التجسد ( أين الدليل على انه إنسان كامل؟)

Posted by Akristus_Anstee على 15 يونيو 2011


التجسد أين الدليل على انه إنسان كامل؟

هل قال المسيح لتلاميذه وأتباعه، إنه يتكون من لاهوت و ناسوت؟ وأنه إله كامل وإنسان كامل؟ نطالب بالأدلة النقلية من الكتاب المقدس على لسان المسيح التي تثبت ذلك.

 

الإجابة

أنت تطالب أدلة على لسان المسيح, وبما أن المسيح هو كلمة الله (يوحنا 1) فكل كلام الكتاب المقدس على لسانه.. لذلك سأشرح لك من محتوى الكتاب المقدس ما تريد معرفته

نحن رأينا في المسيح الأنسان الكامل من مفهومنا للكتاب المقدس

كيف وصلنا لهذه الفكرة.. اقرأ معي

1- منذ أن كان المسيح طفلا عبر عنه البشير لوقا وقال أنه كان ينمو في النعمة والقامة.. وهذا تعبير عن الانسان الكامل

2- في اليوم السابع قامت العذراء مريم بختانه وهو هنا انسان كامل ()

3- نحن نؤمن ان المسيح هو الحمل الذي يكفر عن الخطايا, ومن صفات الخروف ان يكون ذكر بلا عيب.. إذا المسيح من الناحية الأنسانية ذكر بلا عيب

4- أما عن شهوته للنساء.. فالوصايا العشر منها وصية تقول لا تشته ووصية أخرى تقول لا تزن.. وقد شرح المسيح الزنى بأنه كل من نظر الى امرأة ليشتهيها فقد زنى بها في نفسه, والمسيح بلا خطية, لذلك على الرغم من قدرته الذكورية الا انه لم يشته تلك الشهوة التي هي في الواقع خطية، والدليل على هذا هو شهادة الناس عنه وشهادة الله عنه وشهادة النبي يوحنا عنه.

5- أما عن الشهوة عامة فالكتاب يحدثنا أنه اشتهي فيقول (شهوة أشتهيت أن آكل الفصح معكم) فالشهوة المقدسة كانت يشعر بها المسيح,

6- يصف الكتاب المقدس المسيح بأنه آدم الثاني وبما أن آدم الأول أنسان كامل فالمسيح (آدم الثاني ايضا أنسان كامل

7- نرى المسيح وهو يصلي لله كأي يهودي تقي, ونراه يتشفع عن تلاميذه وعن العالم ونراه يتنبأ كنبي.. فنراه بكل هذه الصفات أنسان كامل

8- أيضا نرى المسيح جاع وعطش وهذه كلها صفات الأنسان الكامل

نأتي الى الجانب اللاهوتي

1- اقرأ في انجيل يوحنا الأصحاح الأول ستجد انه يعبر عن المسيح بعبارة وكان الكلمة الله والمسيح هو الكلمة إذا فالمسيح هو الله

2- المسيح قال عن نفسه انه هو الله في اكثر من موضع وبأكثر من طريقة

3- اليهود طلبو ان يرجمو المسيح في يوم من الأيام لأنه ساوى نفسه بالله

4- عبر أشعيا النبي في العهد القديم اكثر من مرة بنبوات عن ذلك المرسل الذي اسمه عمانوئيل (الله معنا)

5- كتاب كامل كتبه خادم الرب يوسف رياض يشرح فيه كل الجانب اللاهوتي للمسيح, نرجو الرجوع اليه، عناونه هل قال المسيح انا الله فاعبدوني؟

من هذا المنطلق عرف المسيحيون من الكتاب المقدس (على لسان المسيح) أنه انسان كامل واله كامل

نشرت تحت تصنيف مقالات لاهوتيه, موضوعات كتابيه, مسيحيات, الردود على تدليسات الرومات الاسلامية, دفاعيات | Leave a Comment »

الكهنوت والابوه الروحية ( هل تخالف تعاليم رب المجد يسوع) لاتدعوا لكم ابا علي الارض.

Posted by Akristus_Anstee على 15 يونيو 2011


الكاهن الأب الروحي

 

كثيرون يقولون إن المسيح قد حرّمَ أن ندعو أحداً على الأرض أب، فاختاروا ألقاباً أخرى مثل: “محترم، قسيس، راعٍ”، إلخ.

لكن التفسير السطحي والحرفي لقول الرب هذا يعني أنه لا يجوز لنا أبداً أن ندعو إنساناً على الأرض أباً“، سواء أكان رجل دين (أباً روحياً) أم لا. لأن الآب وحده من يجب أن يُدعى هكذا.

 

لو أخذنا بهذا التفسير الضيق لوجدنا أن الرسول بولس قد خالف وصية المسيح . لأنه يقول: “لأنه وإن كان لكم ربواتٌ من المرشدين في المسيح لكن ليس آباء كثيرون، لأن أنا ولدتكم في المسيح يسوع بالإنجيل” (1كور4: 15). فبولس يدعو نفسه هنا “أباً” للذين ولدهم بالإنجيل. ويدعو تيموثاوس وتيطس “ابني”. ويوحنا الإنجيلي في رسالته يستعمل لفظة “يا أبنائي الصغار” (1يو 2: 12 و14). أيضاً يدعو بولس أسلافنا “آباء” لنا (1كور 10: 1). ويستعمل لقب “أب” لمخاطبة الآباء قائلاً: “أيها الآباء…” (كول 3: 21). والرب نفسه، في مثل الغني والعازر، يذكر أن الغني خاطب إبراهيم قائلاً: “يا أبي إبراهيم” (لوقا16: 24). لم يجبه إبراهيم قائلاً: “ألا تعرف أن الله الآب فقط هو من يجب أن يُدعى أباً؟”. ولكنه أجاب الغني: “يا ابني” (لوقا 16: 25)*. ولو تابعنا قراءة متى 23: 10 لوجدنا: “ولا تدعوا معلِّمين لأن معلمكم واحد. المسيح”. لكن المسيح نفسه دعا نيقوديموس “معلم إسرائيل” (يو3: 10). وكان يوجد في كنيسة أنطاكية “أنبياء ومعلِّمون” (أع13: 1). وبولس يذكر أن الله وضع في الكنيسة “معلِّمين” (1كور 12: 28؛ أفسس 4: 11). إذاً لم يقصد المسيح القول إنه لا يجوز أن ندعو أحداً “أباً” إلا الآب، ولا أحداً “معلماً” إلا المسيح؟ وبولس الرسول والكنيسة كلها لم تفهم قول المسيح هذا كما يحاول البعض أن يفهمه اليوم. يبقى السؤال: ماذا قصد المسيح من قوله هذا إذن؟

 

المناسبة التي قال السيد هذا القول تشرح لنا معناه. فالمسيح كان يتكلم عن الكتبة والفريسيين وكان ينتقد ممارستهم وتعليمهم، وكيفية استعمالهم للقب “أب” و”معلم”. يقول: “على كرسي موسى جلس الكتبة والفريسيون” (مت23: 1). وبدلاً من تعليم شريعة موسى صاروا يعلّمون تقليدهم الخاص (مر7: 8و9)، “مُبطلين كلام الله بتقليدكم الذين سلّمتموه” (مر7: 13). لهذا كان يسوع يحذّرهم من استعمال مناصبهم وألقابهم ليقيموا من حولهم تلاميذ لهم ولتقاليدهم وليس تلاميذ لله ولشريعته. ومع مجيء المسيح صار على رجال الدين أن يعلِّموا “تعليم الرسل” (أع2: 42) أو “تعليم المسيح” (2يو9)، الذي هو “المعلِّم” الحقيقي و”الأب” الحقيقي، وما رجال الدين إلا صورٌ حية له. وكما يقول الذهبي الفم: “لأنه (المسيح) علّة كل شيء، علّة المعلّمين وعلّة الآباء معاً” (1). لهذا كل “معلِّم” و”كل أب” في الكنيسة ما هو إلا قناة حية لتسليم التعليم الذي وصل إليه من المسيح، “المعلّم الأكبر”، بالرسل. أو بكلمة أخرى، ليس “المعلّم” أو “الأب” في الكنيسة هو مصدر التعليم، بل يسوع المسيح نفسه، بالروح القدس الساكن في الكنيسة. وإلا صار هذا المعلّم أو الأب تحت الدينونة نفسها التي طالت الكتبة والفريسيين.

نشرت تحت تصنيف مقالات لاهوتيه, منوعات, موضوعات كتابيه, مسيحيات, دفاعيات, روحانيات | Leave a Comment »

إذا كان المسيح إلها فكيف كان يتقدم فى الحكمة والقامة؟

Posted by Akristus_Anstee على 10 يونيو 2011


إذا كان المسيح إلها فكيف كان يتقدم فى الحكمة والقامة؟

القمص عبد المسيح بسيط أبو الخير

كاهن كنيسة السيدة العذراء الأثرية بمسطرد

 

الفهرس:

كيف كان المسيح يتقدّم في الحكمة والقامة والنعمة؟ وكيف كان يتقوي بالروح ممتلئًا حكمة؟

1. يقول الكتاب المقدس عنه أنه قوة الله وحكمة الله:

2. كما أنه بلاهوته هو المملوء نعمة ومعطي النعمة للجميع:

3. وهو معطي النعمة:

4. وكان الرب يسوع المسيح يتقوي بالروح وهو نفسه القوي ومعطي القوة:

5. كان يتقوي بالروح والروح القدس الذي هو روح الله هو روحه أيضًا:

• يقول القديس أثناسيوس الرسولي:

• يقول القديس كيرلس عامود الدين في رسالة له إلي نسطوريوس:

• ويقول في عظة له عن (لو 2/4-25):

• تعليق لكيرلس عامود الدين:

 

يقول الكتاب المقدس أنَّ الرب يسوع المسيح كان ينمو ويتقدَّم في الحكمة والمعرفة والنعمة والقامة، أي الجسد، عند الله والناس ؛ ” وَكَانَ الصَّبِيُّ (يسوع) يَنْمُو وَيَتَقَوَّى بِالرُّوحِ مُمْتَلِئاً حِكْمَةً وَكَانَتْ نِعْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ … وَأَمَّا يَسُوعُ فَكَانَ يَتَقَدَّمُ فِي الْحِكْمَةِ وَالْقَامَةِ وَالنِّعْمَةِ عِنْدَ اللهِ وَالنَّاسِ.” (لو2/40 و 52)، وتنبَّأ عنه أشعياء النبيّ قائلاً ” وَيَحِلُّ عَلَيْهِ رُوحُ الرَّبِّ رُوحُ الْحِكْمَةِ وَالْفَهْمِ رُوحُ الْمَشُورَةِ وَالْقُوَّةِ رُوحُ الْمَعْرِفَةِ وَمَخَافَةِ الرَّبِّ” (اش11/2)، وأيضاً ” رُوحُ السَّيِّدِ الرَّبِّ عَلَيَّ لأَنَّ الرَّبَّ مَسَحَنِي لأُبَشِّرَ الْمَسَاكِينَ أَرْسَلَنِي لأَعْصِبَ مُنْكَسِرِي الْقَلْبِ لأُنَادِيَ لِلْمَسْبِيِّينَ بِالْعِتْقِ وَلِلْمَأْسُورِينَ بِالإِطْلاَقِ. ” (اش61/1). وقرأ الرب يسوع المسيح النبوّة الثانية في مجمع اليهود وأكَّد أنَّها مكتوبة عنه، يقول الكتاب المقدس ” وَجَاءَ إِلَى النَّاصِرَةِ حَيْثُ كَانَ قَدْ تَرَبَّى. وَدَخَلَ الْمَجْمَعَ حَسَبَ عَادَتِهِ يَوْمَ السَّبْتِ وَقَامَ لِيَقْرَأَ فَدُفِعَ إِلَيْهِ سِفْرُ إِشَعْيَاءَ النَّبِيِّ. وَلَمَّا فَتَحَ السِّفْرَ وَجَدَ الْمَوْضِعَ الَّذِي كَانَ مَكْتُوباً فِيهِ: «رُوحُ الرَّبِّ عَلَيَّ لأَنَّهُ مَسَحَنِي لأُبَشِّرَ الْمَسَاكِينَ أَرْسَلَنِي لأَشْفِيَ الْمُنْكَسِرِي الْقُلُوبِ لأُنَادِيَ لِلْمَأْسُورِينَ بِالإِطْلاَقِ ولِلْعُمْيِ بِالْبَصَرِ وَأُرْسِلَ الْمُنْسَحِقِينَ فِي الْحُرِّيَّةِ وَأَكْرِزَ بِسَنَةِ الرَّبِّ الْمَقْبُولَةِ» … فَابْتَدَأَ يَقُولُ لَهُمْ: «إِنَّهُ الْيَوْمَ قَدْ تَمَّ هَذَا الْمَكْتُوبُ فِي مَسَامِعِكُمْ».” (لو4/16-21).

 

والسؤال الآن هو:

كيف كان المسيح يتقدم في الحكمة والقامة والنعمة؟

وكيف كان يتقوى بالروح ممتلئا حكمة؟

· كيف نما في رحم العذراء القديسة مريم؟ وكيف نما في القامة إذا كان هو اللَّه الذي يُحيط بكلّ شيء ولا يَحُدَّه شيء؟

· كيف تربَّي في الناصرة إذا كان هو خالق كلّ شيء؟

· كيف كان يتقدَّم في النعمة إذا كان هو اللَّه كلِّيّ النعم؟

· كيف كان يتقدَّم في الحكمة إذا كان هو اللَّه كلِّيّ الحكمة والعلم؟

· كيف كان يتقوَّي بالروح إذا كان هو اللَّه واللَّه روح؟

 ويوضِّح لنا الكتاب المقدَّس أنَّ المسيح هو كلمة اللَّه الذي هو اللَّه ذاته، بلاهوته، كلمة اللَّه المملوء نعمة وحقًا وقد صار جسدًا:

 

وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَداً وَحَلَّ بَيْنَنَا وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ مَجْداً كَمَا لِوَحِيدٍ مِنَ الآبِ مَمْلُوءاً نِعْمَةً وَحَقّاً. ” (يو1/14)، إتّخذ جسدًا، صورة اللَّه الذي هو اللَّه إتّخذ صورة العبد ” اَلَّذِي إِذْ كَانَ فِي صُورَةِ اللهِ، لَمْ يَحْسِبْ خُلْسَةً أَنْ يَكُونَ مُعَادِلاً لِلَّهِ. لَكِنَّهُ أَخْلَى نَفْسَهُ، آخِذاً صُورَةَ عَبْدٍ، صَائِراً فِي شِبْهِ النَّاسِ. ” (في2/6-7)، اللَّه، الكلمة، الذي حلَّ بلاهوته في الناسوت، وتجسَّد الذي “فِيهِ يَحِلُّ كُلُّ مِلْءِ اللاَّهُوتِ جَسَدِيّاً. ” (كو2/9)، ظهر في الجسد “ عَظِيمٌ هُوَ سِرُّ التَّقْوَى: اللهُ ظَهَرَ فِي الْجَسَدِ” (1تي3/16)، ووُلِدَ من إمرأة في بيت لحم في ملء الزمان، وهو كلِّي الوجود، الموجود في كلّ زمان ومكان، والذي لا يحُدَّه شيء ” وَلَكِنْ لَمَّا جَاءَ مِلْءُ الزَّمَانِ، أَرْسَلَ اللهُ ابْنَهُ مَوْلُوداً مِنِ امْرَأَةٍ” (غل4/4).

 وكما نقول عنه في قانون الإيمان ” نؤمن بربٍ واحدٍ يسوع المسيح ابن اللَّه الوحيد المولود من الآب قبل كلّ الدهور نور من نور إله حق من إله حق مساوٍ للآب في الجوهر، الذي به كان كلّ شيء، هذا الذي من أجلنا نحن البشر ومن أجل خلاصنا نزل من السماء وتجسَّد من الروح القدس ومن مريم العذراء تأنَّس “.

 ولكنَّه بلاهوته ظلَّ هو هو كلِّيّ الوجود الموجود في كلِّ زمان ومكان لا يَحُدَّه شيء ولا يُحيط به شيء، كما يقول القديس أثناسيوس الرسولي ” فلا يتوهمن أحد، أنَّه أصبح محصورًا في الجسد، أو أنَّ كلّ مكان آخر أصبح خاليًا منه بسبب حلوله في الجسد، أو أنَّ العالم أصبح محرومًا من عنايته وتدبيره طالما كان يحرك الجسد … إنَّه وهو ” الكلمة ” الذي لا يحويه مكان، فإنَّه هو نفسه يحوي كل الأشياء، وبينما كان حاضرًا في كلِّ الخليقة فقد كان يتميَّز عن سائر الكون في الجوهر، وحاضرًا في كلِّ الأشياء بقدرته، ضابطًا كلِّ الأشياء، ومُظهرًا عنايته فوق كلِّ شيء، وفي كلِّ شيء، وواهبًا الحياة لكلِّ شيء، ولكلِّ الأشياء، مالئًا الكلّ دون أنْ يُحَدَّ، بل كائنًا في أبيه وحده كليًا.

 وهكذا حتي مع حلوله في جسد بشريّ واهبًا إيَّاه الحياة، فقد كان يمنح الحياة في نفس الوقت للكون بلا تناقض … ومع أنَّه كان معروفًا من خلال أعماله التي عملها في الجسد، كان في نفس الوقت ظاهرًا أيضًا في أعمال الكون ” [ تجسد الكلمة 17 ].

 فهو، المسيح، بعد التجسُّد كان كاملاً في لاهوته وكاملاً في ناسوته، ولأنَّه كان كاملاً في ناسوته فقد نما بالفعل في القامة، الجسم، كإنسان، نما في رحم العذراء كجنين وهو متحد باللاهوت، ووُلِدَ كطفلٍ وهو مُتَّحِد باللاهوت، ونما كطفلٍ وفتي وشابٍ ورجلٍ وهو مُتَّحِد باللاهوت ” لاهوته لم يفارق ناسوته لحظة واحدة ولا طرفة عين “. ولكنَّه كابن اللَّه، بلاهوته، لم يكنْ في حاجة إلي نموّ في الحجم لأنَّه كلِّيّ الوجود، الموجود في كل زمان ومكان، ولا في المعرفة لأنَّه كلِّيّ المعرفة والعلم، العَالِم بكلِّ شيء، علام الغيوب، ولا في القوَّة لأنَّه القادر علي كلِّ شيء، كلِّيّ القدرة.

 

1 – يقول الكتاب المقدس عنه أنه قوة الله وحكمة الله:

 ” الْمَسِيحِ قُوَّةِ اللهِ وَحِكْمَةِ اللهِ ” (1كو1/24)، ” الْمَسِيحِ يَسُوعَ الَّذِي صَارَ لَنَا حِكْمَةً مِنَ اللهِ وَبِرّاً وَقَدَاسَةً وَفِدَاءً. ” (1كو1/30)، وأنَّه ” الْمُذَّخَرِ فِيهِ جَمِيعُ كُنُوزِ الْحِكْمَةِ وَالْعِلْمِ.” (كو2/3). بل هو المُعطي فمًا وكلامًا وحكمةّ وقد قال لتلاميذه ” لأَنِّي أَنَا أُعْطِيكُمْ فَماً وَحِكْمَةً لاَ يَقْدِرُ جَمِيعُ مُعَانِدِيكُمْ أَنْ يُقَاوِمُوهَا أَوْ يُنَاقِضُوهَا. ” (لو21/15). ويقول الكتاب عنه: “لِتَسْكُنْ فِيكُمْ كَلِمَةُ الْمَسِيحِ بِغِنىً، وَأَنْتُمْ بِكُلِّ حِكْمَةٍ مُعَلِّمُونَ وَمُنْذِرُونَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً، بِمَزَامِيرَ وَتَسَابِيحَ وَأَغَانِيَّ رُوحِيَّةٍ، بِنِعْمَةٍ، مُتَرَنِّمِينَ فِي قُلُوبِكُمْ لِلرَّبِّ. وَكُلُّ مَا عَمِلْتُمْ بِقَوْلٍ اوْ فِعْلٍ، فَاعْمَلُوا الْكُلَّ بِاسْمِ الرَّبِّ يَسُوعَ، ” (كو3/16-17).

 

2 – كما أنه بلاهوته هو المملوء نعمة ومُعطي النعمة للجميع:

يقول الكتاب عنه، بعد تجسده، كالمسيح الإله المتجسد:

· وَكَانَ الْجَمِيعُ يَشْهَدُونَ لَهُ وَيَتَعَجَّبُونَ مِنْ كَلِمَاتِ النِّعْمَةِ الْخَارِجَةِ مِنْ فَمِهِ ” (لو4/22).

· وَالْكَلِمَةُ صَارَ جَسَداً وَحَلَّ بَيْنَنَا وَرَأَيْنَا مَجْدَهُ مَجْداً كَمَا لِوَحِيدٍ مِنَ الآبِ مَمْلُوءاً نِعْمَةً وَحَقّاً … وَمِنْ مِلْئِهِ نَحْنُ جَمِيعاً أَخَذْنَا وَنِعْمَةً فَوْقَ نِعْمَةٍ. ” (يو1/14 و 16).

· لأَنَّ النَّامُوسَ بِمُوسَى أُعْطِيَ أَمَّا النِّعْمَةُ وَالْحَقُّ فَبِيَسُوعَ الْمَسِيحِ صَارَا. ” (يو1/17).

· وكانت تحيَّة الكنيسة الأولي هي ” نِعْمَةُ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ… مَعَ جَمِيعِكُمْ. آمِينَ ” (2كو13/14):

· نِعْمَةُ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ مَعَكُمْ. آمِينَ. ” (رو16/20).

· فَإِنَّكُمْ تَعْرِفُونَ نِعْمَةَ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، أَنَّهُ مِنْ أَجْلِكُمُ افْتَقَرَ وَهُوَ غَنِيٌّ، لِكَيْ تَسْتَغْنُوا أَنْتُمْ بِفَقْرِهِ.” (2كو8/9).

· ” نِعْمَةُ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ مَعَ رُوحِكُمْ ” (غل6/18؛ في1/25).

 

3 – وهو معطي النعمة:

يقول عنه الكتاب أنَّه الغنيّ والذى يُعطي الجميع من غناه ونعمته. وكلمة نعمة تعني فى اليونانية أيضًا فضل وإحسان ومِنَّّة. والرب يسوع يقدم دائمًا فضله وإحسانه ونعمته تظهر في الضعف. وغِنَي نعمته فائق ولا حدَّ له:

· فَإِنَّكُمْ تَعْرِفُونَ نِعْمَةَ رَبِّنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ، أَنَّهُ مِنْ أَجْلِكُمُ افْتَقَرَ وَهُوَ غَنِيٌّ، لِكَيْ تَسْتَغْنُوا أَنْتُمْ بِفَقْرِهِ.” (2كو8/9).

· فَقَالَ لِي: تَكْفِيكَ نِعْمَتِي، لأَنَّ قُوَّتِي فِي الضُّعْفِ تُكْمَلُ” (2كو12/9).

· لِيُظْهِرَ فِي الدُّهُورِ الآتِيَةِ غِنَى نِعْمَتِهِ الْفَائِقَ بِاللُّطْفِ عَلَيْنَا فِي الْمَسِيحِ يَسُوعَ. ” (أف 2/7).

· وَلَكِنِ انْمُوا فِي النِّعْمَةِ وَفِي مَعْرِفَةِ رَبِّنَا وَمُخَلِّصِنَا يَسُوعَ الْمَسِيحِ. لَهُ الْمَجْدُ الآنَ وَإِلَى يَوْمِ الدَّهْرِ.” (2بط 3/18).

 فهو الغني بالنعم الذي يُعطي الجميع من نعمه وغناه فهو المُنعم ومصدر النِعم وواهبها. ولكنَّه نمَا في النعمة كإنسان، بناسوته بمعني أنَّه أظهر هذه النعمة بما يتناسب مع الفترة الزمنيّة لتجسُّده وميلاده من العذراء.

 

4- وكان الرب يسوع المسيح يتقوّي بالروح وهو نفسه القوي ومُعطي القوة:

كان يتقوَّي بالروح كإنسان وذلك علي الرغم من أنَّه هو نفسه بلاهوته القوي، كلِّي القدرة، فهو خالق الكون ومدبره ” كُلُّ شَيْءٍ بِهِ كَانَ وَبِغَيْرِهِ لَمْ يَكُنْ شَيْءٌ مِمَّا كَانَ” (يو1/3)، وهو الذي يُعطي القوَّة للجميع:

· فَبِكُلِّ سُرُورٍ أَفْتَخِرُ بِالْحَرِيِّ فِي ضَعَفَاتِي، لِكَيْ تَحِلَّ عَلَيَّ قُوَّةُ الْمَسِيحِ” (2كو12/9).

· وَأَنَا أَشْكُرُ الْمَسِيحَ يَسُوعَ رَبَّنَا الَّذِي قَوَّانِي” (1 تي 1/12).

· الْمَسِيحُ فِيكُمْ رَجَاءُ الْمَجْدِ. … الَّذِي لأَجْلِهِ اتْعَبُ ايْضاً مُجَاهِداً، بِحَسَبِ عَمَلِهِ الَّذِي يَعْمَلُ فِيَّ بِقُوَّةٍ. ” (كو 1/27 و 29).

· أَسْتَطِيعُ كُلَّ شَيْءٍ فِي الْمَسِيحِ الَّذِي يُقَوِّينِي.” (فى4/13).

· وَلَكِنَّ الرَّبَّ وَقَفَ مَعِي وَقَوَّانِي، لِكَيْ تُتَمَّ بِي الْكِرَازَةُ” (2تى4/17).

 فالرب يسوع هو الذى يعمل الأنبياء والرسل بقوته، يعمل فيهم وبهم ” لأَنِّي لاَ أَجْسُرُ أَنْ أَتَكَلَّمَ عَنْ شَيْءٍ مِمَّا لَمْ يَفْعَلْهُ الْمَسِيحُ بِوَاسِطَتِي” (رو 15/18).

 كان في إمكانه أنْ يُظهر علمه الكلِّيّ ومعرفته الكلّيّة وقدرته الكلّيّة ونعمته الغنيّة من بداية ظهوره علي الأرض وفي كل الأوقات والمناسبات ولكنَّه حجب هذه المعرفة وهذا العلم وهذه القوَّة وهذه النعمة بسبب تجسُّده، إتّخاذه الجسد الذي حلَّ فيه وإتحد به، واشترك به في ضعف البشريّة وعجزها فقد كان ” مُجَرَّبٌ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِثْلُنَا، بِلاَ خَطِيَّةٍ.” (عب4/15). ومن ثمَّ فقد شاءت إرادته الإلهيّة أنْ يُظهر علمه ومعرفته وقوّته ونعمته للناس تدريجيًا، بطريقةٍ متدرجةٍ ومتطورةٍ ومتفقةٍ مع نموّه الجسديّ.

 

5- كان يتقوّي بالروح والروح القدس الذي هو روح الله هو روحه أيضًا:

يقول الكتاب المقدس ” رُوحِ يَسُوعَ الْمَسِيحِ” (في1/19)، ” وَأَمَّا أَنْتُمْ فَلَسْتُمْ فِي الْجَسَدِ بَلْ فِي الرُّوحِ إِنْ كَانَ رُوحُ اللهِ سَاكِناً فِيكُمْ. وَلَكِنْ إِنْ كَانَ أَحَدٌ لَيْسَ لَهُ رُوحُ الْمَسِيحِ فَذَلِكَ لَيْسَ لَهُ.” (رو8/9)، الذي كان في ال ” أَنْبِيَاءُ، الَّذِينَ تَنَبَّأُوا عَنِ النِّعْمَةِ الَّتِي لأَجْلِكُمْ، بَاحِثِينَ أَيُّ وَقْتٍ أَوْ مَا الْوَقْتُ الَّذِي كَانَ يَدُلُّ عَلَيْهِ رُوحُ الْمَسِيحِ الَّذِي فِيهِمْ ” (1بط1/10-11). كما يوصف أيضًا بروح ابن الله، روح ابنه ” ثُمَّ بِمَا أَنَّكُمْ أَبْنَاءٌ، أَرْسَلَ اللهُ رُوحَ ابْنِهِ إِلَى قُلُوبِكُمْ صَارِخاً: يَا أَبَا الآبُ ” (غل4/6).

 ولأنَّ الروح القدس هو روح الابن، المسيح، فهو الذي يُرسله من الآب ” لَكِنِّي أَقُولُ لَكُمُ الْحَقَّ إِنَّهُ خَيْرٌ لَكُمْ أَنْ أَنْطَلِقَ لأَنَّهُ إِنْ لَمْ أَنْطَلِقْ لاَ يَأْتِيكُمُ الْمُعَزِّي (الروح القدس) وَلَكِنْ إِنْ ذَهَبْتُ أُرْسِلُهُ إِلَيْكُمْ ” (يو16/7)، ” وَمَتَى جَاءَ الْمُعَزِّي الَّذِي سَأُرْسِلُهُ أَنَا إِلَيْكُمْ مِنَ الآبِ رُوحُ الْحَقِّ الَّذِي مِنْ عِنْدِ الآبِ يَنْبَثِقُ فَهُوَ يَشْهَدُ لِي” (يو15/26).

 كان يسوع يتقوى بالروح، كإنسان، وكان الروح القدس هو روحه، كالإله المتجسد، ومن ثمَّ كان يقدِّس هو ذاته كقوله عن تلاميذه، عندما كان يناجي الآب ” وَلأَجْلِهِمْ أُقَدِّسُ أَنَا ذَاتِي لِيَكُونُوا هُمْ أَيْضاً مُقَدَّسِينَ فِي الْحَقِّ” (يو17/19).

 ولذا فعندما حلَّ عليه الروح القدس في المعموديّة قال عنه الآب ” هَذَا هُوَ ابْنِي الْحَبِيبُ الَّذِي بِهِ سُرِرْتُ” (مت 3/17)، وعندما تكلَّم القدِّيس بطرس بالروح عن مسحه بالروح القدس قال أنَّه ربّ الكل وديّان الأحياء والأموات ” يَسُوعَ الْمَسِيحِ. هَذَا هُوَ رَبُّ الْكُلِّ… كَيْفَ مَسَحَهُ اللهُ بِالرُّوحِ الْقُدُسِ وَالْقُوَّةِ الَّذِي جَالَ يَصْنَعُ خَيْراً وَيَشْفِي جَمِيعَ الْمُتَسَلِّطِ عَلَيْهِمْ إِبْلِيسُ لأَنَّ اللهَ كَانَ مَعَهُ… وَنَشْهَدَ بِأَنَّ هَذَا هُوَ الْمُعَيَّنُ مِنَ اللهِ دَيَّاناً لِلأَحْيَاءِ وَالأَمْوَاتِ. ” (أع10/3642). هو ربُّ الكلّ والديّان العادل بلاهوته، ولكنَّه كان يتقوَّي بالروح الذي مُسِحَ به في المعموديّة وتعيّن من قِبَلِ اللَّه كإنسان، الإله المتجسِّد، الكامل في لاهوته والكامل في ناسوته، فقد قدَّس هو ذاته بذاته.

 كان هو كلمة اللَّه وحكمة اللَّه، وقوّة اللَّه، كلِّيّ العلم، العالِم بكلِّ شيء والذي لا يُوجد لعِلْمِه حدود، غير المحتاج إلي التقدُّم أو النموّ في المعرفة أو الحكمة، فهو الكامل كمال مطلق والذي منه تستمد البشريّة الكمال النسبيّ، كان كاملاً في لاهوته ولا يحتاج إلي نموّ سواء في العلم أو المعرفة أو الحكمة، وكان في إمكانه أنْ يُظهر هذا العِلْم منذ البداية حتي في لحظة ميلاده وفي كلِّ وقت، كما حاولت بعض الكتب المتأخِّرة نسبيًا (الأناجيل الأبوكريفيّة) أنْ تدّعي ذلك، ولكن بسبب التجسُّد واحتجاب لاهوته في ناسوته حجب هذه المعرفة وهذه الحكمة، وأظهرهما تدريجيًا وبطريقة تتناسب مع النموّ الجسديّ لناسوته. فكلّما نما جسده وتقدَّم في السنّ (العمر) كشف عن شيء من لاهوته بطريقة متدرّجة تتناسب مع هذا النموّ الجسديّ.

 كان في إمكانه أنْ يكشف عن عِلْمِه الكلّيّ بمُجرَّد ميلاه بالجسد من القدِّيسة مريم العذراء، فهو الذي ” فِيهِ يَحِلُّ كُلُّ مِلْءِ اللاَّهُوتِ جَسَدِيّاً.” (كو2/9)، ولكنَّه، بحسب التدبير الإلهي، شاءت إرادته الإلهيّة أنْ يكشف عن ذلك تدريجيًا وبحسب ما يتناسب مع النموّ الجسديّ حتي لا يكشف عن حقيقة ظهوره في الجسد قبل أنْ يتمّ تدبير الفداء. وقد حاول الشيطان أنْ يجعله يكشف عن حقيقة شخصه الإلهي مستخدمًا عبارة ” إِنْ كُنْتَ ابْنَ اللَّهِ فَقُلْ أَنْ تَصِيرَ هَذِهِ الْحِجَارَةُ خُبْزاً … نْ كُنْتَ ابْنَ اللَّهِ فَاطْرَحْ نَفْسَكَ إِلَى أَسْفَلُ ” (مت4/4 و 6). ولكن الرب يسوع المسيح لم يحقِّق له مأربه أبدًا بل كان يردّ عليه باستخدام عبارة ” مَكْتُوبٌ ” ؛ “مَكْتُوبٌ: لَيْسَ بِالْخُبْزِ وَحْدَهُ يَحْيَا الإِنْسَانُ… مَكْتُوبٌ أَيْضاً: لاَ تُجَرِّبِ الرَّبَّ إِلَهَكَ” (مت4/4 و 7).

 

ويقول القديس أثناسيوس الرسولي

” الكلمة باعتباره الكلمة ليس هو الذي تقدَّم، فهو الكامل من الآب الكامل، وهو لا يحتاج شيئًا بل هو يأتي بالآخرين إلي التقدُّم، ولكن كُتِبَ هنا أنَّه يتقدَّم إنسانيًا، حيث أنَّ التقدُّم هو خاص بالبشر، ولذا فالإنجيلي وهو يتكلَّم بدقَّة وحذر قد ذكر القامة عندما تحدَّث عن التقدُّم، ولكن لكونه الكلمة واللَّه فهو لا يُقاس بالقامة، التي تخصّ الأجساد، إذًا فالتقدُّم هو للجسد، لهذا ففي تقدُّمِه كان يزداد أيضًا ظهور اللاهوت أكثر فأكثر كلما ازدادت نعمته كإنسان أمام كلِّ الناس، فهو كطفلٍ حُمل إلي الهيكل، وحينما صار صبيًا بقي هناك في الهيكل وكان يسأل الكهنة حول الناموس. وكان جسده ينمو شيئًا فشيئًا والكلمة كان يُظهر نفسه فيه (في الجسد) … أنَّ التقدُّم في الحكمة، ليس هو تقدمًا للحكمة ذاتها، لكن بالأحري هو تقدُّم للناسوت في الحكمة لأنَّ يسوع ” كَانَ يَتَقَدَّمُ فِي الْحِكْمَةِ وَالْقَامَةِ وَالنِّعْمَةِ ” … لأنَّه هكذا بازدياد الجسد في القامة كان يزداد فيه ظهور اللاهوت أيضًا ويظهر للكل أنَّ الجسد هو هيكل اللَّه، وأنَّ اللَّه كان في الجسد … وكما قلنا، أنَّه تألَّم بالجسد، وجاع بالجسد، وتعب بالجسد، هكذا يكون معقولاً أيضًا أنْ يُقال أنَّه تقدَّم بالجسد لأنَّ أيّ تقدُّم مثل الذي شرحناه لا يمكن أنْ يحدث للكلمة بدون الجسد. لأنَّ فيه كان الجسد الذي وهو يدعوه جسده، وذلك لكي ما يظلّ تقدُّم البشر مستمرًا ولا يضعف، بسبب وجود الكلمة في الجسد. أذًا، فالتقدُّم ليس للكلمة كما أنَّ الجسد لم يكن هو الحكمة، ولكن الجسد صار جسد الحكمة، لذلك فكما سبق أنْ قلنا ليست الحكمة كحكمة هي التي تقدَّمت في ذاتها، ولكن الناسوت هو الذي تقدَّم في الحكمة، بأنْ يرتفع شيئًا فشيئًا فوق الطبيعة البشريًة وبأنْ يتألَّه ويصير ظاهرًا للجميع كأداة الحكمة لأجل عمل اللاهوت وإشراقه. لذلك فالبشير لم يقل: ” أن الكلمة تقدم “، لكن ” يسوع ” وهو الاسم الذي دُعي به الربّ عندما صار إنسانًا حتي يكون التقدم هو للطبيعة البشريّة. [ ضد الأريوسيين 3: 51-53 ]

 

ويقول القديس كيرلس عامود الدين في رسالة له إلى نسطوريوس:

 ” لو أنَّه أبان وهو طفل من الحكمة ما يليق به كإنسان، لظهر للجميع كأنه كائن غريب شاذ عن الجميع. ولكنه كان يتدرَّج في إظهار حكمته بالنسبة إلي تقدُّمه في العمر بحسب الجسد. وهكذا أراد أنْ يظهر للكل كأنَّه هو نفسه كان يزداد في الحكمة بما يتلاءم مع سنه 00 ففي تأكيدنا أنَّ ربنا يسوع المسيح هو أحد، وفي نسبتنا له خواص اللاهوت والناسوت نؤكِّد حقيقة أنَّه ملائم لقياسات تواضع المسيح حتي أنَّه قبل زيادة جسدية ونمو في الحكمة. فأعضاء الجسد كانت تصل بالتدريج إلي تمام بلوغها، ومن جهةٍ ثانيةٍ يظهر كأنَّه امتلأ حكمة بنسبة ظهور الحكمة الكامنة فيه كأنها تبرز بدرجة ملائمة لنمو الجسد … فهو يعرف من جهة اللاهوت لأنَّه حكمة الآب ولكنه إذ أخضع نفسه إلي القياس الناسوتي إتّخذ لنفسه بحسب التدبير ذلك القياس. ولم يكنْ كما قلت سابقًا يجهل شيئًا لكن يعلم كلّ شيء كما يعلم الآب. [ مجموعة الشرع الكنسي ص 314؛ تاريخ الفكر المسيحي القس يوحنا الخضرسي ج3: 130 ].

 

ويقول في عظة له علي (لو 2/452):

 ” أنْ يُقال أنَّ ” الصَّبِيُّ يَنْمُو وَيَتَقَوَّى بِالرُّوحِ مُمْتَلِئاً حِكْمَةً وَكَانَتْ نِعْمَةُ اللهِ عَلَيْهِ “، هذا الكلام ينبغي أنْ يُؤخذ علي أنَّه يُشير إلي طبيعته البشريّة، وأرجو أنْ تفحصوا في عمق التدبير: فالكلمة يَحتمل ويقبل أنْ يُولد في صورة بشريّة، رغم أنَّه في طبيعته الإلهيّة ليس له بداية وليس خاضعًا للزمن. والذي هو إله كامل تمامًا من كل ناحية، فإنَّه يخضع للنموّ الجسديّ، وغير الجسديّ، صارت له أطراف تنمو مع نموّ بشريّته والذي هو نفسه الحكمة كلها يمتلئ بالحكمة. وماذا نقول عن هذا؟ فإنَّ الذي كان في صورة الآب قد صار مثلنا، والغني أخذ صورة الفقر، والعالي أخذ صورة الاتضاع، والذي له الملء يثقال عنه أنَّه ينال ويأخذ. وهكذا لأنَّ الله الكلمة نفسه أخلي نفسه! لأنَّ كلّ الأشياء التي كُتبت عنه كإنسان تُظهر طريقة إخلائه. لأنَّه كان أمرًا مستحيلاً بالنسبة للكلمة المولود من اللَّه أنْ يسمح بمثل هذه الأشياء أنْ تكون في طبيعته الخاصّة. ولكن حينما صار جسدًا أي صار إنسانًا مثلنا، فإنَّه حينئذ وُلد بالجسد من امرأة. وقيل عنه أنَّه كان خاضعًا للأمور التي تختصّ بحالة الإنسان، وبرغم أنَّ الكلمة لكونه إله كان يستطيع أنْ يجعل جسده يبرز من البطن في قامة رجل ناضج مرةً واحدةً، إلاَّ أنَّ هذا يكون أعجوبة ومعجزة، ولذلك فإنَّه أعطي لعادات وقوانين الطبيعة البشريّة أنْ يكون لها سلطان علي جسده.

 لذلك لا تعثروا في أنفسكم حينما تقولون كيف أنَّ الله ينمو؟ وكيف ينال حكمة جديدة ذلك الذي يعطي النعمة للملائكة والبشر؟ فتأمّلوا السر العظيم الذي يُعطي لنا. لأنَّ البشير الحكيم لم يقدّمْ الكلمة في طبيعته المجرّدة غير الجسديّة ولم يقلْ عنه وهو في هذه الحالة أنَّه يزداد في القامة والحكمة والنعمة، ولكنّه بعد أنْ أوضح أنَّه قد وُلد في الجسد من امرأة وأخذ شكلنا، فحينئذ ينسب إليه هذه الخصائص البشريّة، ويدعوه طفلاً ويقول أنَّه كان يتقوّي في القامة، إذ أنَّ جسده نما قليلاً قليلاً خاضعًا للقوانين الجسديّة.

 وهكذا أيضًا قيل عنه أنَّه كان يتقدَّم في الحكمة، لا كمن ينال مؤونات جديدة من الحكمة لأنَّ اللَّه معروف بأنَّه كامل تمامًا في كلِّ شيء ولا يمكن بالمرة أنْ يكون ناقصًا في أيّ صفة مناسبة للاهوت بل ازدياده في الحكمة هو بسبب أنَّ الله الكلمة أظهر حكمته بالتدريج بما يُناسب مرحلة العمر التي يبلغها الجسد.

 إذًا فالجسد يتقدَّم في القامة والنفس تتقدَّم في الحكمة، لأنَّ الطبيعة الإلهيّة غير قابلة للازدياد لا في القامة ولا في الحكمة إذ أنَّ كلمة اللَّه كامل تمامًا. ولذلك فإنَّه لسببٍ مناسبٍ ربط بين التقدُّم في الحكمة ونموّ القامة الجسديّة، بسبب أنَّ الطبيعة الإلهيّة أعلنت حكمتها الخاصّة بما يتناسب مع قامة النموّ الجسديّ ” [ تفسير إنجيل لوقا الجزء الأول ].

 

ومع ذلك فقد كان الربّ يسوع حتي وهو طفل في الثانية عشر من عمره، بالجسد، أكثر فهمًا وعلمًا من كبار الشيوخ والعلماء وكل من كانوا حوله، يقول الكتاب ؛ ” وَبَعْدَ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ وَجَدَاهُ (يوسف ومريم) فِي الْهَيْكَلِ جَالِساً فِي وَسْطِ الْمُعَلِّمِينَ يَسْمَعُهُمْ وَيَسْأَلُهُمْ. وَكُلُّ الَّذِينَ سَمِعُوهُ بُهِتُوا مِنْ فَهْمِهِ وَأَجْوِبَتِهِ. فَلَمَّا أَبْصَرَاهُ انْدَهَشَا. وَقَالَتْ لَهُ أُمُّهُ: «يَا بُنَيَّ لِمَاذَا فَعَلْتَ بِنَا هَكَذَا؟ هُوَذَا أَبُوكَ وَأَنَا كُنَّا نَطْلُبُكَ مُعَذَّبَيْنِ!» فَقَالَ لَهُمَا: «لِمَاذَا كُنْتُمَا تَطْلُبَانِنِي؟ أَلَمْ تَعْلَمَا أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ أَكُونَ فِي مَا لأَبِي؟». فَلَمْ يَفْهَمَا الْكَلاَمَ الَّذِي قَالَهُ لَهُمَا. ” (لو2/46-50). لقد كانت حقيقة ذاته أكبر من أنْ يعرفها مجرد بشر حتي عندما كان طفلاً بالجسد.

 

يقول القديس كيرلس الإسكندري تعليقا على ذلك:

 ” هنا يذكر لأوّل مرّة علانية من هو أباه الحقيقيّ، ويُعلن عن لاهوته هو نفسه، لأنَّه حينما قالت العذراء القدِّيسة: ” يَا بُنَيَّ لِمَاذَا فَعَلْتَ بِنَا هَكَذَا؟ ” فحينئذ في الحال أظهر نفسه أنَّه يفوق قامة الأشياء البشريّة، وعلمّها أنَّها قد صارت أداة للتدبير بولادته بالجسد، ولكنّه بالطبيعة والحقيقة هو إله وابن الآب الذي في السماء. ولذلك يقول “ أَلَمْ تَعْلَمَا أَنَّهُ يَنْبَغِي أَنْ أَكُونَ فِي مَا لأَبِي ” [ تفسير إنجيل لوقا ج1: ص 54 ].

نشرت تحت تصنيف موضوعات كتابيه, مسيحيات, ابونا الروحي عبد المسيط بسيط استاذ اللاهوت الدفاعي, دفاعيات | Leave a Comment »

هل تجسد الله؟ كيف ولماذا وما هي الضرورة؟

Posted by Akristus_Anstee على 8 يونيو 2011


                                                  هل تجسَّد الله؟ 

يسأل كثيرون ويتعجبون ولا يصدقون، بل أحياناً يستهزئون قائلين: هل تجسد الله؟ كيف ولماذا وما هي الضرورة؟

 الله سبحانه يصير إنساناً مثلنا؟!! يأكل ويشرب، يجوع ويعطش، يحزن ويفرح، يتعب وينام، ويقضي حاجته أيضاً.

حاشا لله، علا عن ذلك علواً كبيراً..

وقبل أن أجاوب أسأل: إذا أراد الله سبحانه أن يصير إنساناً، فهل يستطيع؟ الإجابة من الجميع وبلا استثناء: نعم يستطيع، فهو القادر علي كل شئ، يصنع ما يريد وقتما يريد وبالكيفية التي يريدها، نعم يقدر ولا يعسر عليه أمر.

لكنه قدوس عالٍ وكبير ساكن فوق سماء السموات، ونحن الطين المزدري وغير الموجود، فلا يليق بجلاله الوجود وسطنا!!!

 نعم هذا رد جميعنا، فتقديرنا لجلاله ومحبتنا لشخصه، يدفعنا أن نقول هذا وأكثر.. أضرب لك مثلاً:

 إذا جاء إلى معسكرنا السيد الرئيس، ووجدنا نعمل في الزراعة وطلب منا أن يعمل معنا، بالطبع سنرفض كلنا ونقول له: نحن فداؤك يا ريس! كيف تدوس في الطين وتمسك الفأس وتتسخ ثيابك الأنيقة، لا.. أنت فقط تأمر ونحن ننفذ، تشير ونحن نعمل إرادتك وأنت علي كرسي رياستك.. لكن إذا صمم الرئيس على طلبه فهل يستطيع أحد أن يرفض؟؟؟ سنقول أمرك ياريس، نحن رفضنا حباً وإكراماً، لا نريد لك النزول إلى هذا المستوى، نريدك دائماً عاليا.. وهو صمم لأنه يريد أن يشاركنا أفراحنا وأحزاننا، يضع يده في أيدينا تشجيعاً ودفعاً لنا على حب العمل.. وحين نفهم ذلك، سنحبه أكثر ويزيد تقديرنا واحترامنا لشخصه، نثق في رياسته، وتكون أوامره مطاعة أكثر لأننا عرفنا أنه يسعى لخيرنا، فهو يعرف مشاكلنا عن قرب حيث مسك بيده وفعل ما نفعله، صار قريباً منا، لا يحكمنا من برجٍ عاجيٍ لا يدرى بما نعانيه، بل هو معنا علي أرض واقعنا يشعر بمشاعرنا يتألم ويتعب ويعرق مثلنا.

 

قد يراودك السؤال: لكن لماذا يتجسد الله؟

أقول لك: ليخلصنا من عقوبة خطية أبوينا الأولين الذين عصيا الله بعدم طاعة أمرٍ جزاؤه الموت وورثناه جميعاً منهما!!!

 

قد تقول: وما ذنبنا؟ ألم يكن بالأولى موت آدم وحواء فهما المذنبين؟ أو إبليس سبب الغواية؟ أو نموت نحن فالنفس التي تخطئ تموت؟!!!

لذلك دعني أعود بك إلي القصة القديمة، قصة سقوط أبوينا الأولين: في جنة عدن أصدر الله أمراً لآدم بعدم الأكل من الشجرة التي في وسط الجنة قائلاً: “يوم أن تأكل منها موتاً تموت”. وجاء إبليس ليقول: “لن تموتا”. وفضَّل أبوانا سماع قول إبليس ورفض سماع قول الله، وأكلا من الشجرة. وكانت النتيجة أن انفتحت أعينهما واكتشفا أنهما عريانان.

 فحاولا محاولاتٍ مستميتةٍ لستر نفسيهما باستخدام ورق التين وصنع مآزر، لكنها كانت تدوم لساعاتٍ ثم تجف وتسقط وينكشف عريهما ويحتاجان إلي صنع مآزر من جديد.. وهكذا دواليك، صنع مآزر وسقوطها والحاجة إلي جديد..

 خوف وهروب دائمين من الله. فقدا متعة التواجد في محضر الله والاستمتاع بالحضرة الإلهية البهية. وهذا هو الموت الأدبي.. انفصال عن الله مصدر الحياة.. وعلى الرغم من أنه يأكل ويشرب وينجب إلا أنه في انفصال عن مصدر الحياة، إنسان ميت ينجب أمواتاً..

 كنا نتوقع من الخاطئ أن يرجع إلي من أخطأ في حقه طالباً العفو والغفران، لكنه انشغل عن هذا بستر نفسه، والنتيجة الفشل في الستر والفشل في العودة..

 

ثلاث حقائق اساسية

ما هي الخطية؟

تعال معي في هذه الجولة السريعة لنعرف ما هي الخطية؟

أيمكنك أن تتتبع نهر الدموع التي سالت من المآقي على مر العصور بسبب موت القريب والحبيب؟

أو يمكنك أن تلقي نظرة على المدافن في كل زمان ومكان، وأن ترى النفوس التي تلوعت والقلوب التي تحطمت عندها؟!

تحول الآن عن الموت ولونه الأسود، لكي تتأمل في الحروب وصبغتها الحمراء. تأمل القتلى والمشوهين، والأسرى والمجروحين. تأمل الدمار والخراب لكل ما كان يوما ينبض بالحياة!

خذ جولة سريعة حول الأسِرَّة البيضاء. أدخل المستشفيات وقابل المرضى. انظر وجوههم الشاحبة والموت يتسرب إلي أجسادهم ببطء لكن بثبات. إستمع إلى أنين المطروحين وتأوهاتهم وصرخاتهم!

هذه كلها ثمرات الخطية المُرة!

زر السجون والتق بمن فيها. استمع إلى ما عملوه في المجتمع وما عمله المجتمع فيهم!

وماذا عن الحانات والمراقص ودور الفجور ونوادي القمار. بل ماذا عن بيوت مرتادي هذه الأماكن؛ البيوت المحطمة ومن فيها من نسوة وبائسات وأولاد تعساْ وأزواج أو آباء محطمين.

آه ما اكثر البؤساء والمعذبين في الأرض بل ما أمر الخطية ونتائجها!

لكن هل أنت بعد كل هذا قد عرفت ما هي الخطية؟ كلا، فأنت لم ترَ إلا مظاهرها الخارجية. لقد شاهدت بعضاً من أعراض المرض لا المرض ذاته. أيمكنك أن تدخل إلي القلوب لتري كيف أفسدتها الخطية تماما. نعم فإن الداء غائر في القلب، والضربة أعمق من الجلد!

لكنك حتى لو دخلت إلى قلوب لترى ما فعلته الخطية في بنى البشر, فليس هذا هو الجزء الأهم في المسألة. إن الخطية هي قبل كل شئ واقعة ضد اعتبارات مجد الله. إن الخطية إهانة لمجد الله.

إن تعريف الخطية هو عدم إصابة الهدف. أما الهدف الذي كان مطلوباً منا أن نصيبه فأخطأناه، هو مجد الله.

فالله خلق الإِنسان لمجده (إشعياء 43: 7)

كان ينبغي لنا إذ عرفنا الله أن نمجده (رومية 1: 21). لكن هذا لم يحدث الجميع أخطأوا وأعوزهم مجد الله (رومية 3: 23).

 

إنك إن لم تنظر إلى الخطية بهذه النظرة فلن يمكنك فهم الكفارة. ينبغي قبل أن تبحث عن حل للمشكلة أن تعرف أولاً حقيقة المشكلة. فالخطية هي ضد مجد الله كما قال داود النبي للرب إليك وحدك أخطأت، والشر قدام عينيك صنعت (مزمور 51: 4) . آه، ما أخطر أن تفعل الخطية أمام عيني الله، ذاك الذي عيناه أطهر من أن تنظر الشر ولاتستطيع النظر إلى الجور

(حبقوق 1: 13)

نعم إن الخطية بشعة بشعة بشعة فيما عملته معنا وفينا. لكنها أبشع بما لا يقاس في عيني الله وفى نور قداستة.

 

تسرُّب الخطية إلى البشر عامة

1 – الحالة التي يولد بها البشر:

يقول الرواقيون والبيلاجيون: يولد الإِنسان بريئاً، مَثَله في ذلك مَثَل آدم قبل السقوط في الخطية، إنما أعماله هي التي تكوّن صفاته. لأنه لو كان قد وُلد فاسداً، لكانت حياته بأسرها حياة الشر والإجرام . (الرواقيون هم أتباع زينو الفيلسوف اليوناني، وأُطلق عليهم هذا الاسم نسبة إلى الرواق الذي كانوا يجتمعون فيه، في القرن الرابع ق م. أما البيلاجيون فهم أتباع بيلاجيوس الذي ظهر في إنكلترا في القرن الخامس م) .

 

ويقول الأرمينيون: وإن كان الإِنسان يولد بريئاً، لكن يكمن في طبيعته قصور يحول بينه وبين السلوك بالكمال، وهذا سبب ارتكابه الشر في بعض الأحيان . (الأرمينيون هم أتباع أرمينيوس الذي ظهر في هولندا في القرن 16 م) .

 

ويقول جان جاك روسو وولتير وشارل فوربيه وغيرهم: يولد الإنسان كاملاً (أي ليس بريئاً فحسب، بل وكاملاً أيضاً) . إنما إذا عاش في بيئة شريرة يتسرب إليه الشر منها. فالخطية إذاً ليست أصلية فيه بل طارئة عليه، فمن الممكن إزالتها بالتنوير والتعليم .

 

والرأي الأول ليس صواباً لأن أعمال الإِنسان لا تكوّن صفاته، بل تصدر عنها. فالإنسان لايكون قاتلاً في الظاهر إلا إذا كان يميل إلى القسوة والانتقام في الباطن. فصفات الإنسان سابقة لأعماله وليست لاحقة لها. فهو خاطئ بالقصد قبل أن يكون خاطئاً بالفعل. كما أن عدم ارتكاب كل إِنسان شروراً شنيعة ليس دليلاً على أن البشر يولدون أبرياء. فالخطية ليست هي الشر الشنيع فحسب، بل هي أيضاً مجرد انحراف النفس إلى الشر أو انحرافها عن الخير، كما ذكرنا في الفصل السابق.

 

والرأي الثاني ليس صائباً أيضاً، فمن غير المعقول أن يكون في طبيعتنا قصور يحول بيننا وبين السلوك بالكمال، ونكون أبرياء. بل لا بد أننا نولد وفي طبيعتنا ميل إلى الخطية، لأنه لا يمكن أن نفعلها إلا إذا كان فينا ميل إليها، إذ أن لكل معلول علة ولكل عمل سبب.

 

والرأي الثالث ليس صواباً كذلك، لأن البيئة الشريرة وإن كان لها تأثير عظيم على الإِنسان، لكن ليست هي التي تولّد الشر فيه. والدليل على ذلك أن الأطفال الذين لا يعرفون بعد شيئاً عن الحياة الدنيا، تبدو عليهم إمارات الأنانية والكبرياء ومحبة الذات، والحسد والطمع والعناد. كما أنهم يسطون على ممتلكات الغير ويتشاجرون معهم مدفوعين في ذلك كله بغرائز كامنة في نفوسهم. ولا عبرة بالقول إن تصرفات الأطفال المذكورة هي مجرد نقائص، أو أن الأطفال لا يدركون أن تصرفاتهم هذه هي خطايا، لأن النقائص خطايا، وعدم إدراك الخطايا لا يقلّل من أنها خطايا. الغريزة في ذاتها ليست خطية، لأن اللّه هو الذي أودعها في الإنسان لأجل خيره، إنما الخطية هي استخدام الغريزة في غير ما أودعها اللّه لأجله.

 

وإذا كان الأمر كذلك، اتضح لنا أن الإِنسان يولد وبه ميل إلى الخطية، وهذا الميل وإن كان لا يبدو بوضوح في الصغر، غير أنه يأخذ في الظهور كلما شبَّ الإِنسان ونما. وهو مثل السم الكامن في الثعبان، فإنه لا يَرِد إليه من الخارج، بل أن الثعبان يولد وفي جسمه استعداد لتكوينه. وكل ما في الأمر، أن هذا السم لا يظهر بنتائجه المميتة، إلا إذا بلغ الثعبان سناً معينة.

 

ومما يؤيد صدق هذا الاستنتاج

(أ) أن الذين قالوا بسلامة الفطرة الإِنسانية وكمالها، وبذلوا كل ما لديهم من جهد لتحسين حالة الفقراء والبؤساء، لاقوا من أولئك وهؤلاء الكثير من المتاعب والمضايقات، فخابت آمالهم الطيبة فيهم جميعاً، كما حدث مع سان سيمون وروبرت أوين وغيرهما.

(ب) لا يقدر التعليم أن يستأصل الخطية من نفس الإنسان، بل يعمل فقط على إخفاء بعض مظاهرها الشنيعة. والدليل على ذلك أن المتعلمين يفعلونها كما يفعلها غيرهم سواء بسواء. وكل ما في الأمر أنهم يتستَّرون بفعلها وراء أسماء مفتعلة مثل المدنية أو الحرية أو المصلحة الذاتية أو الحكمة البشرية، مثلهم مثل القبور التي تحيطها الأزهار والرياحين، بينما لا يوجد في باطنها إلا العفونة!

 

وقد أدرك كثير من الفلاسفة أن في الإنسان ميلاً للشر يسيطر على كيانه بأسره.

فقال أرسطو: أكثر أعمال الإِنسان محكومة بالعواطف والشهوات، ولذلك فهو يخطئ مهما علم عقله بضرر الخطأ. فالإِنسان يفكر جيداً ويرشده فكره إلى الصواب، لكن تتغلب عليه شهوته الكامنة فيه فتغويه . وقال سانت هيلير ليس ما يقع فيه الإِنسان من إثم ناشئاً عن خطأ في الموازنة بين اللذة الحاضرة والآلام المستقبلة، ولا ناشئاً عن جهل بطبيعة الأشياء. إنما منشؤه فساد في الخُلُق يحمل الإِنسان إلى تفضيل الشر على الخير، وهو عالم بهما وبنتائج كلٍ منهما. فإن الشرير لا يجهل البتة ما يفعله من سوء بل يشعر به وبما يلحقه من خسارة بسببه، ومع ذلك يسعى إلى هذا الخسران وهو آسف . وقال غيره: ليس الناس الذين نشأوا في الغابات بعيدين عن الأخطاء التي درج عليها غيرهم من سكان المدن، ولا هم أبرياء كما يُقال، بل هم حيوانات ماكرة. وهم ليسوا أفضل من المتحضّرين في شيء من الناحية الأخلاقية . وقال هكسلي: الاعتقاد أن الأطفال يُولدون في حالة الصلاح، وأن المجتمع الفاسد هو الذي ينحرف بهم إلى الشر، ليس له نصيب من الصواب . وقال سير سيدني سميث: يأتي الأطفال إلى العالم وفي طبيعتهم العناد والشر والأنانية .

 

 2 – سبب ولادة الإِنسان بطبيعة تميل إلى الخطية:

بناءً على قانون الوراثة لا يمكن لكائن أن يلد آخر مغايراً له، فالخنزيرة لا يمكن أن تلد حملاً، والشوك لا يمكن أن ينتج عنباً. وبما أن آدم الذي وُلد منه البشر جميعاً كان قد فقد بعصيانه حياة الاستقامة التي خلقه اللّه عليها وأصبح خاطئاً قبل أن ينجب نسلاً، فمن البديهي أن يولد أبناؤه جميعاً خطاة بطبيعتهم نظيره، لأننا مهما جُلنا بأبصارنا في الكون، لا نجد لسُنَّة اللّه تبديلاً. ولذلك قال الوحي: بإنسان واحد دخلت الخطية إلى العالم (رومية 5: 12-21) . وشهد داود النبي بهذه الحقيقة فقال: بالإثم صُوّرت وبالخطية حبلت بي أمي (مزمور 51: 5) . وقد أدرك هذه الحقيقة كثير من الفلاسفة والعلماء، فقال هكسلي وكانْت: هناك أصل للشر في الطبيعة البشرية، مما يدل على أن قصة سقوط آدم في الخطية صحيحة .

 

 3 – آراء الذين ينكرون تسرب الخطية من آدم إلى البشر جميعاً:

أما الذين أنكروا تسرب الخطية من آدم إلى البشر جميعاً، فقد ذهبوا مذاهب متعددة، نوردها هنا، مع الرد عليها:

(أ) لم يولد البشر من رجل واحد مثل آدم، حتى كان من الجائز أن يشتركوا معاً في طبيعة خاطئة واحدة.

الرد:

وجود أصل واحد للبيض والزنوج (كما قال السير أرثر كيث وغيره من العلماء)، ووحدة أصل اللغات (كما قال مكس مولر وغيره من العلماء)، وتشابه الناس جميعاً في أجسامهم وكيفية تغذيتهم وتناسلهم ودرجة حرارتهم وسرعة نبضهم (كما نعلم جميعاً)، كل ذلك يدل على أنهم مولودون من أصل واحد، أو بالحري من رجل واحد.

 

(ب) منذ القديم خلق الله أرواح البشر جميعاً وأوصاها أن تطيعه وتحفظ وصاياه، غير أنها تمردت عليه وخالفت هذه الوصايا، لذلك أوجدها في ذرية آدم ليعطيها فرصة أخرى لإظهار طاعتها له. فتكون خطايا البشر جميعاً خطايا ذاتية لا شأن لها بآدمى.

الرد:

ليس هناك أي دليل ديني أو عقلي أو تاريخي يثبت أنه كان لنا وجود فعلي قبل ولادتنا من أمهاتنا، أو أننا فعلنا خطية ما قبل ولادتنا منهن.

 

(ج) وجود الطبيعة الخاطئة في البشر ليس ناشئاً عن ولادتهم من آدم، بل عن عصيانهم الشخصي، لأن ناسوت آدم وناسوتهم جوهر عام واحدى.

الرد:

(1) بنى أصحاب هذا المذهب قولهم المذكور على المُثل الأفلاطونية، فزعموا (كما قال أفلاطون) أن اللّه أوجد البشرية قبل أفرادها، مثَلها في ذلك مَثل المغناطيسية التي أوجدها في العالم قبل ظهور حجر المغناطيس. وبناءً على ذلك يقولون إن البشرية القديمة تحل بكل خواصها في كل إنسان يُولد في العالم، كما تحل المغناطيسية بكل خواصها في حجر معيّن، فيصبح حجر المغناطيس. وهذا المذهب لا نصيب له من الصواب، لأن حجر المغناطيس لم ترد إليه المغناطيسية من الخارج في أي عصر من العصور، بل وُجد والمغناطيسية كامنة فيه.

(2) ليس هناك دليل على أننا كنا متَّحدين مع آدم في الجنة بأي شكل من الأشكال، أو أننا أخطأنا بالفعل معه هناك. فضلاً عن ذلك فكل منا مستقل بذاتٍ. فلآدم، كما لكل واحد منا، شخصيته التي لا يشترك معه فيها إنسان غيره. فالطبيعة الخاطئة، وإن كانت قد انتقلت إلينا من آدم، غير أننا لم نرتكب شخصياً أية خطية عملها آدم أو شخص غيره.

 

(د) سبب الخطية هو: اضطراب في النفس أو في الغدة النكفية، أو مركب النقص الموجود في اللاوعي.

الرد:

اضطراب النفس والغدة النكفية، وأي مركب نقص في اللاوعي، لا يؤدي إلى عمل الخطية إلا إذا كان الميل إليها قابعاً في الطبيعة البشرية، فاضطراب مياه البحار بواسطة العواصف ليس هو الذي يكوّن الأعشاب البحرية في البحار، بل يهيئ لها فقط سبيل الظهور على سطح البحار.

لقد حاد أصحاب هذه المذاهب عن الصواب. أما الحقيقة التي شهد بها وأيدها الاختبار، فهي أن الطبيعة الخاطئة التي فينا قد تسربت إلينا بالولادة من آدم الذي تناسلنا منه جميعاً.

 

 4 – نتائج ولادة البشر بالخطية:

تسرَّبت الخطية وتتسرب إلى البشر بالوراثة. وبما أن قانون الوراثة قانون عام تخضع له جميع الكائنات الحية، فمن البديهي أن الخطية تسربت إلى كل البشر، فصاروا جميعاً خطاة بأفعالهم كما وُلدوا خطاة بطبيعتهم. ولذلك قال الوحي: ليس بار ولا واحد. ليس من يفهم (فهماً روحياً) . ليس من يطلب اللّه. الجميع زاغوا وفسدوا معاً، ليس من يعمل صلاحاً، ليس ولا واحد.. لأنه لا فرق، إذ الجميع أخطأوا وأعوزهم مجد اللّه (رومية 3: 10-12 و22 و23) . وقال داود النبي للّه: لا تدخل في المحاكمة مع عبدك، فإنه لن يتبرر قدامك حي (مزمور 143: 2) . وقد اعتاد الناس أن يفرِّقوا بين إنسان وآخر، فيقولون مثلاً: إن هذا الإنسان أفضل من ذاك. لكن ليس هذا هو الحال في نظر اللّه، لأنه ليس هناك واحد من البشر لم يفعل خطية واحدة في حياته. ومن يفعل خطية واحدة، يكون خاطئاً لا باراً.

 

5 – قول المسيحية إن الطبيعة الخاطئة انتقلت إلى البشر بالوراثة، يجعلهم غير مسئولين عن الخطايا التي تصدر منهم، وهذا ما لا يتفق مع الحق.

الرد:

تقول المسيحية إن الطبيعة الخاطئة انتقلت إلى البشر بالوراثة. وهي تعلن أنهم يخطئون، ليس رغماً عنهم (مدفوعين في ذلك بغرائزهم وحدها كما هو الحال مع الحيوان) بل إنهم يخطئون بإرادتهم نتيجة موافقتهم على تلبية رغبات هذه الغرائز. فهم مسئولون عن كل خطية يرتكبونها، لأن المسئولية لا تُرفع إلا عن الأطفال والمجانين. ولذلك قال الوحي إن كل واحد منا سيعطي عن نفسه حساباً للّه (رومية 14: 12)، كما قال إن اللّه سيحضر كل عمل من أعمال الناس إلى الدينونة، سواء كان خفياً أم ظاهراً (جامعة 12: 14) . فليس هناك مجال أمام إنسان للاعتذار عن خطاياه بدعوى ضعف الإِرادة، لأنه لو أتى ضعيف الإِرادة بإخلاص إلى اللّه، لأعطاه اللّه طبيعة روحية جديدة تسمو به فوق أهواء الجسد سمواً عظيماً، كما سيتضح في الباب السادس من هذا الكتاب.

 

6 – هل من العدالة أن يُضار البشر جميعاً بسبب خطية ارتكبها آدم وحده؟.

الرد:

الحقائق الراهنة أثبت من منطقنا نحن البشر، لأن إدراكنا ليس كاملاً في كل الأمور. ومن هذه الحقائق مثلاً، أن بعض الأبناء البررة يرثون من آبائهم العلل والعاهات التي تقشعر منها النفس. وإذا حاولنا أن نحكِّم عقولنا في أسباب انتقالها إليهم نقف مكتوفي الأيدي. وهذا ما يواجهنا تماماً في حالة آدم وانحدار الطبيعة الخاطئة منه إلينا جميعاً، فآدم بحكم مركزه هو أبونا والنائب عنا جميعاً، وهذه حقيقة لا يستطيع المنطق أن ينكرها، سواء كانت معقولة عند بعض الناس أم غير معقولة. وهو بطبيعة مركزه هذا لا يمكن إلا أن تعود نتائج خطيته علينا دون أن يكون لنا يد في ارتكابها، مثله في ذلك مثل الآباء الذين تعود نتائج فجورهم وشرورهم على أبنائهم البررة. فلا سبيل للاعتراض على اشتراكنا في نتائج خطية آدم. ومع ذلك لا داعي لليأس أو الاعتراض، فقد تداخلت نعمة اللّه الغنية في أمرنا، ففتحت لنا جميعاً باب الخلاص من الخطية ونتائجها مجاناً، كما يتضح من البابين الرابع والخامس من هذا الكتاب.

 

مدى الإِساءة التي نوجّهها إلى اللّه بسبب الخطية:

وإن كنا لا نستطيع تحديد هذه الإِساءة بسبب سمو اللّه عن إدراكنا سمواً لا حد له، لكن نعلم أنه بارتكاب الخطية

(أ) نمنع وجود الصلة الروحية الطيبة التي يريد الله أن تكون بينه وبيننا، لأنه لم يخلقنا على صورته كشبهه إلا لتكون لنا هذه الصلة به.

(ب) ننكر فضله علينا ونستهين بعواطفه الكريمة من نحونا.

(ج) نرفض شريعته ونعصاها، وبذلك نتمرد عليه ونهينه في أرضه وعلى مرأى منه. لذلك قال الوحي عن الخطاة إنهم لا يخشون اللّه (إرميا 2: 19) ويبغضونه بلا سبب (مزمور 69: 4)، ويرفضون شريعته (إرميا 6: 19)، وينقضون عهده (يشوع 7: 11)، ويتمردون على شخصه (هوشع 13: 16)، ويسلبون حقوقه (ملاخي 3: 8)، ويُفسِدون أمامه (نحميا 1: 7)، ويهينون مقامه (مزمور10: 13 وإشعياء 1: 2-4)، ويحتقرون اسمه وينجّسونه أيضاً (ملاخي 1: 6 وحزقيال 36: 20)، لأن لسان حالهم إزاءه ابعُدْ عنا، وبمعرفة طرقك لا نُسرّ (أيوب 21: 14) فالخطية، علمْنا أم لم نعلم، هي أكبر إساءة نوجهها إلى اللّه، ولذلك قال الوحي: الخطية خاطئة جداً (رومية 7: 13) .

 

 تأثير الخطية بالنسبة للبشر

إذا نقلنا حيواناً من المنطقة الحارة إلى المتجمدة أو العكس، اضطرب جسمه وتعرض للموت. وهكذا الحال إذا نقلنا حيواناً بحرياً إلى البر أو برياً إلى البحر. لكن إذا ظل كل حيوان في المجال الذي خُلق ليعيش فيه، نما جسمه وعاش حياة طيبة. وعلى هذا النسق نقول: بما أن اللّه خلقنا لنعيش بالقرب منه، في رفقته ومعيّته. وبما أن كل كائن يبتعد عن المجال الذي خُلق للعيش فيه، لا يمكن أن يهنأ أو يستريح، فمن البديهي أن كل من يبتعد عن اللّه يتعرض للتعب والشقاء. وقد أشار اللّه إلى هذه الحقيقة فقال: من يخطئ عني يضرّ نفسه (أمثال 8: 36) .

 

والأضرار التي يتعرض لها الإنسان في العالم الحاضر بسبب الخطية ثلاثة أنواع:

 أضرار نفسية، وأضرار أخلاقية، وأضرار مادية:

 

 1 – الأضرار النفسية:

من يركض وراء الخطية، يحيا حياة القلق وعدم الاستقرار، كما يتعرض أحياناً للأمراض النفسية التي يتعذر شفاؤها، لأنه لا يجد في نهاية جهاده على الأرض هدفاً ثابتاً ولا رجاءً منيراً أمامه.

وإذا لم يتعرض لهذه الأمراض، فإنه يحصر غايته في ثروة لا يلبث أن يتركها أو تتركه، أو في لذة أو نشوة سرعان ما يهجرها أو تهجره. أو في ولد إذا امتد به العمر فإنه يُبكيه إذا تُوفي، ثم لا يلبث أن يهتم بشؤونه الخاصة وينساه. لذلك قال الوحي عن الخطية إنها تحني النفس (مزمور 44: 25) وتملؤها بالذل والهوان (مزمور 123: 4)، وتحرمها من الراحة والسلام (إشعياء 48: 22)، وتسلبها الوعي الروحي فتصبح أحط من نفس الحيوان (إشعياء 1: 3) .

 

 2 – الأضرار الأدبية:

ولوجود الطبيعة الخاطئة في الإنسان، يصبح (إذا لم يتلقَّ حياة روحية من اللّه) عاجزاً عن الارتقاء فوق خطاياه. فإذا تعهد يوماً بالإقلاع عنها، وبذل جهده في سبيل تنفيذ تعهده هذا، سرعان ما يُغلب على أمره. فإن لم يفعل الخطية في الظاهر قد يفكر فيها ويشتهيها في الباطن، ومِن ثمَّ يعود من حيث أتى. ومثل الإنسان في مقاومة الخطية بقوته الذاتية، مثل الماء الذي لا يستطيع الارتفاع من تلقاء ذاته إلى مستوى أعلى من المستوى الذي هبط منه في أول الأمر، كما نرى في تجارب الأواني المستطرقة. أو مثل الطائر الذي يسعى إلى الانطلاق نحو السماء وهو مقصوص الجناح، فإنه مهما حاول وجاهد لا يستطيع أن يرتفع فوق الأرض شبراً واحداً. وأول من شعر بهذه الحالة المريرة هو آدم وحواء، فعندما أخطئا، فقدا الصلة الروحية باللّه، كما أحسَّا بأنهما لا يستطيعان العودة إلى حالة البراءة التي كانا يتمتعان بها من قبل (تكوين 3: 8) . ويُطلَق على هذا العجز وذاك الفقدان اسم الموت الأخلاقي الذي هو أشر موت لمن يقدّر أهمية التوافق مع اللّه. ولذلك قال الرسول للمؤمنين عن حياتهم السابقة في الخطية: وأنتم إذ كنتم أمواتاً بالذنوب والخطايا (أفسس 2: 1) . كما قال عن نفسه قبل تمتُّعه بخلاص اللّه الكامل الخطية قتلتني (أخلاقياً)، وأنها عاشت فمتُّ أنا (أخلاقياً) (رومية 7: 9-11) . كما قال بعد ذلك: لأن الإرادة (لحياة الصلاح) حاضرة عندي، وأما (عن القدرة التي تؤهِّلني) أن أفعل الحُسنى (كما يريدها اللّه) فلست أجد (إليها سبيلاً) . لأني لستُ أفعل الصالح الذي أريده، بل الشر الذي لستُ أريده إياه أفعل (بسبب الطبيعة الخاطئة الكامنة فيَّ) . فإني أُسرّ بناموس اللّه بحسب الإِنسان الباطن (بسبب إخلاصي للحق)، ولكن أرى ناموساً آخر في أعضائي يحارب ناموس ذهني (الذي يريد الصلاح)، ويسبيني إلى ناموس الخطية الكائن في أعضائي. وَيْحي أنا الإنسان الشقي، من ينقذني من جسد هذا الموت؟! (رومية 7: 18-24) .

 

هذا اختبار الرسل والقديسين، كما أنه اختبار كثيرين من الفلاسفة والمفكرين. فمن المأثور عن هكسلي أنه قال: برهن الإنسان على أنه خاضع لعنصر وضيع يسيطر على كيانه بقوة هائلة. إذ أنه فريسة عمياء لدوافع نفسية متعددة تقوده إلى الشر والدمار، وتجعله ضحية مسكينة لأوهامٍ لا حصر لها .

 

 3 – الأضرار المادية:

(أ) وبسبب الخطية كم من قويٍّ تهدمت صحته، وشاب في مقتبَل العمر ذبلت نضارته، ومثقف كان يزدان به المجتمع فقَدَ مكانته! وكم من غني أصبح فقيراً وعظيم أضحى حقيراً، ومحترم أمسى ذليلاً. وبسبب الخطية كم من خصام دبَّ بين العائلات راح ضحيته كثير من الأبرياء، وكم من أمّة انحلّت عُراها فدالت دولتها وأصبحت أثراً بعد عين. لذلك قال الوحي إن الأهواء التي تجيش في نفوس الناس هي السبب في قيام الحروب والخصومات بينهم (يعقوب 4: 1)، وإنه بسبب امرأة زانية يفتقر الإنسان إلى رغيف خبز (أمثال 6: 26)، وإنه بسبب الخمر يحل الشقاء والكرب (أمثال 23: 29 و30) وإن الخطية بصفة عامة تمنع الخير عن الناس (إرميا 5: 25)، وتجلب عليهم العار (أمثال 14: 34)، وتسبِّب لهم العلل والأمراض (تثنية 28: 22) .

لا ننكر أن أشراراً كثيرين يحيون حياة الرغد والسعة في العالم الحاضر، وأن أتقياء كثيرين يحيون حياة الضيق والضنك. لكن ليس هذا دليلاً على أن الخطية لا تورِّث المتاعب والآلام (لأن هذا أمر لا يختلف فيه اثنان)، بل هو دليل على أن اللّه في حكمته السامية يعامل كل إنسان بالمعاملة التي تُصلِح من شأنه. فقد يُحسِن بخير جزيل إلى إنسانٍ شرير، ليتأثَّر ضميره ويتوب عن شره. وقد يسمح بالتجارب لإِنسان يتَّقيه إذا وجد أن حياة الرغد والسعة تحول بينه وبين التقدم في حياة التقوى، التي هي أعظم حياة في الوجود.

 

(ب) كما أن الموت الجسدي الذي نرتعد لذكره وتتحطم عنده آمالنا وأمانينا، ويورثنا الكثير من الحزن والأسى، هو النتيجة الختامية للخطية في العالم الحاضر. فقد قال اللّه لآدم عن الشجرة المنهيّ عنها: لأنك يوم تأكل منها موتاً تموت (تكوين 2: 17)، كما قال له بعد الأكل منها: لأنك ترابٌ وإلى تراب تعود (تكوين 3: 19) .

 

الاعتراضات التي تُوجَّه ضد الحقائق السابقة والرد عليها

 1 – إذا كان الموت هو قصاص الخطية، فلماذا لم ينفذ اللّه هذا القصاص في آدم بعد عصيانه مباشرة؟.

الرد:

لم يفعل الله ذلك لسببين:

(أ) بعد قيادته لآدم إلى التوبة والإِيمان برحمته عن طريق نسل المرأة الذي سيسحق رأس الشيطان (تكوين 3: 15)، نفذ حكم الموت الجسدي الذي كان يجب أن يحل بآدم في حيوان عوضاً عنه. وهذا الحيوان وإن كان في حد ذاته ليس كافياً للتعويض عن آدم لأنه أقل قدراً منه، لكن لأنه كان رمزاً إلى كفارة أسمى منه بما لا يُقاس (كما يتضح بالتفصيل في البابين الثالث والرابع من هذا الكتاب)، اكتسب وقتئذٍ القدرة الكافية للتعويض عن آدم أمامه. فأطال الله عمر آدم ما شاء، كما لو كان مخلوقاً جديداً.

(ب) لم يخلق الله الأرض عبثاً بل هيأها للسكن (إشعياء 45: 18)، فكان بديهياً أن يُبقي آدم بعد فدائه، ليأتي بنسل يملأ الأرض وينعَم فيها بفضله من جهة الأمور الروحية والمادية معاً.

 

2 – كان موت آدم أمراً طبيعياً ولم يكن قصاصاً على الخطية التي ارتكبها، لأن جسده قابل للموت من تلقاء ذاته مثل أجسادنا.

الرد:

لا نستطيع الجزم بما كان عليه جسد آدم في أول الأمر، ولكن ما نستطيع الجزم به، وهو أن جسده أصبح، بعد السقوط في الخطية، مثل أجسادنا تماماً، قابلاً للموت والانحلال. فقد قال الوحي: بإنسانٍ واحد دخلت الخطية إلى العالم، وبالخطية الموت، وهكذا اجتاز الموت إلى جميع الناس إذ أخطأ الجميع (رومية 5: 12) .

 

ولو فرضنا جدلاً أن جسد آدم كان قد خُلق من أول الأمر قابلاً للموت، وأنه عاش بعد ذلك في الجنة دون أن يعصى اللّه، لكان الله قد حوّل جسده إلى جسد غير قابل للموت، وذلك للأسباب الآتية:

(أ) لم يكن هذا التحول يتعارض مع ناموس الطبيعة الثابت، فدودة القز مثلاً تتحول إلى عذراء ثم إلى فراشة تطير في الهواء، دون أن يعتريها بذلك أي تغيير في ذاتيتها.

(ب) خُلِق آدم بجسمه وروحه أصلاً للبقاء، ويكفينا دليلاً على ذلك أن كل الأديان تنادي بأن البشر عامة سيقومون بعد موتهم بأجساد تبقى إلى الأبد. فلا غرابة لو كان اللّه قد حوَّل جسد آدم إلى جسد غير قابل للفناء، لو كان آدم قد استمر في حالة الطاعة.

(ج) سجل الوحي لنا أن اللّه قبل أن يخلق آدم، كان قد أعدَّ له وسيلة يمكن أن يحيا بها إلى الأبد، في شجرة وضعها في الجنة أطلق عليها اسم شجرة الحياة (تكوين 3: 22) .

(د) أنبأنا العلم أنه من الممكن إطالة عمر الإِنسان كثيراً بمحاربة أمراض الشيخوخة التي يتعرض لها. وقدرة اللّه على إطالة عمر الإِنسان، بل وإطالته إلى الأبد، تفوق قدرة العلم بدرجة لا تحد.

 

مذكرة توضيحية عن جنة عدن، وعن شجرة الحياة:

كانت الجنة التي خلقها اللّه لآدم جنةً مادية بها طعام وشراب ماديان، وقد اندثرت تماماً بواسطة الكوارث، ولا سيما الطوفان الذي حلّ بالأرض في أيام نوح، فلم يبقَ لها أثر. ولذلك فالمؤمنون الحقيقيون لا يذهبون إلى الجنة بعد انتقالهم من العالم الحاضر كما يظن بعض الناس، بل يذهبون إلى الفردوس، أو بالحري إلى السماء الثالثة (2كورنثوس 12: 2-4)، وفي هذه السماء لا مجال للمتع الجسدية على الإِطلاق. فقد قال الوحي عن الذين سيحظون بالوجود هناك، إنهم لا يزوجون ولا يتزوجون كما أنهم لا يأكلون ولا يشربون، إذ أن متعهم هناك ستكون من أولها إلى آخر متعاً روحية محضة (متى 22: 30 ورومية 14: 17) لأنها هي التي تتوافق مع الأجساد الممجَّدة التي سيلبسونها في السماء، كما تتوافق مع روحانية اللّه المطلقة.

ولم تكن شجرة الحياة هي شجرة معرفة الخير والشر التي نهى اللّه آدم عن الأكل منها من قبل، بل كانت شجرة غيرها (تكوين 2: 9) . كما أن شجرة الحياة هذه لم تكن في ذاتها هي التي ستمنع الموت عن آدم وزوجته لو كانا قد أكلا منها، لأنها كانت شجرة مادية، والأشياء المادية لا تستطيع أن تهب حياة أبدية لمن يأكل منها، لكنها كانت رمزاً إلى المسيح (رؤيا 22: 14) الذي يستطيع أن يهب هذه الحياة، لكل من يتغذى روحياً به (يوحنا 6: 51) . وطبعاً لم يسمح اللّه لآدم بالأكل من شجرة الحياة بعد سقوطه في الخطية (تكوين 3: 24)، لئلا يحيا إلى الأبد في خطاياه، فيكون ذلك وبالاً عظيماً عليه وعلى نسله إلى الأبد.

 

الخطية والعقوبة الإلهية الأبدية

 1 – عدالة العقوبة الإِلهية:

إن شعور الخطاة في الأبدية بالآلام الذاتية المتعددة التي ذكرنا طرفاً منها في الفصل السابق، لا يعفيهم من توقيع القصاص الإِلهي عليهم بسبب خطاياهم. ولا غرابة في ذلك، فشعور المجرمين بالحسرة والندم بعد القبض عليهم لا يعفيهم من توقيع القصاص القانوني عليهم. فالخطاة لا بد أن ينالوا من اللّه عقاب خطاياهم، كبيرها وصغيرها، حتى إن كانوا قد نالوا قصاصاً عنها في دنياهم بواسطة المحاكم الأرضية، لأن عقاب هذه المحاكم ليس عن الإِساءة إلى اللّه، بل عن الإساءة إلى المجتمع الذي يعيش فيه الناس.

 

2 – مدى العقوبة الإلهية:

يتناسب قصاص الإساءة طردياً مع مكانة الشخص المُسَاء إليه، فإذا وقعت إهانة على شخص قليل الشأن، كان قصاصها لا يُذكر، وكان تعويضها (إن كان لا بد من تعويض) ضئيلاً. أما إذا وقعت الإهانة على شخص عظيم القدر كملك أو حاكم، كانت جريمة شنيعة تستحق عقاباً جسيماً لا مجال للتعويض فيه بحال. وبما أن الخطية هي إهانة للّه الذي لا نهاية لمجده ولا حدّ لسموّه، إذاً فالعقوبة المستحقَّة عنها هي عقوبة لا نهاية لها. فلا عجب إذا كان اللّه قد قال لآدم إنه يوم يأكل من الشجرة التي نهاه عنها موتاً تموت (تكوين 2: 17) . ومن مواضع كثيرة في الكتاب المقدس يتضح لنا أن الله قصد بهذا الموت المؤكد، الموت بأنواعه الثلاثة: الأخلاقي والجسدي والأبدي. وقد تحدثنا فيما سلف عن النوعين الأولين من هذا الموت.

أما الموت الأبدي فهو الذي يدعوه الكتاب المقدس الموت الثاني أو العذاب الأبدي (رؤيا 20: 14) . وهو قصاص لا نهاية لمدته، لأن الخطية جريمة ضد اللّه الذي لا نهاية لمجده، ولا حد لسموّه. لذلك قال الوحي عن الأشرار إن نصيبهم هو البحيرة المتقدة بنار وكبريت الذي هو الموت الثاني (رؤيا 21: 8) . وهذه البحيرة هي جهنم التي لا تُطفأ نارها ولا يموت دودها (مرقس 9: 44) . والنار هنا ليست طبعاً ناراً مادية، لأن المادة (بالمعنى المعروف لدينا) هي من خصائص الأرض. ومع ذلك فمن المؤكد أن تأثيرها سيكون للأسباب السابق ذكرها، أشد من تأثير النار المادية بنسبة لا حدّ لها، لأن الفرق بين الاثنين هو الفرق بين الحقيقة والصورة الخاصة بها، وهذا الفرق شاسع للغاية. كما أن الدود الوارد ذكره مع جهنم ليس دوداً بالمعنى الحرفي، إذ أن المراد به وخزات الضمير وتأنيباته اللاذعة، التي تحدثنا عنها في الفصل السابق.

 

3 – الأساس الذي توقع عليه العقوبة:

بما أن من يرتكب خطية صغيرة (في نظرنا) يتعدى على شريعة اللّه ويحرم نفسه من التوافق معه، شأنه في ذلك شأن من يرتكب خطية كبيرة سواء بسواء. إذاً لا غرابة إذا قال الوحي: من قال: يا أحمق، يكون مستوجب نار جهنم (متى 5: 22)، وقال إن هذه النار بعينها يستحقها الخائفون وغير المؤمنين والرجسون والقاتلون والزناة والسحرة وعبدة الأوثان وجميع الكذبة (رؤيا 21: 8)، لأن من يقول يا أحمق، يكون مجرداً من المحبة للآخرين والعطف عليهم. والذي يتجرد من هاتين الصفتين لا يستطيع التوافق مع اللّه في صفاته الأخلاقية السامية، وبالتالي لا يستطيع التمتع به على الإطلاق. وعدم التمتع باللّه أو الحرمان منه، هو جهنم بعينها.

ولا يُراد بغير المؤمنين المشركون والملحدون فحسب، بل يُراد بهم أيضاً المؤمنون بالاسم، لأن هؤلاء وإن كانوا يعترفون بالمسيح ويقومون بالفرائض أحياناً، غير أنهم لا يستطيعون التوافق مع اللّه في صفاته الأخلاقية السامية، مثلهم في ذلك مثل المشركين والملحدين تماماً.

 

الاعتراضات التي تُوجَّه ضد هذه الحقائق والرد عليها

 1 – ليست الخطية جريمة بل مرضاً متأصّلاً فينا، فلا يكون موقف اللّه إزاءنا موقف القاضي الذي يحكم بالعقاب، بل موقف الطبيب الذي يتولى العلاج.

الرد:

وإن كنا ورثة الطبيعة الخاطئة من آدم، غير أننا لا نرتكب الخطية رغماً عنا بل بإرادتنا كما ذكرنا في الفصل الأول، لذلك تكون خطيتنا معصية أو جريمة. وهذه لا تُقابَل بالعطف بل بالعقاب، إلا إذا تاب فاعلها توبة صادقة واعتمد على رحمة اللّه في الغفران الذي يتفق مع كمال صفاته جميعاً. فإن الله في هذه الحالة يقف منه موقف الطبيب الذي يعالجه ويأخذ بناصره.

 

2 – ليس الإنسان مسئولاً عن الشر الذي يعمله، لأنه مجبَر على عمله بواسطة قوة أعظم منه، سواء كانت هذه القوة هي قوة الشيطان، أم قوة الغرائز، أم قوة الجبر الإلهي. وإن لم يعمل الإنسان الشر بسبب إحدى هذه القوى، فإنه يعمله بسبب العوامل الاجتماعية القاسية التي تحيط به، فلا تجوز معاقبته عما يأتيه من شر.

الرد:

الإنسان مخلوق عظيم، بل هو أعظم مخلوقات اللّه قاطبة، لذلك استطاع أن يسيطر على الطبيعة ويستغلها لفائدته، كما استطاع أن يحلّق في الفضاء ويهبط على القمر وغيره من الكواكب، مؤيَّداً بإرادته القوية وعقله الجبار. كما أن الشيطان ليست له (كما سيتضح في الباب التاسع) سلطة على الإِنسان، إلا إذا انقاد الإنسان بإرادته وراءه. كما أن العوامل الاجتماعية مهما كانت قسوتها، لا تؤثر على الإِنسان إلا إذا تخلى عن عقله ورضخ لها. والدليل على ذلك أن بعض الفقراء يحيون حياة الأمانة، وبعض الأغنياء لا أمانة لديهم! أما اللّه فإنه لكماله المطلق، لا يمكن أن يرغم أحداً على فعل الخطية. وإذا كان الأمر كذلك، فالإنسان هو الذي يفعلها بمحض إرادته، فلا يجب أن يتنصَّل من المسئولية الملقاة على عاتقه، أو يعارض فيما يستحقه من عقاب بسبب خطاياه.

 

3 – خطايا الإلحاد والإشراك وحدها هي التي يعاقب اللّه عنها، أما الخطايا الأخرى فلا يعاقب عنها، لأن البشر لهم العذر أو بعض العذر في ارتكابها، لأن طبيعتهم البشرية تدفعهم إليها.

الرد:

لا شك أن خطايا الإِلحاد والإِشراك أشرّ من غيرها من الخطايا ولا علاقة لأصحابها مع اللّه، لا في العالم الحاضر أو العالم الآخر. غير أن الملحدين والمشركين لا علاقة لهم باللّه، مثلهم مثل باقي الخطاة، لأنهم لا يتوافقون معه في قداسته وكماله، ولأنهم أيضاً أساءوا إليه بمخالفتهم لشريعته التي أعطاها لهم. فمن البديهي ألاّ يكون لهم حق التمتع باللّه في الأبدية، وأن ينالوا فيها أيضاً ما يستحقونه من قصاص بسبب خطاياهم. أما الاعتذار عن مخالفتنا لشريعة اللّه بدعوى وجود طبيعة تميل إلى الخطية فينا، فقد ناقشناه في الفصل الثاني.

4 – هل من العدالة أن يظل عذاب الخطاة إلى الأبد، مع أنهم لم يستغرقوا في عمل خطاياهم إلا وقتاً محدوداً؟

الرد:

تتناسب العقوبة تناسباً طردياً مع قدر الشخص المُساء إليه، فعقوبة الخطية لا تُقاس بالنسبة إلى المدة التي عُملت فيها، بل بالنسبة إلى شناعتها بوصفها إساءة إلى اللّه نفسه. وإذا كانت جريمة واحدة تُعمل ضد الدولة في دقائق معدودة، قد يكون عقابها الإعدام، أو الأشغال الشاقة مدى الحياة، فلا غرابة إذا كان عقاب الخطية عذاباً أبدياً.

 

5 – هل من العدالة أن يطرح اللّه جميع الخطاة في جهنم إلى الأبد، مع أن بعضهم أقل شراً من البعض الآخر؟

الرد:

قلنا إن الخطاة مهما قلّت خطاياهم قد أساءوا إلى اللّه، وأبعدوا أنفسهم عن التوافق معه، فلا جدال أنهم جميعاً سيقضون الأبدية بعيداً عنه. والبُعد عن اللّه مهما كان شأنه هو جهنم بعينها، لأنه لا هناء للنفس إلا بالوجود في حضرة اللّه والتوافق معه.

وحتى لو كان كل الخطاة سيكونون في جهنم إلى الأبد، فإن كلاً منهم سيشعر هناك بما يستحقه من عذاب عن خطاياه، وذلك للأسباب الآتية:

(أ) سيكون الضمير مصدراً من مصادر العذاب الأبدي. فالذي فعل خطايا شنيعة، سيكون تأثره بالألم أكثر من تأثر الذين لم يفعلوا مثل هذه الخطايا.

(ب) للّه طرقه الخاصة لتحقيق عدالته بدرجة لا يجد الإنسان أو غير الإنسان معها مجالاً للاعتراض، فقد قال الوحي يستدُّ كل فم، ويصير كل العالم تحت قصاص من اللّه (رومية 3: 19) .

(ج) سيجازي الله كل واحد حسب أعماله (رومية 2: 6) . ولذلك نرى أن أهل كفر ناحوم (الذين كانت لهم فرص للخلاص لم يَحْظَ بشيء منها أهل سدوم) ستكون حالتهم في الأبدية أقسى من حالة أهل سدوم كثيراً (متى 11: 23 و24) .

 

6 – كيف يعاقب اللّه الخطاة مع أنه المحب الرحيم؟

الرد:

يقدم الله أولاً للخطاة كل محبة ورحمة، فيعرض عليهم الخلاص من دينونة خطاياهم مجاناً، بناءً على كفارته العظيمة (سنتحدث عنها في الباب السادس)، لأنه يريد أن جميع الناس يَخْلُصون وإلى معرفة الحق يُقبِلون (1تيموثاوس 2: 4) . فكل من يرفض محبة اللّه ورحمته، يستحق أن يعامله اللّه حسب شريعة عدالته وقداسته. لأن صفاته لا تطغى إحداها على الأخرى، لكمال كل صفة منها.

فإذا تساءل الناس: كيف يحب اللّه البشر، وفي الوقت نفسه يسمح بعقابهم على خطاياهم؟ فالجواب: إنه فضلاً عن أن العقاب بسبب الخطية يتفق مع العدالة، التي لا اعتراض عليها من أحد، فإن محبة اللّه ليست المحبة العمياء التي لا ترى العيوب والنقائص، ولا هي المحبة الدنسة التي ترضى عن الشرور والآثام. بل هي المحبة المبصرة التي ترى كل الأشياء على حقيقتها، كما أنها المحبة المقدسة التي لا ترضى عن هذه الشرور والآثام. ومثل هذه المحبة لا تظهر فقط في العطف على الأتقياء الذين يحبون اللّه ويبذلون كل جهدهم للسير في سبيله، بل تظهر أيضاً في النفور من الأشرار الذين لا يراعون قداسته ويُفسِدون أمامه. وإلا لكان الله يُسَرّ بخطاياهم وتعدياتهم، وهذا مستحيل. ثم أن محبة اللّه التي تبعث إلى أتباعه بالفرح والابتهاج، ستكون هي بعينها العامل الذي، من ناحية أخرى، يُشعِر الخطاة بأقسى أنواع الألم والعذاب، لأنهم سيدركون في الأبدية أنهم رفضوا هذه المحبة واحتقروها مع أنها لم تكن تبغي إلا خلاصهم وإسعادهم.

 

7 – تدلّ معاقبة اللّه للخطاة على أنه يتأثر، والتأثُّر يقتضي التغيُّر، مع أن اللّه لا يتغير. لذلك فإنه لا يعاقب الخطاة بل يترك أرواحهم وشأنها في الفضاء.

الرد:

بما أن اللّه يعرف كل الأشياء قبل حدوثها، إذاً فكراهيته للخطية لا تتوقّف على زمن ظهورها في العالم بل كانت لديه أزلاً. ولا غرابة في ذلك، فإن هذه الكراهية ليست إلا الوجه السلبي لكماله. فعندما يعاقب الخطاة بسبب خطاياهم لا يثور (كما نفعل نحن) بل يسمح بتوقيع العقوبة عليهم باعتبارها ضرورة قانونية تتفق مع الكمال الذي يلازمه من الأزل إلى الأبد.

 

8 – ما الفائدة التي تعود على اللّه من معاقبة الخطاة؟

الرد:

لا تعود على اللّه من معاقبة الخطاة فائدة ما، لأنه كامل في ذاته، ولا يعود عليه نفع أو خير من أي كائن من الكائنات. لكنه في معاقبته للخطاة يحقّق شريعة عدالته. وكما أنه إذا أمسك إنسانٌ ناراً يحرق نفسه بنفسه، كذلك إذا أساء أحد إلى اللّه يهلك نفسه بنفسه. وكما أنه لا يجوز للشخص الأول أن يلوم النار لعدم تحوُّلها برداً وسلاماً عليه، لأن النار بناءً على ناموسها الطبيعي تحرق كل من يمسك بها، كذلك على الثاني أن يلوم نفسه عندما يرى ذاته في العذاب الأبدي، لأنه ليس هناك أمامه مجال للاعتراض، فشريعة الله تقول إن من يتوافق مع اللّه يتمتع بالراحة والهناء، ومن يبتعد عنه لا يكون نصيبه إلا التعاسة والشقاء. وقد أدرك الجاحظ (أحد فلاسفة المسلمين المشهورين) هذه الحقيقة فقال: إن نار الآخرة تجذب أهلها إلى نفسها دون أن يدخل أحد (بنفسه) فيها. لأن طبيعة أهل النار وفاق النار، وطبيعة أهل الجنة وفاق الجنة (ضحى الإسلام ج 3 ص 135 و 136) . ورأيه عين الصواب، لأننا نعلم أن شبيه الشيء ينجذب إليه.

فإذا رجعنا إلى الكتاب المقدس، نرى أن اللّه لم يقل لآدم إنه يوم يأكل من الشجرة المنهي عنها يُميته، بل قال له يوم تأكل منها موتاً تموت (أنت بنفسك) (تكوين 2: 17) . ولم يقل إن اللّه يجلب الضرر على من يخطئ عنه، بل قال من يخطئ عني يضرّ نفسه (بنفسه) (أمثال 8: 36) . ولم يقل إن الذين يبغضون اللّه يدفع بهم إلى الموت الأبدي، بل قال إنهم يحبون (هم أنفسهم) هذا الموت (أمثال 8: 36) .

 

9 – لا يرضى اللّه بسبب رحمته المطلقة أن تظل نفوس الخطاة معذبة إلى الأبد، فلا بد أنه سيفنيها بعد حين. (وهذا هو رأي جماعة شهود يهوه التي انحرفت عن المسيحية، ورأي فرقة الجهمية التي انحرفت عن الإسلام. غير أن الجهمية ذهبوا إلى أبعد مما ذهب إليه شهود يهوه كثيراً، وقالوا إن الجنة والنار تفنيان، وإن أهل الجنة والنار ينتهون إلى حال يبقون فيها جموداً ساكنين سكوناً دائماً) .

الرد:

صحيحٌ أن اللّه رحيم كل الرحمة، ولكن له قوانينه الخاصة التي تتفق مع عدالته المطلقة. والوحي مع إعلانه عن رحمة اللّه، يقرر مبدأ معاقبته للخطاة بسبب خطاياهم. فقد قال الرب إله رحيم ورؤوف، ولكنه لن يبرئ إبراءً (خروج 34: 6 و7) . وبما أن الخطاة لا يستطيعون مهما طالت مدة وجودهم في العذاب أن يقوموا بإيفاء مطالب عدالة اللّه (لأن هذه لا حد لها) فمن البديهي أن لا ينتهي عذابهم عند حد ما. وإذا كان الأمر كذلك، فإن الاعتقاد بفناء النفس بعد حين يتعارض مع عدالة اللّه وعدم محدودية حقوقها، وإنه في الواقع ليس سوى فكرة ابتدعها بعض الناس رغبة منهم في إزاحة شبح القصاص الأبدي عن خواطرهم. لكن أمام عدالة اللّه التي لا تجد حقوقها، لا بد أن تتبدد أفكارهم وتصوراتهم جميعاً.

 

10 – هل تعجز رحمة اللّه عن الصفح عن الخطاة وتقريبهم إليه؟

الرد:

تتَّسع رحمة اللّه لقبول كل الخطاة التائبين، لكن عدم توبتهم هي التي تجعلهم عاجزين عن التوافق معه. كما أنه بسبب كماله المطلق لا يأتي بهم إلى حضرته رغماً عنهم، لأنه لو فعل ذلك لما شعروا بسرور أو راحة في البقاء معه، ولسعوا للارتداد بكل قواهم عنه. فحرمان العصاة من التمتع باللّه، وتعرضهم للعذاب الأبدي تبعاً لذلك لا يرجع إلى قسوة اللّه عليهم، ولا إلى نقص رحمته نحوهم، بل إلى شرهم وعدم رغبتهم في التوافق معه. أما من جهته فهو يحبهم ويعطف عليهم ولا يريد أي أذى لهم. فقد قال إنه لا يسر بموت الشرير، بل بأن يرجع الشرير عن طريقه ويحيا (حزقيال 33: 11) . وإنه يريد أن جميع الناس يَخْلُصون وإلى معرفة الحق يُقْبِلون (1تيموثاوس 2: 4) .

 

11 – إذا كنا جميعاً خطاة بطبيعتنا وأعمالنا، وبناء على عدالة اللّه لا خلاص لنا من عقوبة خطايانا، فهل سمح اللّه بولادتنا في العالم الحاضر لنشقى إلى الأبد؟

الرد:

هذا هو اعتراض الإِنسان المتمرّد على الحق، والذي بدل أن يرى عيوبه ويلوم نفسه عليها يحاول أن يتنصَّل من تبعة خطاياه، لعله يفلت من عدالة اللّه. فأي عقل راجح يمكن أن يتصوّر أن اللّه سمح بولادة البشر ليَشْقوا إلى الأبد! ونحن نرى أن غاية الآباء المُخْلصين، رغم ما يوجد بهم من نقائص، هي أن يُسعِدوا أبناءهم ويبعثوا الفرح والسرور إلى نفوسهم. لذلك لا يمكن أن يكون اللّه قد سمح بولادتنا في العالم الحاضر لنشقى إلى الأبد، كما يقول أصحاب هذا الاعتراض. ولكننا نحن الذين في جهلنا نجلب الشقاء على ذواتنا بإساءتنا إلى اللّه، وإلى أنفسنا أيضاً. فلا يلومنّ أحد إلا نفسه.

ومع ذلك فقد استطاعت محبة اللّه ورحمته أن تشقّا لنا طريقاً كريماً يتفق مع قداسته وعدالته، لأجل خلاص الخطاة الراغبين بإخلاص في الرجوع إليه، وذلك بإنقاذهم من عقوبة خطاياهم وتهيئة نفوسهم للتوافق معه في صفاته الأخلاقية السامية (كما سيتضح بالتفصيل ابتداءً من الباب الثالث) . إنما نرى من الواجب قبل التحدث عن هذا الطريق الكريم، أن نستعرض أولاً (في الباب الثاني) الطرق التي يلجأ إليها معظم الناس ليحصلوا (حسب اعتقادهم) على الغفران والقبول لدى اللّه، لنرى إلى أي حدٍّ تُجدي وتُفيد.

 

الأعمال الصالحة والغفران

(1) بما أن الأعمال الصالحة واجبات ضرورية يجب القيام بها، فهي لا تعطينا أي حق في التعويض عن الخطايا التي ارتكبناها, وفي تعبير آخر لا يصح أن تكون وسيلة للصفح عن الذنوب السالفة, والمسيح أشار إلى هذه الحقيقة بقوله: مَتَى فَعَلْتُمْ كُلَّ مَا أُمِرْتُمْ بِهِ فَقُولُوا: إِنَّنَا عَبِيدٌ بَطَّالُونَ. لِأَنَّنَا إِنَّمَا عَمِلْنَا مَا كَانَ يَجِبُ عَلَيْنَا (لوقا 17: 10) وقد قال الرسول بولس: لَيْسَ مِنْ أَعْمَالٍ كَيْلَا يَفْتَخِرَ أَحَدٌ. لِأَنَّنَا نَحْنُ عَمَلُهُ، مَخْلُوقِينَ فِي المَسِيحِ يَسُوعَ لِأَعْمَالٍ صَالِحَةٍ، قَدْ سَبَقَ اللّهُ فَأَعَدَّهَا لِكَيْ نَسْلُكَ فِيهَا (أفسس 2: 9، 10)

 

 (2) بما أن المال الذي في حوزتنا، والصحة التي نتمتع بها هما من الله وله، ولسنا سوى وكلاء عليهما، فحين نجود بصدقة او نؤدي خدمة، لا نكون قد بذلنا شيئاً من عندنا، أو أسدينا معروفاً يستحق الجزاء,

هذه الحقيقة أعلنها داود بعد أن قدم مبالغ ضخمة من المال لأجل بناء الهيكل، إذ قال:

مَنْ أَنَا وَمَنْ هُوَ شَعْبِي حَتَّى نَسْتَطِيعُ أَنْ نَتَبَرَّعَ هكَذَا، لِأَنَّ مِنْكَ الجَمِيعَ وَمِنْ يَدِكَ أَعْطَيْنَاكَ,,, أَيُّهَا الرَّبُّ إِلهُنَا، كُلُّ هذِهِ الثَّرْوَةِ التِي هَيَّأْنَاهَا لِنَبْنِيَ لَكَ بَيْتاً لا ِسْمِ قُدْسِكَ إِنَّمَا هِيَ مِنْ يَدِكَ، وَلَكَ الكُلُّ

(1 أخبار 29: 14 و16)

 (3) إنَّ الأعمال الصالحة التي نقوم بها نحن الخطاة لا يمكن أن تمحو الإهانة التي ألحقناها بالله الذي لا حدَّ لقداسته وبره وحقه, لذلك فهي لا تستطيع أن تحصل لنا على أي صفح.

 

 (4) إنَّ الوجود في حضرة الله يقتضينا القداسة التي بدونها لن يرى أحد الرب, ولما كانت الأعمال الصالحة في حد ذاتها لا تستطيع أن تصيّرنا قديسين، لأن القداسة تعطى للمؤمن المولود من روح الله, هكذا قال المسيح:

إِنْ كَانَ أَحَدٌ لَا يُولَدُ مِنَ المَاءِ وَالرُّوحِ لَا يَقْدِرُ أَنْ يَدْخُلَ مَلَكُوتَ اللّهِ. اَلْمَوْلُودُ مِنَ الجَسَدِ جَسَدٌ هُوَ، وَالْمَوْلُودُ مِنَ الرُّوحِ هُوَ رُوحٌ (يوحنا 3: 5-6)

 

خلاصة ما تقدم

 

 1) يقوم خلاص الإنسان على الفداء، الذي ليس هو مجرد فلسفة نظرية، بل هو حقيقة عملية لا بد منها لرفع الخطية عن الإنسان الساقط كدَيْن وكفساد.

 

2) كلنا نسلّم بأن آدم سقط، وأن سقوطه لحق الجنس البشري بأكمله، لأن آدم كان نائباً عنه وممثله في الامتحان الإلهي, لهذا دبرت محبة الله أن ترفع الخطية عن الإنسان، الذي خلقه الله على صورته كشبهه بواسطة نائب عن الجنس البشري, وكان من الضروري أن يعّبر هذا النائب عن قدرة الله ومحبته الكاملة، لخلاص الجنس البشري, ومثل هذا التعبير الكامل لا يمكن أن يصدر إلا عن الله نفسه, والله في محبته الكاملة للبشر شاء في المسيح أن يشارك البشر في اللحم والدم، لكي ينوب عنهم نيابة كاملة، ليصبح كما قال الرسول آدم الثاني , وكما ناب آدم الأول عن الجنس البشري في السقوط، ناب عنه آدم الثاني في الكفارة والفداء, فصار القول إنه بخطية آدم الأول دخلت الخطية إلى العالم، وإنه بفداء آدم الثاني، رفعت الخطية عن العالم.

3) يتحتم على النائب، أن يدفع الثمن كاملاً لرفع الخطية عن العالم, وقد دفعه المسيح فعلاً بموته الكفاري على الصليب، حيث حمل في جسده خطايانا, والذي يؤكد لنا لزوم الكفارة على الصليب، هو أن الذبائح الدموية القديمة قدم الإنسان، كانت ترمز إلى يسوع حمل الله.

ومن خصائص ذبيحة المسيح إنها ليس فقط ترفع الخطية عن الإنسان،بل هي تشفيه من الخطية كمرض أدبي, لأن كل من يقبل يسوع المصلوب تتجدد حياته ويصير فيه كره للخطية, وخصوصاً لأن الصليب فتح عيني ذهنه ليرى فعل الخطية الرهيب وعقوبتها المخيفة, ولهذا قال الرسول: إِنْ سَلَكْنَا فِي النُّورِ كَمَا هُوَ فِي النُّورِ، فَلَنَا شَرِكَةٌ بَعْضِنَا مَعَ بَعْضٍ، وَدَمُ يَسُوعَ المَسِيحِ ابْنِهِ يُطَهِّرُنَا مِنْ كُلِّ خَطِيَّةٍ (1يوحنا 1: 7)

 

الصلاة

الصلاة ليست مجرد كلمات الحمد والتعظيم لله، أو توسلات للحصول علي الغفران، لكنها الارتقاء بنفوسنا عن كل ما يتعلق بالعالم حتى نلتقي بالله في أقداسه ونحن في حالة التوافق معه، أو قل هي الابتعاد عن كل ما يعطل عن الوجود في محضر الله. فالصلاة هي حالة قلب منكسر يقر بذنبه ويتوافق مع الله في الحكم علي الخطأ، لذلك فالصلاة ليست فرضاً نقوم به كما يقوم العبد بواجب نحو سيده، بل هي صلة متبادلة بيننا وبين الله نحتاجها في كل وقت. لذلك لم يحدد

ليس لنا مواعيد للصلاة لأنه:

· ليس هناك وقت أفضل من وقت عند الله .

· إنه على استعداد لسماعنا في كل وقت.

· حاجتنا ليست مرتبطة بأوقات خاصة.

· “مصلين بكل صلاة وطلبة كل وقت في الروح” (أفسس6: 18)

· “صلوا كل حين” (لوقا 18: 2)

· “صلوا بلا انقطاع” (1تس 5: 17)

* لذلك فالصلاة يجب أن تكون بالروح والحق- بعمل روح الله فينا .

· لا تكون منقولة عن أحد أو محفوظة، بل من إنشاء المصلي بتأثير الروح القدس في قلبه

· لا تتكرر عباراتها بقصد التكرار .

 

 في ضوء ذلك فالخاطئ فضلاً عن أنه أساء إلي الله وكسر شريعته قد أصبح في ذاته عاجزاً عن التوافق معه في صفاته الأدبية السامية، فالدنيء لا يتوافق مع النبيل، ولا البخيل مع الكريم، ولا النجس مع القدوس. لذلك فالخاطئ لا يستطيع أن يرفع صلاة حقيقية إلى الله، فإذا فعل، يكون مثل شخص رفع سماعة التليفون دون أن يتصل بأحد ويتكلم ما يشاء فلا سميع ولا مجيب!!

 

الصدقة وعلاقتها بالغفران

 إن المال الذي في أيدينا والصحة التي نتمتع بها في حياتنا ليست في الواقع ملكاً لنا بل هما من فضل الله علينا. ولقد أدرك داود هذا فقال: “لكن من أنا ومن هو شعبي حتى نستطيع أن ننتدب هكذا لأن منك الجميع، ومن يدك أعطيناك” (1أخبار 29: 14). وقال الرسول بطرس: “إن كان يخدم أحد فكأنه من قوة يمنحها الله” (1بطرس 4: 11).

 

 والصدقة في المفهوم المسيحي ليست عملاً اختيارياً يجوز عمله أو الامتناع عنه حتى يكون له فضل عند الله إذا ضحى بشيء، بل هو واجب يتحتم عليه القيام به وإلا أعتبر مذنباً. قال المسيح: “متى فعلتم كل ما أُمرتم به فقولوا: إننا عبيد بطالون، لأننا إنما عملنا ما كان يجب علينا” (لوقا 17: 10). وقال الرسول يعقوب: “من يعرف أن يعمل حسناً ولا يعمل فذلك خطية له” (يعقوب 4: 17).

 

عزيزي القارئ، إذا أجرم خادم في حق الملك ثم جاء بهدية ثمينة يقدمها له، فهل تستطيع الهدية وحدها أن تمحو الإهانة في حق الملك؟!!!! لو كانت الصدقة نافعة لكان الأغنياء هم أكثر الناس حصولاً على الغفران. فهل تعيد الصدقة إلى حق الله قدسيته؟ أو هل تؤهل الخاطئ للتوافق مع الله في قداسته وكماله؟!!!!!

 

الشفاعة وعلاقتها بالغفران

 1 – عجز الأنبياء عن الشفاعة أمام اللّه:

صحيح أن هؤلاء الأنبياء أفضل من غيرهم من الناس، لكنهم في ذواتهم خطاة مثلهم، إن لم يكن بالفعل، فبالقول والفكر كما ذكرنا في الباب الأول، لذلك فإنهم من تلقاء أنفسهم لا يتوافقون مع اللّه في صفاته السامية، كما يقعون من جهة استحقاقهم الذاتي تحت طائلة قصاصه الأبدي، فلا يستطيعون أن يتشفَّعوا لأجل خلاص أحدٍ من قصاص خطاياه أو تأهيله للوجود مع اللّه، لأنهم أنفسهم يحتاجون إلى هذا وذاك. والكتاب المقدس بإعلانه أن القديسين خطاة مثل باقي الناس (جامعة 7: 20) لا يقصد التشهير بهم، بل يعلن حقيقة أمرهم حتى لا يعتمد عليهم أحد في أمر الخلاص من الخطية ونتائجها.

 

 2 – عجز الملائكة عن الشفاعة لدى اللّه:

صحيح أن الملائكة كائنات سامية طاهرة في نظرنا، لكنهم ليسوا كذلك في نظر اللّه الكلي الكمال. فقد قال الوحي إنه ينسب للملائكة حماقة (أيوب 4: 18) . كما أنها كائنات محدودة، والكائنات المحدودة لا تستطيع أن تفي مطالب عدالة اللّه وقداسته غير المحدودة. فشفاعة الملائكة (إن كانت لهم شفاعة) لا تجلب لنا الغفران ولا تقرّبنا إلى اللّه، لأنه لا سبيل إلى ذلك إلا بعد إيفاء مطالب عدالته وقداسته.

 

نتائج كفاية كفارة الله في المسيح

أولاً – البركات الخارجية

البركات الخارجية هي البركات التي يمنحها الله للمؤمنين الحقيقيين، ويراهم حاصلين عليها أمامه بفضل كفاية كفارة المسيح، وذلك بغض النظر عن حالة نفوسهم الداخلية في أي وقت من الأوقات، وتتلخص هذه البركات فيما يلي:

 

(ا) الغفران

كان داود النبي يرنم قبل مجيء المسيح بألف سنة قائلاً طوبى للذي غُفر إثمه وسُترت خطيته! (مزمور 32: 1). وكان إرميا النبي يتساءل قبل مجيء المسيح بستمائة سنة: كيف يصفح الله عن الخطاة؟ (إرميا 5: 7) – ولكن الطوبى التي كان يترنم داود بها ويريد الحصول عليها، لم تتحقق إلا بكفاية كفارة المسيح. والطريقة التي يمكن أن يصفح بها الله عن الخطاة والتي تساءل إرميا عنها، لم تُستعلن إلا بكفاية هذه الكفارة. فقد قال الوحي على لسان الرسل فليكن معلوماً عندكم أيها الرجال الإخوة أنه بهذا (أي المسيح) يُنادى لكم بغفران الخطايا (أعمال 13: 38). وقال أيضاً حتى ينالوا (أي البشر) بالإيمان بالمسيح غفران الخطايا ونصيباً مع المقدسين (أعمال18: 26) وأيضاً كل من يؤمن به (بالمسيح) ينال باسمه غفران الخطايا (أعمال43: 10) وقال للذين آمنوا إيماناً حقيقياً قد غفرت لكم الخطايا من أجل اسمه (1يوحنا 2: 12).

والله عندما يصفح عن الخطايا لا يذكرها على الإطلاق، فتصبح كأنها لم تقترف بتاتاً. وقد كان داود النبي يشتاق إلى مثل هذا الصفح الكامل، ولذلك كان يخاطب الله قائلاً: لا تذكر خطايا صباي (مزمور 25: 7). لكن عدم ذكر الخطايا إطلاقاً لم يكن ليتحقق إلا بفضل كفاية كفارة المسيح لأنها وحدها هي التي وفت مطالب عدالة الله وقداسته، وعلى أساسها استطاع الله أن يقول للمؤمنين الحقيقيين أصفح عن آثامهم، ولا أذكر خطيتهم فيما بعد (إرميا 31: 31- 34).

 

(ب) التبرير

والتبرير لا يراد به فقط، خلاص المؤمنين الحقيقيين من وصمة الخطايا (التي كانت لاصقة بهم) مثل الغفران، بل يُراد به أيضاً صيرورتهم أبراراً أمام الله، أي كأشخاص لم يرتكبوا خطيئة على الإطلاق. وفي الوقت نفسه عملوا كل البر الذي يريده الله. ولا غرابة في ذلك، فكما أن المسيح بنيابته عنا حُسبت عليه خطايانا بكل شناعتها، كذلك بسبب هذه النيابة عينها يحسب لنا بره الذي يفوق كل بر في الوجود.

كان أيوب الصديق وداود النبي يبحثان قديماً عن هذا التبرير، فلم يجدا إليه سبيلاً. فتساءل الأول: كيف يتبرر الإنسان عند الله؟ (أيوب 35: 4). وخاطب الثاني المولى قائلاً: فإنه لن يتبرر قدامك حي (مزمور 134: 2). لكن التبرير الذي نظر هذان التقيان إليه كأمر لا يمكن الحصول عليه، تحقق بفضل كفاية كفارة المسيح. فقد قال الرسل بالوحي للمؤمنين الحقيقيين: متبررين مجاناً بنعمته بالفداء الذي بيسوع المسيح (رومية 3: 24- 2). وقالوا أيضاً: أما الآن فقد ظهر بر الله بالإيمان بيسوع المسيح إلى كل وعلى كل الذين يؤمنون(رومية 21: 3-2) وأن المسيح أسلم من أجل خطايانا، وأُقيم لأجل تبريرنا (رومية 4: 25). وأن به يتبرر كل من يؤمن (أعمال 13: 39).

هناك فرق بين البر الشرعي وبين البر العملي. فالأول هو ما يحسبه الله لنا بفضل كفاية كفارة المسيح عند الإيمان الحقيقي به، أما الثاني فهو الأعمال الصالحة الخالية من النقائص، التي نقوم بها نحن المؤمنين بفضل تأثير الله في نفوسنا. والبر الأول كامل كل الكمال وغير قابل للزيادة على الإطلاق بالنسبة إلى كل واحد منا، كما أنه هو الأساس الوحيد لقبولنا أمام الله (لأننا لا نستطيع بكل أعمالنا الصالحة أن نكفر عن خطيئة واحدة من خطايانا). أما البر الثاني فيختلف قدره من واحد إلى آخر منا، لأننا نحن الذين نعمله بأنفسنا. أما من جهة فائدته فإنه الأساس الذي عليه يعطينا الله ما يراه من مكافأة، بجانب التمتع بالقبول الأبدي أمامه على أساس كفاية كفارة المسيح.

 

(ج) التطهير

قبل مجيء المسيح بمئات السنين كان أيوب الصديق يقول عن نفسه، إنه لو اغتسل في الثلج ونظف يديه بالأشنان، فإنه يظل مذنباً (9: 30). وكان إرميا النبي يقول عن البشر إنهم حتى إذا اغتسلوا بالنطرون، فإن آثامهم لا تُمحى من أمام الله (2: 22). الأشنان كلمة معربة عن اليونانية، تُطلق على مادة تستعمل في التنظيف. أما النطرون فهو كربونات الصوديوم، ومنه يصنع الصابون الذي يستطيع تنظيف الملابس – والأشنان والنطرون مستعملان هنا بالمعنى المجازي، للدلالة على أن الخطيئة لا تستأصل بأية وسيلة من الوسائل البشرية.

وكان حزقيال النبي يقول عنهم إنهم لم يطهروا ولن يطهروا (24: 13). وكان داود النبي يصرخ لله قائلاً إغسلني كثيراً من إثمي ومن خطيتي طهرني (مزمور 51: 2) – لكن هذا التطهير الذي كانوا يتوقون إليه، ويرون الحصول عليه أمراً بعيد المنال، قد تحقق بفضل كفاية كفارة المسيح. فقد قال الرسول بالوحي عن المسيح إنه صنع بنفسه تطهيراً لخطايانا (عبرانيين3: 1) وأنه أحبنا وغسلنا من خطايانا بدمه (رؤيا 1: 5) الغسل هنا يُراد به المعنى المجازي. والمراد بالآية المذكورة أن كفارة المسيح تزيل كل أثر للخطيئة عن المؤمنين الحقيقيين، وإن دمه يطهر من كل خطية (1 يوحنا 1: 7). وإننا اغتسلنا بل تقدسنا بل تبررنا باسم الرب يسوع وروح إلهنا (1 كورنثوس 6: 11).

 

(د) الصلح والسلام مع الله

كان أيوب الصديق يبحث عن شخص خال من الخطيئة وفي الوقت نفسه قادر على إيفاء مطالب عدالة الله، حتى يستطيع أن يصالحه معه، لكنه لم يعثر على هذا الشخص إطلاقاً. ولذلك قال يائساً ليس بيننا مصالح يضع يده على كلينا، ليرفع عني عصاه ولايبغتني رعبه (أيوب 9: 33-34) وكان إرميا النبي يقول إنه ليس سلام للبشر (12: 12). وكان إشعياء النبي يطلب من الله أن يجعل له ولغيره سلاماً (26: 12). غير أن الصلح والسلام مع الله اللذين كان يتوق هؤلاء الأفاضل إليهما ويرون الحصول عليهما أمراً متعذراً، قد تحققا بفضل كفاية كفارة المسيح. فقد قال بولس الرسول بالوحي فإذ قد تبررنا بالإيمان، لنا سلام مع الله بربنا يسوع المسيح (رومية 5: 1 – 2). وقال أيضاً نفتخر.. بالله بربنا يسوع المسيح الذي نلنا به الآن المصالحة (رومية 5: 11). ولكن الكل من الله الذي صالحنا لنفسه بيسوع المسيح (2كورنثوس 5: 18 – 21). وأيضاً إن الله صالح الكل لنفسه بالمسيح، عاملاً الصلح بدم صليبه بواسطته (كولوسي 1: 20 – 22).

 

(ه) الخلاص من الدينونة الأبدية

كان أتقى الناس قديماً يخشون الموت، ويبكون بكاء مرّاً إذا عرفوا باقترابه منهم (2ملوك3: 20) لأنهم كانوا يخشون الوقوف أمام عدالة الله (مزمور 143: 2) ويفزعون من الوقائد الأبدية التي قضي بها (إشعياء 33: 14). لكن بفضل كفاية كفارة المسيح، أصبحنا لا نخشى الدينونة، بل ونثق كل الثقة أن لنا امتياز التمتع بالله في سمائه إلى الأبد. فقد قال المسيح إن من يؤمن به لا يدان أمام العدالة الإلهية (يوحنا 3: 18)، والذي يؤمن بالذي أرسله فله حياة أبدية، ولا يأتي إلى دينونة، بل قد انتقل من الموت إلى الحياة. وإن من يؤمن بالابن تكون له الحياة الأبدية، ويقيمه الابن في اليوم الأخير (يوحنا 6: 40). وقال بولس الرسول بالوحي عن الخلاص من هذه الدينونة حين ظهر لطف مخلصنا الله وإحسانه، لا بأعمال في بر عملناها نحن، بل بمقتضى رحمته خلصنا (تيطس 3: 5). وقال أيضاً لأنكم بالنعمة مخلصون بالإيمان، وذلك ليس منكم، هو عطية الله (أفسس 2: 8). وقال عن نفسه إن المسيح يسوع جاء إلى العالم ليخلص الخطاة الذين أولهم أنا (1 تيموثاوس 1: 12 – 15).

 

ثانياً – البركات الباطنية

عرفنا في الباب الثاني أننا لا نحتاج إلى غفران فحسب، بل ونحتاج أيضاً إلى حياة روحية تؤهلنا للتوافق مع الله في صفاته السامية، لأننا إذا حصلنا على الغفران دون هذه الحياة، ننجو من الدينونة الأبدية لكن نظل عاجزين عن التوافق مع الله، والعجز عن التوافق مع الله هو الشقاء بعينه. لذلك لم تقف نتائج كفارة المسيح عند حد منح البركات الخارجية السابق ذكرها، بل منحت أيضاً بركات باطنية تهيّء النفس للتوافق مع الله في صفاته المذكورة، وهذه البركات هي:

 

(ا) الولادة الروحية من الله

ولكي نعرف شيئاً عن ضرورة هذه الولادة وماهيتها وأهميتها، نتحدث عن النقاط الآتية.

1 – عجز الوسائل البشرية عن إصلاح النفس:

اتضح لنا في الباب الثاني عجز الأعمال الدينية (مثل الصوم والصلاة والتوبة الصادقة) عن قصاص الخطيئة عن الخطاة، وأيضاً عن تأهيلهم للتوافق مع الله في صفاته الأدبية السامية. وسنرى الآن أن محاولات رجال الإصلاح الإجتماعي في القضاء على الخطيئة قد باءت بالفشل كذلك:

قال فريق من هؤلاء الرجال أن الفقر والجهل والفراغ وثورة الشباب هي العوامل التي تقود إلى ارتكاب الخطيئة، لأنهم رأوا أن الفقير ينقاد إليها للحصول على لقمة العيش، والجاهل لعدم تقديره للعواقب، والعاطل لعدم استطاعته البقاء بلا عمل، والشباب لتهوره واندفاعه. ولذلك سعوا لتوفير المال اللازم للفقراء، والعلم للجهلاء، والعمل للعاطلين، والتهذيب للمراهقين. لكن هذه الوسائل (كما أثبت الإختبار) لا تجدي في التحول عن الخطيئة، لأن كثيرين من الأغنياء والمثقفين وأصحاب الأعمال والأشخاص الذين فاتوا دور الشباب، يرتكبون الكثير من الآثام والموبقات مثل غيرهم من الناس.

وقال فريق ثان إن العقاب البدني كفيل بتحويل الأشرار عن شرهم، ولذلك أمروا بمعاقبتهم إما بالسجن أو الجلد أو الأشغال الشاقة – لكن هذه الوسائل (كما أثبت الإختبار) لا تجدي أيضاً، إذ أنها تجعل الأشرار يعمدون إلى ابتكار طرق جديدة يخفون بها معالم جرائمهم، ومن ثم يتمادون في ارتكابها دون أن يكتشف أحد أمرهم. ولو فرضنا جدلاً أنهم أقلعوا عنها لسبب من الأسباب، فإن الميل إليها أو إلى بعضها قد يظل متأججاً في نفوسهم، ومن ثم يظلون أشراراً كما كانوا من قبل.

وقال فريق ثالث إن للدين سلطاناً عظيماً على الناس إذا نشأوا عليه منذ نعومة أظفارهم. ولذلك جعلوا تعليم الدين إجبارياً في المدارس، وأوصوا بتدريب الأطفال على حفظ الكثير من النصوص الدينية، لا سيما الخاصة منها بعظمة الله ووجوب الطاعة له – ولكن ألا يرتكب رجل الدين الذي نشأ منذ طفولته نشأة دينية بحتة نفس الخطايا التي يرتكبها غيره من الناس، وهكذا يفعل التربوي والأخصائي الإجتماعي، حتى إذا بلغ الستين تقريباً من عمره؟

 

2 – أسباب فشل الوسائل المذكورة في إصلاح النفس:

(ا) إن السبب في فشل هذه الوسائل في تحويل البشر عن الخطيئة، يرجع إلى أن الميل إليها ليس أمراً عرضياً فيهم بسبب ظروفهم أو حالة المجتمع الذي يعيشون فيه، حتى لو كان من الممكن إزالته بواسطة هذه الوسائل،بل إنه نابع من ذات طبيعتهم. وهذه الطبيعة لا تتغيّر على الإطلاق، مهما تطبَّع المرء بطباع جديدة، لأن الطبع (كما يقولون) يغلب التطبُّع. فالوحوش المفترسة (مثلاً) وإن كان قد أمكن تدريبها على القيام بالأعمال التي يتطلبها مروضوها، لكنها كثيراً ماتنقضّ عليهم وتفتك بهم. وهكذا الحال من جهة البشرية، فإنه من الممكن تهذيبها، وقد تهذَّبت فعلاً حسب الحال الظاهر وأصبح الإنسان المتحضر أفضل من إنسان الغابة كثيراً، لكن الطبيعة التي في كليهما هي طبيعة واحدة.

نعم إن الإنسان المتحضر يتسامى أحياناً فوق الخطيئة تحت تأثير عوامل دينية أو إجتماعية، ولكن تسامياً مثل هذا لا يكون في الواقع إلا تصرفاً صناعياً، لأنه ضد الطبيعة وميولها. أما التسامي الحقيقي فهو التسامي الطبيعي (ومثله مثل ارتفاع الأبخرة في الهواء، لأنها بطبيعتها أقل وزناً منه)، ولا يكون هذا التسامي طبيعياً. إلا إذا حصل المرء على طبيعة جديدة يكون السمو (وليس التسامي فقط) من شأنها. وهذه الطبيعة لا يتيسر للمرء الحصول عليها بمج%D

نشرت تحت تصنيف مقالات لاهوتيه, موضوعات كتابيه, دفاعيات, غير مصنف | التعليقات مغلقة

هل لقب "إبن الإنسان" ضد لاهوت المسيح؟

Posted by Akristus_Anstee على 8 يونيو 2011


إبن الإنسان

هل لقب “إبن الإنسان” ضد لاهوت المسيح؟

لماذا كان السيد المسيح يلقب نفسه بأبن الإنسان؟ هل في هذا عدم إعتراف منه بلا هوته؟و لماذا لم يقل إنه ابن الله؟

 

الرد:

السيد المسيح إستخدم لقب ابن الإنسان. ولكن كان يقول أيضاً إنه ابن الله

قال هذا عن نفسه في حديثه مع المولود أعمي، فاَمن به وسجد له (يو 9: 35 – 38).

وكان يلقب نفسه أحياناً [ الابن ] بأسلوب يدل علي لاهوته كقوله ” لكي يكرم الجميع الإبن، كما يكرمون الآب ” (يو 5: 21 – 23).

وقوله أيضا ” ليس أحد يعرف من هو الإبن إلا الآب. ولا من هو الآب إلا الابن، ومن أراد الابن أن يعلن له ” (لو 10: 22).

وقوله ايضاً عن نفسه ” إن حرركم الابن فبالحقيقة أنتم أحرار ” (يو 8: 36).

وقد قبل المسيح أن يدعي ابن الله، وجعل هذا أساساً للإيمان وطوب بطرس علي هذا الإعتراف.

قبل هذا الإعتراف من نثنائيل (يو 1: 49)، ومن مرثا (يو 11: 27)، ومن الذين رأوه ” ماشياً علي الماء ” (مت 14: 33). وطوب بطرس لما قال له ” أنت هو المسيح ابن الله “. وقال ” طوباك يا سمعان بن يونا. إن لحماً ودماً لم يعلن لك، لكن أبي الذي في السموات ” (مت 16: 16، 17).

 

وفي الإنجيل شهادات كثيرة عن أن المسيح ابن الله.

إنجيل مرقس يبدأ بعبارة “بدء إنجيل يسوع المسيح إبن الله ” (مر 1: 1). وكانت هذه هي بشارة الملاك للعذراء بقوله ” فلذلك القدوس المولود منك يدعي إبن الله ” (لو 1: 35). بل هذه كانت شهادة الآب وقت العماد (مت 3: 17)، وعلي جبل التجلي (مر 9: 7)، (2 بط 1: 17، 18). وقول الآب في قصة الكرامين الأردياء ” أرسل إبني الحبيب ” (لو 20: 13). وقوله أيضاً ” من مصر دعوت إبني ” (مت 2: 15). وكانت هذه هي كرازة بولس الرسول (أع 9: 20)، ويوحنا الرسول (1 يو 4: 15)، وباقي الرسل.

 

إذن لم يقتصر الأمر علي لقب ابن الإنسان.

بل إنه دعي ابن الله، والابن، والابن الوحيد. وقد شرحنا هذا بالتفصيل في السؤال عن الفرق بين بنوتنا لله،و بنوة المسيح لله. بقي أن نقول:

استخدم المسيح لقب ابن الإنسان في مناسبات تدل علي لاهوته.

 

1- فهو كابن الإنسان له سلطان أن يغفر الخطايا.

و هذا واضح من حديثه مع الكتبة في قصة شفائه للمفلوج، إذ قال لهم: ولكن لكي تعلموا أن لابن الإنسان سلطاناً علي الأرض أن يغفر الخطايا، حينئذ قال للمفلوج قم إحمل سريرك وإذهب إلي بيتك (مت 9: 2 – 6).

2- وهو كابن الإنسان يوجد في السماء والأرض معاً.

كما قال لنيقوديموس ” ليس أحد صعد إلي السماء، إلا الذي نزل من السماء، ابن الإنسان الذي هو في السماء ” (يو 3: 13). فقد أوضح أنه موجود في السماء، نفس الوقت الذي يكلم فيه نيقوديموس علي الأرض. وهذا دليل علي لاهوته.

3- قال إن ابن الإنسان هو رب السبت.

فلما لامه الفريسيون علي أن تلاميذه قطفوا السنابل في يوم السبت لما جاعوا، قائلين له ” هوذا تلاميذك يفعلون ما لا يحل فعله في السبوت ” شرح لهم الأمر وقال ط فإن ابن الإنسان هو رب السبت أيضاً ” (مت 12: 8). ورب السبت هو الله.

4- قال إن الملائكة يصعدون وينزلون علي ابن الإنسان.

لما تعجب نثنائيل من معرفة الرب للغيب في رؤيته تحت التينة وقال له ” يا معلم أنت ابن الله ” لم ينكر أنه ابن الله ن غنما قال له ” سوف تري أعظم من هذا.. من الآن ترون السماء مفتوحة، وملائكة الله يصعدون وينزلون علي ابن الإنسان ” (يو 1: 48 – 51). إذن تعبير ابن الإنسان هنا، لا يعني مجرد بشر عادي، بل له الكرامة الإلهية.

5- وقال إن ابن الإنسان يجلس عن يمين القوة ويأتي علي سحاب السماء.

فلما حوكم وقال له رئيس الكهنة ” استحلفك بالله الحي أن تقول لنا هل أنت المسيح ابن الله؟ أجابه ” أنت قلت. وأيضاً أقول لكم من الآن تبصرون ابن الإنسان جالساً عن يمين القوة واَتياً علي سحاب السماء ” (مت 26: 63 – 65). وفهم رئيس الكهنة قوة الكلمة، فمزق ثيابه، وقال قد جدف. ما حاجتنا بع إلي شهود! ونفس الشهادة تقريباً صدرت عن القديس اسطفانوس إذ قال في وقت استشهاده ” ها أنا أنظر السماء مفتوحة،و ابن الإنسان قائم عن يمين الله ” (اع 7: 56).

6- وقال إنه كابن الإنسان سيدين العالم.

والمعروف أن الله هو ” ديان الأرض كلها ” (تك 18: 25). وقد قال السيد المسيح عن مجيئه الثاني ” إن ابن الإنسان سوف يأتي في مجد أبيه، مع ملائكته وحينئذ يجازي كل واحد حسب عمله ” (مت 16: 27). ونلاحظ هنا في قوله ” مع ملائكته، نسب الملائكة إليه وهم ملائكة الله.

ونلاحظ في عبارة (مجد أبيه) معني لاهوتياً هو:

7- قال إنه هو ابن الله له مجد أبيه، فيما هو ابن الإنسان.

ابن الإنسان يأتي في مجد أبيه، اي في مجد الله أبيه. فهو إبن الإنسان، وهو إبن الله في نفس الوقت. وله مجد أبيه، نفس المجد.. ما أروع هذه العبارة تقال عنه كإبن الإنسان إذن هذا اللقب ليس إقلالاً للاهوته.

8- وقال إنه كابن الإنسان يدين العالم، يخاطب بعبارة (يا رب).

فقال: ومتي جاء ابن الإنسان في مجده، وجميع الملائكة القديسين معه، فحينئذ يجلس علي كرسي مجده، ويجتمع أمامه جميع الشعوب.. فيقيم الخراف عن يمينه،و الجداء عن يساره. فيقول للذين عن يمينه تعالوا يا مباركي أبي رثوا الملكوت المعد لكم..فيجيبه الأبرار قائلين: يا رب متي رأيناك جائعاً فأطعمناك..”(مت 25: 31 – 37). عبارة (يا رب) تدل علي لاهوته. وعبارة (أبي) تدل علي أنه ابن الله فيما هو ابن الإنسان. فيقول ” إسهروا لأنككم لا تعلمون في اية ساعة يأتي ربكم ” (مت 24: 42). فمن هو ربنا هذا؟ يقول ” إسهروا إذن لأنكم لا تعلمون اليوم ولا الساعة التي يأتي فيها ابن الإنسان ” (مت 25: 13). فيستخدم تعبير (ربكم) و(ابن الإنسان) بمعني واحد.

9- كابن الإنسان يدعو الملائكة ملائكته، والمختارين مختاريه، والملكوت ملكوته.

قال عن علامات نهاية الأزمنة ” حينئذ تظهر علامة ابن الإنسان في السماء. ويبصرون ابن الإنسان اَتياً علي سحاب السماء بقوة ومجد كثير. فيرسل ملائكته ببوق عظم الصوت، فيجمعون مختاريه..” (مت 24: 29 – 31). ويقول أيضاً ” هكذا يكون في إنقضاء هذا العالم: يرسل ابن الإنسان ملائكته فيجمعون من ملكوته جميع المعاثر وفاعلي الإثم، ويطرحونهم في أتون النار ” (مت 13: 40 –41). وواضح طبعاً إن الملائكة ملائكة الله (يو 1: 51)،و الملكوت ملكوت الله (مر 9: 1)، والمختارين هم مختارو الله.

10- ويقول عن الإيمان به كابن الإنسان، نفس العبارات التي قالها عن الإيمان به كإبن الله الوحيد.

قال ” وكما رفع موسي الحية في البرية، ينبغي أن يرفع ابن الإنسان، لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية. لأنه هكذا أحب الله العالم حتي بذل ابنه الوحيد، لكي لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية ” (يو 3: 14 – 16). هل ابن الإنسان العادي، يجب أن يؤمن الناس به،لتكون لهم الحياة الأبدية. أم هنا ما يقال عن ابن الإنسان هو ما يقال عن ابن الله الوحيد.

11- نبوءة دانيال عنه كابن للإنسان تحمل معني لاهوته.

إذ قال عنه ” وكنت أري رؤيا الليل، وإذا مع سحب السماء مثل ابن إنسان. أتي وجاء إلي قديم الأيام فقربوه قدامه. فأعطي سلطاناً ومجداً وملكوتاً. لتتعبد له كل الشعوب والأمم والألسنة. سلطانه سلطان ابدي ما لن يزول. وملكوته ما لن ينقرض ” (دا 7: 13،14). من هذا الذي تتعبد له كل الشعوب، والذي له سلطان أبدي وملكوته أبدي، سوي الله نفسه..؟!

12 – قال في سفر الرؤيا إنه الألف والياء، الأول والآخر…

قال يوحنا الرائي ” وفي وسط المنائر السبع شبه ابن الإنسان.. فوضع يده اليمني علي قائلاً لي: لا تخف أنا هو الأول والآخر، والحي وكنت ميتاً. وها أنا حي إلي أبد الآبدين اَمين ” (رؤ 1: 13 – 18).و قال في اَخر الرؤيا ” ها أنا اَتي سريعاً وأجرتي معي، لأجازي كل واحد كما يكون عمله. أنا الألف والياء. البداية والنهاية. الأول والآخر ” (رؤ 22: 12، 13). وكل هذه من ألقاب الله نفسه (أش 48: 12، أش 44: 6).

 

مادامت كل هذه الآيات تدل علي لاهوته.. إذن لماذا كان يدعو نفسه ابن الإنسان، ويركز علي هذه الصفة؟

دعا نفسه ابن الإنسان لأنه سينوب عن الإنسان في الفداء.

إنه لهذا الغرض قد جاء، يخلص العالم بأن يحمل خطايا البشرية، وقد أوضح غرضه هذا بقوله ” لأن ابن الإنسان قد جاء لكي يخلص ما قد هلك ” (مت 18: 11). حكم الموت صدر ضد الإنسان، فيجب أن يموت الإنسان. وقد جاء المسيح ليموت بصفته ابناً للإنسان، ابناً لهذا الإنسان بالذات المحكوم عليه بالموت.

 

لهذا نسب نفسه إلي الإنسان عموماً..

إنه ابن الإنسان، أو ابن البشر.و بهذه الصفة ينبغي أن يتألم ويصلب ويموت ليفدينا. ولهذا قال ” ابن انسان سوف يسلم لأيدي الناس، فيقتلونه، وفي اليوم الثالث يقوم ” (مت 17: 23، 24) (مت 26: 45).

وايضاً ” ابن الإنسان ينبغي أن يتألم كثيراً،و يرفض من الشيوخ ورؤساء الكهنة والكتبة، ويقتل وبعد ثلاثة ايام يقوم ” (مر 8: 31).

حقاً، إن رسالته كابن الإنسان كانت هي هذه.

ابن الإنسان قد جاء لكي يخلص ما قد هلك (مت 18: 11).

نشرت تحت تصنيف مقالات لاهوتيه, موضوعات كتابيه, مسيحيات, دفاعيات | Leave a Comment »

بدعة اللاطائفية

Posted by Akristus_Anstee على 1 يونيو 2011


بدعة اللاطائفية

بدعة الوحدة المسيحية

إنها طائفة جديدة تحمل خداعاً كبيراً جداً بدعوى ان الكل مسيحين وتحمل شعار الوحدة المسيحية لبث سمومها فى عقول البسطاء.

فبدعة اللاطائفية هي نوع من الثعالب الصغار التي يمكن أن تفسد الكرم.

 

خطورة اللاطائفية:

1- ترك العقائد الإيمانية الهامة جداً في إيماننا الارثوذكسي, مثل الإيمان بالفداء والثالوث, والمعمودية, والأسرار. ومعنى اللاطائفية هو ترك هذه العقائد, واهمال الحديث عنها, مثل من يقوم بالدعاية لأحد المنتجات بحيث نرى الاعلان عنها في كل مكان, ودون أن ندري نترك المنتج الآخر الذي أهملنا الحديث عنه. فالطفل الذي يذهب إلى مكان لا طائفي, لا يرى فيه شورية, ولا قربان, ولا أيقونة, ولاكاهن, كيف يرتبط بالارثوذكسية.

2- من بين خطورة اللاطائفية الاهمال في التراث المسلم لنا من الآباء القديسين, مثل تراث القديسين وتراث أقوال الآباء, وتفسيراتهم, وتراث الكنيسة بكل ما تحمله لنا من بركات, مثل الاستشهاد والحياة النسكية, وتاريخ الكنيسة وخصوصاً القرون الخمس الأولى. ولا شك أن اللاطائفية تنسي أولادنا التراث الذي تسلمناه.

3- الأرثوذكسية تزرع فينا الانتماء, بينما اللاطائفية تقود إلى عدم الانتماء الكنسي, حيث يصير الإنسان بلا هوية. لأن اللاطائفية معناها ذوبان الكل. فالكنيسة الارثوذكسية هي الكنيسة الأم, وهي الكنيسة الوطنية, بينما الارساليات الأجنبية حضرت إلى مصر في ظروف خاصة في القرن ال19. ومن الأمور المهمة أن ينتمي أولادنا إلى التراث القبطي الارثوذكسي. ولولا دماء الشهداء, ولولا جهاد مدرسة الاسكندرية من أجل الايمان ما كنا مسيحيين .

4- فكر اللاطائفية هو لخداع البسطاء من المسيحيين, بإدعاء أننا كلنا واحد في المسيح وأن هذه الجمعيات اللاطائفية مثل جمعية خلاص النفوس, تدعي أنها ترعى النفوس من جميع الطوائف بدلاً من هلاك هذه النفوس. كما أن خداع هذه النفوس يأتي أيضاً من نشر احصائيات مبالغ فيها عن أعداد غير حقيقية لا تمثل الواقع إرتدوا عن الايمان المسيحي, ولذا فإن الجمعيات اللاطائفية تقوم بالعمل الرعوي بدلاً من هلاك هذه النفوس.

5- من خطورة اللاطائفية, أنها تجعل الإنسان يعرج بين الفرقتين. لأن كثير من أبنائنا يحضرون إلى الكنيسة ويذهبون أيضاً إلى تلك الجمعيات اللاطائفية, أو الأماكن البروتستانتية لسماع عظة مشبعة. إن المبدأ الانجيلي واضح وهو أن الانسان لا يمكن أن يعرج بين الفرقتين. واللاطائفية نوع من التعريج بين الفرقتين. فالانسان يحضر غلى الكنيسة ويتعلم الصلاة بالأجبية والتشفع بالقديسين ثم يذهب إلى الجماعات البروتستانتية ويصلي بالطريقة الخمسينية!!

6- اللاطائفية تنسينا الاهتمام بالفكر اللاهوتي, فيدخل إلينا الكثير من الهرطقات التي تنسينا الايمان المسيحي. وما هو الحال لو دخلت الاطائفية في وقت آريوس؟ وهل يمكن أن يخلص الأريوسين أو شهود يهوه أو السبتين؟ وهل يمكن أن نقول كلنا واحد في المسيح ونرفض الحديث عن يسوع المسيح الفادي المخلص؟ ولو لم يوجد أثناسيوس لسادت الأريوسية!! وكيف لا نتحدث عن جهاد أثناسيوس ضد الأريوسية؟

7- اللاطائفية تعتمد على العواطف, والعواطف تتغير من وقت إلى آخر ومن مؤثر إلى مؤثر, بينما العقيدة لا تتغير في الوقت الذي تتغير فيه العواطف بتغير المكان والزمان والظروف. ولذلك يجب أن يبني السلوك على العقيدة التي لا تتغير.

8- اللاطائفية تدخل مسميات كثيرة بدعوى التمسك بحقوق الانسان والاساس هو منطق بشري وليس أساس لاهوتي, وذلك مثل موضوع كهنوت المرأة الذي يعتمد على حقوق الانسان وليس على أساس الفكر اللاهوتي حيث لم تكن العذراء لها كهنوت.

9- اللاطائفية تفتت المجتمعات المسيحية وتفقدها وحدة الايمان, ووحدة العقيدة, وتتجاهل الكثير من نصوص الكتاب المقدس (الخاصة بالتناول والمعمودية والأسرار). إن ربنا يسوع يتعامل بحزم وقوة مع من يرفض نصوص الكتاب (من لا يتناول من جسده ودمه فليس له حياة, ومن لا يعتمد من الماء والروح لا يدخل ملكوت السموات).

 

وإذا ما نحن أردنا أن ننقذ أولادنا من خداع اللاطائفية فنحن أمام محاور ثلاث:

1- العظة المؤثرة:

يجب إدخال عظة في كل قداس. وأن تكون العظة معدة إعداداً جيداً, وأن تكون مشبعة ومفيدة ومؤثرة. لأن كثير من أبنائنا يذهبون إلى الطوائف بدعوى سماع عظة مشبعة. ولذلك يجب أن تشمل العظة البعد اللاهوتي والبعد الروحي والبعد التأثيري خلال الاطار الارثوذكسي, ولنا مثال وقدوة في ذلك عظات قداسة البابا شنودة الثالث, أدام الله حياته.

 

2- الترنيمة المؤثرة:

الترانيم حلوة ومشبعة ومريحة للانسان, وتسد احتياجات الانسان, وتعبر عن المشاعر الداخلية. ولذلك يجب أن نعطي إهتماماً للترانيم المؤثرة في الاجتماعات الروحية, وفي المؤتمرات, وفي اللقاءات الروحية, وأن تكون الترنيمة أرثوذكسية, بمعنى أنها تحوي ما تؤمن به الأرثوذكسية.

 

3- الرعاية المؤثرة:

كثير من أبنائنا ترك الكنيسة بسبب ضعف الرعاية أو إنعدامها. ولذلك يجب أن تكون الرعاية مؤثرة في أبعادها الثلاث: الرعاية الروحية والرعاية الاجتماعية والرعاية المادية. أو في شمولها لكل أحد وفي كل الأعمار وفي كل مكان وكل شارع وكل حارة وكل قرية.

 

ولا شك أن الرعاية المؤثرة تبحث عن الخروف الضال وتسترده, وتهتم بكل أحد لتخلصه. ولذلك الحاجة ماسة إلى التركيز الرعوي الشديد جداً!!

 

وفي النهاية نقول أن البنيان الروحي والفضائل المسيحية لابد أن تبنى على أساس العقيدة, ومعروف أن الكنائس الارثوذكسية التي تأسست على اساس العقيدة هي الكنائس التي ثبتت ودامت بعكس الطوائف التي تحررت من العقيدة.

 

والكنيسة مملوءه بالطاقات والمواهب التي يجب أن نستغلها لنذهب ونكرز ونرعى ونخدم كل نفس في كل مكان. ولكن يجب تقديم الأسرار, والخدمات الكنسية, بطريقة تأثيرية في إطار الطابع الأرثوذكسي.

 

وهاهي وصية الانجيل لنا لمواجهة خطر اللاطائفية التي تجاهلت الكثير من نصوص الكتاب المقدس:

+أما أنت فاثبت على ما تعلمت وايقنت عارفاً ممن تعلمت (2تي14: 3) .

+يا تيموثاوس احفظ الوديعة معرضاً عن الكلام الباطل الدنس ومخالفات العلم الكاذب الاسم (1تي20: 6) .

+ لكن إن بشرناكم نحن أو ملاك من السماء بغير ما بشرناكم فليكن أنا ثيما (أي محروماً) (غل8: 1)

+ كل من تعدى ولم يثبت في تعليم المسيح فليس له الله. ومن يثبت في تعليم المسيح فهذا له الآب والابن جميعاً. إن كان أحد يأتيكم ولا يجئ بهذا التعليم فلا تقبلوه في البيت ولا تقولوا له سلام. (2يو9-10).

نشرت تحت تصنيف مسيحيات, دفاعيات, غير مصنف | Leave a Comment »

المناظرة الكبرى بين الشماس الارثوذكسي اخريستوس انيستي و الدكتور حنين عبد المسيح حول هل هناك عبادات وثنية في الكنيسة الارثوذكسية

Posted by Akristus_Anstee على 27 مايو 2011



                           

مناظرة الاستاذ اخرستوس مع المهرطق حنين عبد المسيح

 عن موضوع

هل توجد عبادات وثنية في الكنيسه الارثوزوكسيه

نشرت تحت تصنيف مقالات اخرستوس انستي, مناظرات, مناظرات اخرستوس انستي, محاضرات اخرستوس انستي, مسيحيات, دفاعيات | Leave a Comment »

قوة وعظمة الصليب

Posted by Akristus_Anstee على 27 مايو 2011


قوة وعظمة الصليب

الصليب ليس هو قطعه خشب او المعدن اللى بعلقه على صدرى
الصليب اعمق وله معانى روحيه وعقائديه

 

لما اقول بأسم الاب والابن والروح القدس الاله الواحد امين
بعترف بعقيدة التثليث والتوحيد
الابن نزل من السماء ونقلنا من الشمال الى اليمين
فى الصليب 3 عقائد
التثليث والتوحيد
التجسد
الفداء
ولمابرشم الصليب بعلن ايمانى فى المسيح
فى الصليب عقيدة اجرة الخطيه هى موت
فى الصليب عقيدة الكفاره
نحن اشترينا بثمن دم غالى ثمين اصبحنا ملكا للى اشترانا
فى الصليب محبة ربنا لينا
( هكذا احب الله العالم حتى حتى بل ابنه الوحيد لكى لايهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الابديه)
الصليب اهتم به السيد المسيح نفسه فى كرازته
الرسل اهتموا بالصليب عندما الملاك قال للنسوه
( انتم تطلبن يسوع المصلوب ليس هو ههنا لكنه قام)

 

فى الصليب خضوع الابن للاب اطاع الموت حتى الصليب
الصليب ازال اللعنه من على البشر
لولا الصليب والفداء ما كنا نحصل على كل الاسرار
بالصليب نقدس ماء المعموديه
بالصليب نرشم الخبز والخمر
الصليب فى سر المرضى
الصليب فى سر الزواج
الصليب قوه وحفظ لاولاد ربنا حينما يشعر الانسان انه خائف يعطيه الصليب قوه تحفظه
الصليب ترتعد وتخاف منه الشياطين
علامة الصليب ترعب الشياطين
بالصليب نكون اولاد ربنا
ماهو الصليب ؟
هوالالام التى تحملها ربنا
هل كلا منا يستطيع ان يحمل الام غيره؟؟؟
ممكن يكون صليبى اضهاد ممكن يكون عدم اخذ حقى نظير تمسكى بالفضيله
هل نقبل الصليب بشكر 
     هل استطيع ان احتمل الناس واعيش وانا بشكر ربنا على الالم 
                                         

نشرت تحت تصنيف مقالات لاهوتيه, موضوعات كتابيه, مسيحيات, دفاعيات, روحانيات | Leave a Comment »

إصطلاحات لاهوتية

Posted by Akristus_Anstee على 25 مايو 2011


إصطلاحات لاهوتية

أقنوم

الأقنوم كلمة سريانية الأصل، تشير فى مسماها إلى كائن حى قدير مستقل بذاته ينسب أفعاله إلى نفسه والأقنوم يتميز بالقدرة والمجد أى أن كل أقنوم يتميز بقدره وقوة معينه على عمل معين ولكنهم متساويين فى المجد، وألأقانيم تتساوى فى الجوهر

 

هوموؤوسيون = المساوى Homoousion

مساو للآب فى الجوهر ” كان قد أستخدم سابقاً لكى يعبر عن الإيمان الصحيح بالمسيح كونة ” إبن اإله الحقيقى ” إختير فى مجمع نيقية 325م ليكون محكاً دقيقاً لمدى إلتزام الأريوسيين بالآيات الإنجيلية الواضحة والصريحة التى توضح لاهوت المسيح

وكلمة ” الهومويسيون = الشبيه ” كلية

الأوسيا = الجوهر

 

الإصطلاحات التى إستعملت أثناء مناقشة البدعة الأوطيخية (الأوطاخية)

* أى أن الطبيعتين قد امتزجتا معاً فى طبيعة واحدة. ومن هنا جاءت تسميته مونوفيزيتس monofusithV لأن عبارة “مونى فيزيس” monh fusiV تعنى “طبيعة وحيدة” وليس “طبيعة واحدة” أى “ميا فيزيس” mia fusiV.

 

جوهر

إصطلاح هومو أوسيوس” أى “الواحد فى الجوهر مع.. أو المساوى فى الجوهر ل..”. وأرادوا أن يثبتوا بهذا الاصطلاح أن الابن مع الآب هما واحد. وأن هذا الجوهر هو كيان أساسى واحد.. وأضاف نفس الآباء بعد قانون الإيمان – بسبب المحرومين – نصاً قالوا فيه بأن الابن “ليس من هيبوستاسيس آخر” أى ” ليس من جوهر أخر”.. وهكذا فقد أغضب الاصطلاح الاول الأريوسيين المتشددين، أما الإصطلاح الثانى فقد أغضب الأريوسيين المعتدلين.. (أو أنصاف الأريوسيين Semi – arians) ويبدو أن القانون دبجه لاهوتى غربى من المحتمل أن يكون “هوسيوس” أسقف قرطبة.

 

هيبوستاسيس (إقنوم) Hypostasis

كلمة هيبوستاسيس” هى ترجمة للكلمة اللاتينية” Substantia” إلا أنه فى الغرب – نظراً لعجز اللغة اللاتينية حيث كانت كلمة Substantia تعنى كلاً من “أوسيا” Oucia أى الجوهر أو الكيان.

وكلمة “هيبوستاسيس” Hypostasis أى القوام أو الأقنوم.،كلمة “هيبوستاسيس Hypostasis” اليونانية تعنى القوام، أو الأساس – أو ما يقف عليه الشئ – “الدعامة” أو طبيعة الشئ، أو الشخص، أو أقنوم.

لذا أوضح أباء نيقية وحدة تشابه هذين الاصطلاحين لأنهم كانوا يخشون لوأنهم اعترفوا باثنين هيبوستاسيس (أى قوامين) – أن يتهموا بأنهم يقبلون الاعتراف بجوهرين أى يكونوا مثل الأريوسيي

يقول العلامة نيومان فى كتابه عن الأريوسية (Arians e. 5. s. 1) وكان هذا فى زمن متأخر فى عصر البابا أثناسيوس حوالى سنة 363م أن معنى كلمة هيبوستاسيس يمكن تلخيصها كالآتى (1):

أ – حقيقة ثابتة.

ب – جوهر كما جاء فى عب 1: 3.

ج – شخصية.

وفى حرومات مجمع نيقية وضع الحرم على اساس أن معنى هيبوستاسيس يفيد الجوهر

 

يقول نيومان روستكوت إن البابا اثناسيوس فى شرحه للكتاب المقدس كان يستخدم هذا المعنى، اى أن الهيوستاسيس = الجوهر هذا فى الواقع بخلاف ما درجت عليه الكنيسة القبطية وكل كنائس الشرق التى تؤكد ان أن الهيوستاسيس هو الشخص أو ” الموضوع” وهذا أدق فى المفهوم اللاهوتى من تعبير بروسوبون Prosopon وقد إستخدمها كل من أوريجانوس وديونوسيوس الإسكندرى وألكسندر الإسكندرى وأثناسيوس نفسه فى كتاباته الأولى حيث تفيد بمعنى ” وجود ذاتى محدد” فهى أفضل ما يعبر به عن الأقنوم.

 

مصطلحات خاصة بالثالوث

أولاً: مرحلة شيوع أستخدام المصطلحات

الإصطلاحات التى سادت فى الغرب Natura، Substantia ذكرهما ترتليانوس على أنهما يشيران إلى الجوهر الذى هو مشترك فى الثالوث القدوس، ثم أضاف عليهما أصطلاح إصطلاح essentia كمرادف لهما.

إصطلاحات سادت فى الغرب Natura ،  Substantia

ذكرهما ترتليانوس على أنهما يشيران إلى الجوهر الذى هو مشترك فى الثالوث القدوس، ثم أضاف عليهما أصطلاح إصطلاح essentia كمرادف لهما.

إصطلاحات سادت فى الشرق ousia، physis

هاذين الإصطلاحين سادا فى الشرق فى مقابل الاصطلاحات التى سادت فى الغرب.

قليل من الكتاب أستعمل إصطلاحى، physis، Natura، Substantia، ousia للدلالة على الأقانيم، أى فى نفس المعنى التى أستخدمت فيه فيما بعد كلمة hypostasis

 

ومن جهة أخرى أستعمل البعض الإصطلاحين hypostasis، ousia كإصطلاحين مترادفين

وقد أستعمل البابا أثناسيوس الرسولى فى رسالته إلى أساقفة أفريقيا الكلمتين hypostasis، ousiaفى معنى واحد

وقد لاحظ سقراط المؤرخ فى موضوع حرم آريوس فى المجمع المسكونى الأول بنيقية أن الكلمات التالية أستعملن فى معنى واحد: Substantia – hypostasis – ousia

 

ثانياً: مرحلة تخصيص وتحديد المصطلحات

فى فترة لاحقة تحدد المصطلح hypostasis وأصبح يعنى شخص prosopon – وكان هذا التحديد صعب على الغرب أن يتقبله، لأنه وحد المعنى بين hypostasis وال Substantia وال ousia

وفى القرن الخامس قام أوررينموس ال hypostasis فى معنى ال ousia ولم يجرؤ على أستعماله كمرادف للفظ prosopon

وبالنسبة للقديس كيرلس الأسكندرى، فقد أستخدم فى الحرم الثالث ال hypostasis فى ذاتت المعنى الذى تستخدم فيه كلمة physis

وأستقر الأمر فى التهاية حيث صار تمييز واضح لأستعمال hypostasis وSubstantia ” من ال Natura – physis وال ” ousia ” و- essentia

بحيث صار عدم الإعتراف بوحده ال ” ousia ” فى الثالوث، يعنى القثول به تعدد الآلهة، ويكون للآب والأبن والروح القدس طبيعة physis واحدة، فالله واحد فى الطبيعة physis أو الجوهر ” ousia ” ثلاثة فى أقانيم.

 

Prosopon

أستعملة سابيليوس ليشير به إلى نوع من التجلى للإله الواحد

 

omoousios

صادف هذا الأصطلاح فى البداية إعتراضات كثيرة، خاصة وأن بولس السمساطى الهرطوقى قد أستعمله وشوه به عقيدة التثليث، كما أن هذا الإصطلاح لم يرد فى الكتاب المقدس فظل فترة قبل أن يستعمل ولكن فى النهاية أستعمل فى قانون الإيمان ليشير إلى أن الإبن هو من الجوهر نفسه للآب (7)

 

شبه الجوهر omoiousios

قبل الأريوسيين هذا الأصطلاح لأنه يعنى معنى ثانى فهذه الكلمة يمكن ان تقال علينا نحن البشر، فالإنسان صورة ومجد الإله.. وقد أشار القديس البابا أثناسيوس الرسولى إلى تحفظات فى أستعمال هذا اللفظ، لأنه ” شبه الجوهر ” لا يعنى ” نفس الجوهر ” فالقصدير يشبه الفضة ولكنه ليس بفضة (8)

 

غبر مخلوق وغير مولود:

agenytor (غير مخلوق) – agennytos (غير مولود)

خلط الأريوسيين بين هاذين الإصطلاحين، ووصلوا بأن يقولوا أن الآب فقط هو غير مخلوق، أما الأبن فهو فى نظرهم مخلوق، وقد أعترض عليهم أثناسيوس الرسولى البابا مؤكداً أن الإبن غير مخلوق أيضاً، ولو كان الإبن مخلوق (كما يقول الأريوسيون) فلم يكن أزلياً مثل الآب فإنه لن يكون الصورة الحقيقية للآب

 

الطبيعة والذات والجوهر بمعنى واحد لأنها تطلق على ماهى الشئ أى حقيقته وذاته، فمثلاً إذا أعتبرنا وجود الإبن بالفعل نقول أنه ذات، وإذا أعتبرنا الذات قائمة بنفسها لا بغيرها قلنا أنها جوهر وإذا أعتبرنا هذا الجوهر أنه مفرد مخصوص لا عام قلنا أنه أقنوم، وإذا أعتبرناه مالكاً كان الكمالات الإلهية قلنا أن له الطبيعة الإلهية الكاملة.

 

إصطلاحات إستعملت أثناء مناقشة بدعة أوطاخي

أى أن الطبيعتين قد امتزجتا معاً فى طبيعة واحدة.

ومن هنا جاءت تسميته مونوفيزيتس monofusithV

لأن عبارة “مونى فيزيس” monh fusiV تعنى “طبيعة وحيدة” وليس “طبيعة واحدة” أى “ميا فيزيس” mia fusiV.

 

طقس الرسامة

كلمة طقس = كلمة معربة عن الكلمة اليونانية taxic ومعناها نظام وترتيب

نشرت تحت تصنيف مقالات لاهوتيه, موضوعات كتابيه, مسيحيات, روحانيات | Leave a Comment »

محاربة العقوبة ومتطلبات العدل الالهى

Posted by Akristus_Anstee على 25 مايو 2011


محاربة العقوبة ومتطلبات العدل الالهى

البابا شنوده الثالث

 

+ يقول أحدهم “الله لا يقتص من أحد، لا يقتل أحدًا“.

“إنما الإنسان يقتص من نفسه، يميت نفسه”.”نعم إن الله يخير الإنسان بين الحياة والموت. والإنسان بحريته قد اختار الموت. ولكنه دائمًا يعكس انفعالاته ومعاناته، ناسبًا إياها إلى الله نفسه كقاض مرعب..”

+ ولكن هذه العبارة تحمل العديد من المغالطات، على الرغم من أن الكاتب ينسبها إلى (لويس إفلى). صاحب الفكر مخطئ. وناشر الفكر الخطأ مخطئ بنشره للخطأ دون أن يرد عليه.

فالله قد عاقب كثيرين، منذ البداية فى سفر التكوين.

 

عاقب آدم وحواء والحية (تك ٣). وعاقب قايين (تك ٤). وعاقب العالم القديم ٧). وعاقب أهل سادوم بحرق المدينة (تك ١٩). وعاقب بناة برج بابل، بالطوفان (تك ٦(تك ١١) مع عقوبات كثيرة فى سفر التكوين، وفى أسفار أخرى.

 

ولكن مؤلف الكتاب الذى يقول إنه “أغنسطس فى الكنيسة القبطية الأرثوذكسية” يقول تعليقًا على هذه العقوبات الواردة فى سفر التكوين:

+”كاتب سفر التكوين ينسب إلى الله عقوبة الإنسان ومعاناته، كما لو كانت انتقامًا من الله لكرامته، من هذا المخلوق الذى أهانه! ولكن حاشا.

+عبارة “كاتب سفر التكوين” ومهاجمته بأنه ينسب إلى الله ما لم يفعل! يدل على عدم إيمان الكاتب بأن سفر التكوين موحى به من الله!! بينما يقول القديس بولس الرسول عن١٦). ويقول: الكتاب المقدس:

“كل الكتاب موحى به من الله، ونافع للتعليم..” (٢تى ٣ القديس بطرس الرسول عن الكتب الإلهية “لم تأتِ نبوة قط بمشيئة إنسان، بل تكلم أناس.(٢١: الله القديسون مسوقين من الروح القدس” (٢بط

 

فإن كان مؤلف الكتاب لا يؤمن بأن سفر التكوين موحى به من الله، لا يكون مسيحيًا، ولا حتى يهوديًا. ولا يكون (قارئًا) فى الكنيسة.وإن كان يؤمن بأن سفر التكوين موحى به من الله، إذن لا يستطيع أن يقول إن الله لم يعاقب أحدًا..

 

فالذين ماتوا بالطوفان، لم يميتوا أنفسهم، بل أماتهم الله.والذين احترقوا فى سادوم، لم يحرقوا أنفسهم، بل أحرقهم الله.والذين تبلبلت ألسنتهم فى بابل، لم يبلبلوا هم ألسنتهم، إنما عاقبهم الله بذلك على

كبريائهم.

 

أما إذا قال إن غرقى الطوفان وحرقى سادوم، تسببوا بتصرفاتهم فى موتهم. نقول. إن موتهم هو حكم من الله الذى حكم بأن “أجرة الخطية هى موت” (رو ٦: ٢٣)

والله هو الذى قال للإنسان فى سفر التثنية “أنظر قد جعلت اليوم قدامك الحياة والخير،.(١٩،١٥: والموت والشر.. فاختر الحياة لكى تحيا” (تث ٣٠

فإن كان الإنسان بحريته قد اختار الموت. فإنما أختار قصاص الله على الخطية بالموت فكيف يقال إذن إن الله لا يقتص من أحد، ولا يميت أحدًا؟!

 

+ يعود المؤلف فيقول: “إن نتيجة الخطية – أى العودة إلى العدم إلى التراب بالموت -كانت نتيجة طبيعية بحسب الناموس الكونى الذى وضعه الله إن “أجرة الخطية موت”.

ولكن ليس الله هو العشماوى منفذ الأحكام، بل الإنسان هو عشماوى نفسه، وهو يقتل نفسه بخطيئته”.

 

+ وهذا التهكم فى استعمال كلمة (عشماوى) لا يليق بالحديث عن الله. لأن الله بلا شك هو المنفذ للحكم، وإن كانت خطيئة الإنسان هى السبب. فالإنسان هو المتسبب،ولكن الله هو المنفذ.

 

أما عبارة يعود الإنسان إلى العدم، فهى معتقد شهود يهوه

 

فهل يؤمن المؤلف بمعتقد شهود يهوه هذا؟! أما قوله “يعود إلى العدم إلى التراب”فالتراب ليس عدمًا من جهة. ومن جهة أخرى: بعد هذا التراب تكون القيامة وحياة الدهرالآتى. وليس فى هذا عدم!ويعود المؤلف فيقول: “إن الله – الذى هو حب وعطاء كله – لا ينتج شرًا ولا موتًا”!!

 

+ إذن من بيده الموت؟

إن الحياة والموت بيد الله. هو يميت ويحيى.

“له مفاتيح الهاوية والموت” (رؤ ١٣٩). وهو الذى يصدر الحكم بالموت، كما قال “النفس التى تخطئ هى: وأحيى” (تث ٣٢: ٢٠). فهل حقًا إن الله لا يقتص من أحد؟! عندما أرسل ملاكه فضرب: تموت” (حز ١٨٢٣). هل لم يكن يقتص من أحد. وإن قلت: هيرودس فمات، لأنه لم يعط مجدًا لله (أع ١٢

هيرودس قد تسبب بكبريائه فى موت نفسه، فمعنى ذلك أنه عرض نفسه لحكم الله بالموت..

 

إن الموت هو حكم الله منذ آدم، إذ قال الرب له: يوم تأكل من الشجرة موتًا تموت”. (١٧: تك ٢)

إذن عقوبة الله وقصاصه كانا منذ البدء، منذ آدم.

 

+ يقول المؤلف “إن قصة الخطية الأصلية توضح أن آدم قد تعرى من النعمة بمجرد الأكل. وهذا هو الموت الروحى”.

+ وتعريته من النعمة ألم تكن عقابًا؟ أى أن نعمة الله قد فارقته..

ويزداد المؤلف تطورًا أو تورطًا فى رفض العقوبة الإلهية فيقول:

إن الله برئ من هذا الظلم الذى ينسب العقوبة إليه!!

 

+(عجيب هذا الأمر!! ألم يعاقب الله داود على وقوعه فى الزنا والقتل (٢صم ١٢: ٢٧)؟

ألم يعاقب الله موسى بعدم دخول أرض الموعد (تث ٣)  

ألم يعاقب شاول الملك، فقيل عنه “وفارق روح الرب شاول، وبغته روح ردئ من قبل الرب” (١صم ١٦ ٣٢)؟

ألم يعاقب قورح وداثان وابيرام، ففتحت الأرض فاها وابتلعتهم (عد )

ألم يعاقب الرب بنى إسرائيل على ضلالهم، ودفعهم إلى سبى بابل؟ (٢مل ٢١. (١٤ -١٢:

 

+ ويعّلق المؤلف على عقوبات العهد القديم بقوله:

 

“هكذا فهم كّتاب العهد القديم العدالة، كما فهمها التلاميذ حينما طلبوا من الله أن ينزل نارًا على من لم يقبلوه!!

 

+ وعبارة “كّتاب العهد القديم” تعنى عدم إيمانه بوحى الكتب المقدسة التى للعهد القديم..

عجيب أن هؤلاء الناس يفرضون فكرهم على الكتب المقدسة وينتقدون أسفار الكتاب التى لا توافقهم، وكأنها من صنع البشر!!

 

+ ويحاول المؤلف أن يتحدث عن محبة الله فى إزالة العقوبة، فيتمسك بقولنا فى القداس الغريغورى:

حولت لى العقوبة خلاصًا

 

+ ولكن هذه العبارة مع حديثها عن خلاص الله، إلا أنها تثبت فى نفس الوقت أنه كانت هناك عقوبة. وطبعًا هذه العقوبة كانت صادرة من الله. وأنها احتاجت إلى عمل الفداء.

ومع أن هذا الفداء ترمز إليه ذبائح العهد القديم، إلا أن المؤلف لم يفهم هذه الذبائح فى معناها الرمزى فيقول فى تهكم:

 

+ “أية مسرة أسألكم فى رؤية الذبح وإسالة الدماء التى تصعب رؤيتها إلا من إله سادٍ قاسٍ لا يسكت إلا إذا أنتقم من عدوه؟!”.

 

والشخص السادى هو الذى يتلذذ بالعنف. وهنا يسأل المؤلف “هل هذا هو الآب السماوى؟! حاشا، إن القراءة السريعة لذبائح اللاويين قد يفهم منها هذا الفهم الخاطئ…”

 

+ عجبًا. هل المؤلف لا يعتبرها سادية وقسوة أن يأكل هو لحمًا بإسالة دماء هذه الحيوانات. بينما يعتبر السادية والقسوة إن كانت تلك الدماء ترمز إلى دم المسيح فى فدائه للبشرية.

 

يعوزنى أن أشرح له هذا المعنى، حتى لا يعتبر الله ساديًا يتلذذ بإسالة الدماء…والعجيب أن المؤلف يعتمد على كتابات الملحدين الذين تأثر بهم! ويقدم تلك الكتابات لإثبات فكره ضد العقوبة.

 

+ فيقول إن الإلحاد المعاصر نادى بحرية الإنسان وكرامته فى مواجهة إله سادى صوره المسيحيون – ولو عن غير قصد – كما لو كان يريد القصاص لكرامته دائمًا.. أو إرغام الإنسان على حبه قسرًا إن أراد الحياة. لذلك نادى نيتشه الفيلسوف الملحد بأن الله قد مات ليتحرر الإنسان.ويكرر وصف الله بالسادية. ويتمثل “بما دعاه مونييه بالسادية اللاهوتية وقد وصفها بأنها إذلال الوضع البشرى”!

 

العدل والتأديب:

إن عدل الله يقتضى بأنه لا يساوى بين البرئ والمذنب. ويقتضى أن يثاب البرئ ويعاقب المذنب. وقيل عنه فى المجئ الثانى: “يجازى كل واحد حسب أعماله” (مت ١٦: ٢٧)

 

وقيل “الذى يحبه الرب يؤدبه.. فأى ابن لا يؤدبه أبوه؟! ولكن إن كنتم بلا تأديب..

٨). وقد عاقب الرب عالى الكاهن لأنه لم يؤدب أبناءه -٦: فأنتم نغول لا بنون” (عب ١٢. (١صم ٣)

وإن لم توجد العقوبة، يقاد الناس إلى الاستهتار. وإن لم يتصف الله بالعدل، يكون هذا نقصًا فيه، حاشا! والذى يحيا بالبر، لا يخاف من عدل الله، بل يسر به.

 

أخيرًا: لم اذكر اسم من نشر الأخطاء السابقة وغيرها، لأعطيه فرصة للتوبة. ومن له أذنان للسمع فليسمع

نشرت تحت تصنيف مقالات لاهوتيه, موضوعات كتابيه, مسيحيات, دفاعيات, روحانيات | Leave a Comment »

لماذا لا يغفر الله لنا بدون الصليب؟

Posted by Akristus_Anstee على 25 مايو 2011


لماذا لا يغفر الله لنا بدون الصليب؟

 

البعض يقولون لماذا لا يغفر الله الخطية بناءً على طلب الإنسان بدون آلام الصليب ومعاناته. ونحن نجيبهم: أن الله إذا غفر بدون قصاص كامل للخطية يكون كمن يتساوى عنده الخير والشر. وإذا كان الغفران هو علامة لرحمته فأين قداسته الكاملة كرافض للشر إن لم تأخذ الخطية قصاصاً عادلاً؟

 

نحن نفهم أن الله يقول أنا أغفر لكم. لكنى أغفر لمن يدرك قيمة الغفران أن ثمنه غالى جداً؛ ولمن يقبل نعمة الشفاء من الخطية بفعل التجديد والتطهير الذى يعمله الروح القدس.

 

ما الفائدة أن مريضاً يطلب من الطبيب أن يسامحه على مرضه دون أن يطلب منه الشفاء؟!! الأجدر بالمريض أن يطلب من الطبيب أن يشفيه بكل الأدوية الضرورية. وهكذا لا يكفى طلب المغفرة من الله بدون وجود سبب للمغفرة، بل يلزم طلب المغفرة على حساب دم المسيح وطلب الشفاء وقبول تعاطى الدواء الذى يمنحه الطبيب السماوى وهو تجديد الطبيعة بالمعمودية وممارسة الأسرار المقدسة. والكتاب يقول عن شفاء مرض لذة الخطية التى دفع ثمنها السيد المسيح “الذى بجلدته شفيتم” (1بط2: 24).

 

وقيل أيضاً أنه “مجروح لأجل معاصينا مسحوق لأجل آثامنا تأديب سلامنا عليه وبحبره شفينا. كلنا كغنم ضللنا مِلنا كل واحد إلى طريقه والرب وضع عليه إثم جميعنا” (أش53: 5،6).

 

الإنسان يشعر أن ثمن خلاصه مدفوع، وأن السيد المسيح اشتراه بدمه. فلم يعد ملكاً لنفسه. وأنه قد دُفن مع المسيح وصُلب معه فى المعمودية. فحينما تأتى الخطية وتقول له خذ نصيبك من المتعة، يقول لها أين هو نصيبى من لذة الخطية؟! هل الميت له نصيب فى ذلك؟!! لهذا يقول القديس بولس الرسول “احسبوا أنفسكم أمواتاً عن الخطية ولكن أحياءً لله بالمسيح يسوع ربنا” (رو6: 11). فالإنسان يرى أن خطيته قد دُفع ثمنها لكى ينال الغفران.

 

يأتيه الشيطان ويقول له إرتكب الخطية مرة أخرى. فيجيبه: كيف ذلك؟!! هذه الخطية ثمنها غالى.. الغفران مدفوع الثمن بالكامل. لأن “أجرة الخطية هى موت” (رو6: 23).

 

فالموت الذى أستحقه أنا، المسيح مخلصى دفع ثمنه بالكامل. الإنسان يخجل من نفسه كلما ينظر إلى الصليب ويشعر بالخزى، يحتقر نفسه.. يكره نفسه.. يكره النفس التى تطالب بالخطية وبلذتها.. يبكت نفسه ويقول فى مقابل هذه اللذة الرخيصة العابرة قد جُلد المسيح الذى أحبنى بالسياط وسمر بالمسامير. إذاً فكل لذة محرَّمة يقبلها الإنسان قد دفع ثمنها السيد المسيح بالجلدات الحارقة فى جسده المبارك تلك التى احتملها فى صبر عجيب وهو برئ.

 

فإذا تجاهلنا العدل الإلهى.. فما الداعى للصليب أصلاً؟.. ما لزومه؟ هل الصليب مجرد تمثلية لكى يظهر لنا السيد المسيح محبته فقط؟!! ثم ما معنى كلمة “الفداء”؟ حينما يقول “ليبذل (المسيح) نفسه فدية عن كثيرين” (مت20: 28) أو “الذى بذل نفسه فدية” (1تى2: 6). هل أصبحت كلمة الفداء كلمة ليس لها معنى؟

 

والعجيب أن البعض يرفضون أن يقدم الفادى نفسه فى موضع الخاطئ. أى يضع نفسه فى مكان الخاطئ بينما الكتاب واضح إذ يقول أشعياء النبى”والرب وضع عليه إثم جميعنا” (أش53: 6) وقال يوحنا المعمدان “هوذا حمل الله الذى يرفع خطية العالم” (يو1: 29). ويقول أيضاً أشعياء النبى “جعل نفسه ذبيحة إثم” (أش53: 10). وفى رسالته الأولى يقول معلمنا بطرس الرسول “عالمين أنكم أفتديتم لا بأشياء تفنى… بل بدم كريم كما من حمل بلا عيب” (1بط1: 18-19) ويقول معلمنا بولس الرسول إن “المسيح إفتدانا من لعنة الناموس إذ صار لعنة لأجلنا” (غل3: 13). ويقول “قد أشتريتم بثمن فمجدوا الله فى أجسادكم وفى أرواحكم التى هى لله” (1كو6: 20). ويقول “إذ محا الصك الذى علينا فى الفرائض الذى كان ضداً لنا وقد رفعه من الوسط مسمراً إياه بالصليب” (كو2: 14).

 

ماذا يعنى تمزيق صك الدين الذى كان علينا؟ إلا إيفاء الدين تماماً بالصليب. فلماذا نحسب الدين إهانة للمخلص المحبوب؟

 

بولس الرسول يقول فى جسارة “لأنه جعل الذى لم يعرف خطية خطية لأجلنا لنصير نحن بر الله فيه”.

 

القديس مار أفرام السريانى يقول [السبح للغنى الذى دفع عنا ما لم يقترضه وكتب على نفسه صكاً وصار مديناً] (الترنيمة الثانية عن الميلاد).

 

القديس أمبروسيوس يقول [ بالجسد علّق على الصليب ولأجل هذا صار لعنة. ذاك الذى حمل لعنتنا] (شرح الإيمان المسيحى – الكتاب الثانى- الفصل 11).

 

والقديس أثناسيوس يقول [ ولأن كلمة الله هو فوق الكل فقد لاق به بطبيعة الحال أن يوفى الدين بموته وذلك بتقديم هيكله وآنيته البشرية لأجل حياة الجميع. ] (تجسد الكلمة فصل 9 الفقرة 2).

 

مسألة إهانة كرامة الله:

الذين يرفضون عقيدة الكفارة يقولون: “إن شر

الإنسان لا يمكن أن يجرح كرامة الله، ولا يهينه. إذ كيف

 

للإنسان أن يمس كرامة الله، حتى لو فعل الإنسان كل ما فى وسعه من شر!!؟” ونحن نجيب عليهم بأن خطية الإنسان لن تمس كرامة الله طالما يعلن الله غضبه ضد الخطية. أما إذا لم يعلن غضبه كقدوس ففى هذه الحالة –وهذا مستحيل- تكون كرامته قد أهينت إذ لم تعلن قداسته المطلقة كرافض للشر. ولهذا فنحن نرى العدل والرحمة يتلاقيان بالصليب وبهذا أعلنت قداسة الله العادل ومحبته فى آنٍ واحد.

 

وقد أوضح القديس أثناسيوس أن العدل الإلهى قد استوفى بآلام وموت الصليب فقال [ لهذا كان أمام كلمة الله مرة أخرى أن يأتى بالفاسد إلى عدم فساد، وفى نفس الوقت أن يوفى مطلب الآب العادل المطالب به الجميع وحيث أنه هو كلمة الآب ويفوق الكل، فكان هو وحده الذى يليق بطبيعته أن يجدد خلقة كل شئ وأن يتحمل الآلام عوضاً عن الجميع وأن يكون نائباً عن الجميع لدى الآب ] (تجسد الكلمة فصل 7 فقرة 5).

 

الموت النيابى:

ينادى البعض فى زماننا الحاضر بأن السيد المسيح لم يمت عنا بل مات لأجلنا. بمعنى أنه لم يمت على الصليب بدلاً عنا بل مات بنا وبهذا نكون قد متنا معه!!!

 

ويقولون إنه من الخطأ القول بأنه تألم عنا أو صلب عنا أو مات عنا… وهكذا وقد نسى هؤلاء أن الكنيسة كلها تردد فى قانون الإيمان فى جميع صلواتها الليتورجية عن السيد المسيح أنه [نزل من السماء وتجسد من الروح القدس ومن مريم العذراء تأنس وصلب عنا على عهد بيلاطس البنطى] فمن الواضح أننا نعترف بأنه صلب عنا…

 

وأن السيد المسيح نفسه قال إن “إبن الإنسان لم يأت ليُخدم بل ليخدم وليبذل نفسه فدية عن كثيرين”. (مت20: 28).

 

وما معنى الفدية إن لم تكن عوضاً عمن إفتداهم؟!!

لو كنا قد متنا مع المسيح يوم صلبه فى يوم الفداء، فما هو لزوم الفداء؟‍ إننا فى هذه الحالة نكون قد دفعنا ثمن الخلاص بأنفسنا فى يوم الصليب.

 

نحن صلبنا مع السيد المسيح ودفنا معه يوم قبولنا لسر العماد المقدس كقول معلمنا بولس “أم تجهلون أننا كل من إعتمد ليسوع المسيح إعتمدنا لموته. فدفنا معه بالمعمودية للموت حتى كما أقيم المسيح من الأموات بمجد الآب هكذا نسلك نحن أيضاً فى جدة الحياة” (رو6: 3،4).

 

إن الروح القدس بعمل فائق للطبيعة وفوق الزمان والمكان يعمل فى سر العماد ويأخذ من إستحقاقات موت المسيح ويعطينا.. يمنحنا الغفران بإستحقاقات دم صليبه ويمنحنا الطبيعة الجديدة التى تليق بحياة البنوة لله ويجعلنا أعضاء فى “جسده الذى هو الكنيسة” (كو1: 24). النعمة الإلهية لا حدود لها أما نحن فمحدودين.

 

نحن لم نكن موجودين قبل أن نوجد لكى نشارك المسيح تقديم نفسه فدية عن حياة العالم. وكيف نكون موجودين من ألفى عام؟ هل نأخذ حالة عدم المحدودية لكياننا البشرى المحدود بالزمان والمكان؟!!

 

نحن كنا فى صُلب آدم حينما أخطأ فى الفردوس لأننا من نسله بحسب طبيعتنا البشرية. ولكننا لسنا من نسل السيد المسيح بحسب طبيعتنا البشرية، لأن السيد المسيح لم ينجب نسلاً جسدياً مثل آدم، بل الروح القدس يجدد هذه الطبيعة فى المعمودية ويمنحنا التبنى بالولادة الجديدة من الماء والروح لأن “المولود من الجسد جسد هو والمولود من الروح هو روح” (يو3: 6). نحن نصير أولاداً لله فى المعمودية وننتقل من الانتساب إلى آدم إلى الانتساب إلى السيد المسيح طالما نكون ثابتين فيه ونحيا فى حياة القداسة والبر وبهذا نصير أعضاءً فى جسده أى الكنيسة التى هو رأسها.

 

إن السيد المسيح قد إشترك فى طبيعتنا بلا خطية لكى يصير قادراً أن يموت نيابة عن جميع الذين إفتداهم حينما حمل خطاياهم مسمراً إياها بالصليب.

 

عن هذا قال القديس أثناسيوس الرسولى فى كتاب تجسد الكلمة الفصل الثامن [وهكذا إذ أخذ من أجسادنا جسداً مماثلاً لطبيعتنا، وإذ كان الجميع تحت قصاص فساد الموت، فقد بذل جسده للموت عوضاً عن الجميع، وقدمه للآب. كل هذا فعله شفقة منه علينا، وذلك: أولاً لكى يَبطل الناموس الذى كان يقضى بهلاك البشر، إذ مات الكل فيه، لأن سلطانه قد أكمل فى جسد الرب ولا يعود ينشب أظفاره فى البشر الذين ناب عنهم. ثانياً: لكى يعيد البشر إلى عدم الفساد بعد أن عادوا إلى الفساد، ويحييهم من الموت بجسده وبنعمة القيامة، وينقذهم من الموت كإنقاذ القش من النار] .

 

وأيضاً فى الفصل التاسع [وإذ رأى الكلمة أن فساد البشرية لا يمكن أن يبطل إلا بالموت كشرط لازم، وأنه مستحيل أن يتحمل الكلمة الموت لأنه غير مائت ولأنه إبن الآب، لهذا أخذ لنفسه جسداً قابلاً للموت حتى بإتحاده بالكلمة، الذى هو فوق الكل، يكون جديراً أن يموت نيابة عن الكل، وحتى يبقى فى عدم فساد بسبب الكلمة الذى أتى ليحل فيه وحتى يتحرر الجميع من الفساد، فيما بعد، بنعمة القيامة من الأموات. وإذ قدم للموت ذلك الجسد، الذى أخذه لنفسه، كمحرقة وذبيحة خالية من كل شائبة فقد رفع حكم الموت فوراً عن جميع من ناب عنهم، إذ قدم عوضاً عنهم جسداً مماثلاً لأجسادهم ].

 

إن السيد المسيح قد ناب عن البشر الخطاة وصُلب بدلاً عنهم وأوفى الدين الذى علينا. لم يكن معه أحد على الصليب يوم صُلب لأنه هو المخلص الوحيد الذى ليس بأحد غيره الخلاص وهو الوحيد الذى بلا خطية والوحيد الذى يستطيع أن يحمل خطايا العالم كله ويكون فدية مقبولة أمام الآب السماوى لسبب بره الكامل وذبيحته الفائقة فى قيمتها فى نظر الله الآب لأنها ذبيحة الإبن الوحيد “لأنه هكذا أحب الله العالم حتى بذل إبنه الوحيد لكى لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية” (يو3: 16).

 

إن كان هناك أحد قد صلب مع المسيح فى يوم الفداء على الجلجثة فلماذا دار الحوار التالى بين إشعياء النبى والسيد المسيح بروح النبوة؟: “من ذا الآتى من أدوم بثياب حمر من بصرة هذا البهى بملابسه المتعظم بكثرة قوته؟ أنا المتكلم بالبر العظيم للخلاص. ما بال لباسك محمر وثيابك كدائس المعصرة؟ قد دست المعصرة وحدى ومن الشعوب لم يكن معى أحد. فدستهم بغضبى ووطئتهم بغيظى فرش عصيرهم على ثيابى فلطخت كل ملابسى” (أش63: 1-3).

 

أليس هذا هو المخلّص المسيح الذى رآه يوحنا فى رؤياه راكباً فرس أبيض “وهو متسربل بثوب مغموس بدم ويدعى إسمه كلمة الله… وهو يدوس معصرة خمر سخط وغضب الله… رب الأرباب” (رؤ19: 13-16)؟

 

لو كان أحد قد شارك المسيح فى يوم صلبه فلماذا قال “من الشعوب لم يكن معى أحد”؟!!! ولماذا قال لتلاميذه “تأتى ساعة وقد أتت الآن تتفرقون فيها كل واحد إلى خاصته وتتركونى وحدى. وأنا لست وحدى لأن الآب معى؟!!” (يو16: 32) لو كان هناك من رعيته من صلب معه فلماذا قال لمن أرادوا أن يقبضوا عليه “إن كنتم تطلبوننى فدعوا هؤلاء يذهبون” (يو18: . ولماذا قال “أنا أضع نفسى عن الخراف” (يو10: 15). ولماذا تنبأ قيافا وقال “أنتم لستم تعرفون شيئاً ولا تفكرون أنه خير لنا أن يموت إنسان واحد عن الشعب ولا تهلك الأمة كلها. ولم يقل هذا من نفسه” (يو11: 49-51). كيف يتجاسر أحد أن يقول أنه قد شارك المسيح فى صلبه يوم الجلجثة وفى تقديم ذبيحة الفداء بينما النبى أشعياء يقول “كلنا كغنم ضللنا مِلنا كل واحد إلى طريقه والرب وضع عليه إثم جميعنا” (أش53: 6).

 

حتى اللص اليمين الذى صُلب إلى جوار السيد المسيح ومات على الصليب لا يستطيع أن يقول أن المسيح لم يمت بدلاً عنه. لأن موت اللص اليمين عل الصليب كان عقوبة أرضية على جرائمه التى إرتكبها فى حياته على الأرض. ولم يكن هذا ليعفيه من القصاص الأبدى على الإطلاق.. لولا أن المسيح مات بدلاً عنه على الصليب لما أمكن أن ينجو من الموت والهلاك الأبدى. وبواسطة ذبيحة الصليب الكفارية أمكن أن يفتح له باب الفردوس بناءً على توبته وبناءً على طلبته. اللص اليسار هو أيضاً مات ولكنه وهلك لأنه لم ينتفع من موت المسيح عوضاً عنه على الصليب.

 

لا وجه للمقارنة على الإطلاق بين صليب المسيح وصليب اللص، لأنه على صليب المسيح كانت الذبيحة الوحيدة المقبولة أمام الله الآب، والتى تفى بكل ديون الخطاة، وتوفى العدل الإلهى تمام الإيفاء.

 

لذلك وردت النصوص التالية عن ذبيحة المسيح على فم أشعياء النبى:

 

“أما الرب فسُرّ بأن يسحقه بالحزن إن جعل نفسه ذبيحة إثم” (أش53: 10).

“عبدى البار بمعرفته يبرر كثيرين وآثامهم هو يحملها” (أش53: 11).

“هو حمل خطية كثيرين وشفع فى المذنبين” (أش53: 12).

 

والسؤال الخطير الآن هو ما يلى:

إذا كنا قد صلبنا مع المسيح فى يوم الصليب بحيث لم

يصلب عنا بل صُلب بنا كما يقول البعض فهل نصلب معه مرة ثانية فى المعمودية أم لا؟!!

وهل يجوز أن يتكرر الصليب بالنسبة له، أو بالنسبة لنا؟!!

 

وما فائدة أسرار الكنيسة والمعمودية؟ وما فائدة عمل الروح القدس فى الكنيسة؟!!

 

نحن ننال شركة الموت مع المسيح فى المعمودية، ولهذا قال القديس بولس الرسول فى حديثه عن المعمودية: “إن كنا قد صرنا متحدين معه بشبه موته نصير أيضاً بقيامته” (رو6: 5).

 

ونحن فى قوله “صرنا متحدين معه” يدل على أن هذا شئ قد حدث فى وقت العماد ولم يكن حادثاً من قبل. وإلا فما معنى الصيرورة هنا (من كلمة صرنا).

 

إننا نحذّر من هذا التعليم الغريب والخطير الذى يهدم عقيدة الفداء فينبغى أن نثبت على تعليم الآباء القديسين القدامى وتعليم قداسة البابا شنودة الثالث أطال الرب حياته الذى أكد مراراً ضرورة التمسك بالتعليم الآبائى الصحيح “كى لا نكون فيما بعد أطفالاً مضطربين ومحمولين بكل ريح تعليم بحيلة الناس بمكر إلى مكيدة الضلال” (أف4: 14).

 

وقد قام قداسة البابا شنودة الثالث بإلقاء العديد من المحاضرات فى الكلية الإكليريكية ونشر العديد من المقالات فى مجلة الكرازة لمواجهة ما أسماه قداسته “بدعه معاصرة”.

 

ونحن فيما نقتفى آثار خطوات قداسته فى هذا المجال إنما نرغب فى تأكيد إلتفاف الجميع حول القيادة الحكيمة لقداسة البابا لكنيستنا المجيدة فى حفظ الإيمان الأرثوذكسى المسلَّم مرة للقديسين.

نشرت تحت تصنيف مقالات لاهوتيه, موضوعات كتابيه, مسيحيات, دفاعيات, روحانيات | Leave a Comment »

تحقيق النبوات

Posted by Akristus_Anstee على 25 مايو 2011


تحقيق النبوات

الأنبا بيشوى

مطران دمياط وكفر الشيخ والبرارى ورئيس دير القديسة دميانة

وسكرتير المجمع المقدس للكنيسة القبطية بمصر

 

لماذا ولد السيد المسيح فى بيت لحم؟

إن السيد المسيح هو ملك الملوك، ورب الأرباب. وقد أراد بميلاده فى بيت لحم أن يعلمنا الإتضاع، وأن الكرامة الحقيقية تنبع من الداخل وليس من المظاهر الخارجية. فالحب مجد، والكراهية عار. فليس المجد فى الملابس الثمينة الغالية الثمن أو الذهب. فالإنسان الأصيل هو الذى معدنه مثل الذهب، هذا هو الإنسان الذى له المجد الداخلى. وهذا هو أول درس يعلمه لنا السيد المسيح من ميلاده فى حظيرة للأغنام. وهناك دروس أخرى هامة من الممكن أن نتعلمها من قصة الميلاد.

 

هوذا حمل الله الذى يرفع خطية العالم

لقد ولد السيد المسيح فى وسط الأغنام لأنه هو حمل الله، وكما قال يوحنا المعمدان “هوذا حمل الله الذى يرفع خطية العالم” (يو1: 29). فكان من الطبيعى أن الخروف الذى سيحمل خطية العالم، والذى سيذبح من أجل خلاصنا؛ أن يولد فى وسط الأغنام

أو الخرفان. وبالأخص فى مدينة بيت لحم حيث المراعى الكثيرة.

فبيت لحم كانت تُربَى فيها الأغنام حيث المراعى الكثيرة. كما أنها كانت قريبة من أورشليم. وأيضاً يوجد بها هيكل سليمان الذى كانت تقدم فيه ذبائح لغفران خطايا الشعب فى العهد القديم. وهذا الغفران كان رمزاً للغفران الحقيقى الذى تم بذبيحة الصليب، وذلك عندما سفك المسيح دمه على الصليب، ومات من أجل خطايانا، ثم قام من الأموات، وصعد إلى السموات. فكان من الطبيعى أن الحمل يولد فى وسط الحملان. وهذه نبوة واضحة جداً عن أنه حمل الله الذى يحمل خطية العالم كله.

 

معنى الفداء

أمر الله إبراهيم أن يذبح ابنه وحيده إسحق، فأخذ إبراهيم ابنه إسحق وربطه، ووضعه على الحطب حتى يذبحه، فمنعه الله وأرسل إليه خروفاً، فأخذه إبراهيم وذبحه عوضاً عن إسحق حسب أمر الرب. أى أنه قد فدى إسحق بهذا الخروف، وهذا هو معنى الفداء.

إن السيد المسيح قد جاء لكى يقدم نفسه فدية أو ذبيحة من أجلنا. وكان الدافع لهذه التضحية هو محبته لنا. وذلك لكى يوفى الدين الذى علينا بسبب الخطية. فبميلاد السيد المسيح فى وسط الحملان، أراد أن يوضح لنا من أول لحظة لميلاده فى العالم، أنه لم يأتِ لكى يتنعم بالحياة على الأرض، بل لكى يقدم نفسه ذبيحة. ففى الميلاد نرى الصليب بطريقة رمزية واضحة فى الأحداث المحيطة بالميلاد.

 

الرب راعىّ فلا يعوزنى شىء

إن السيد المسيح هو الراعى، وهو الحمل أيضاً. فمن الطبيعى أن يكون الراعى فى وسط الأغنام. لأنه إن لم يولد فى وسط الغنم فمن الذى سوف يرعاهم؟!! إن وجوده فى وسط الحملان أو الغنم؛ يعلن أنه هو الراعى الحقيقى، وكما يقول المزمور “الرب يرعانى فلا يعوزنى شىء. فى مراع خضر يربضنى، على مياه الراحة يوردنى، يرد نفسى، يهدينى إلى سُبُل البر من أجل اسمه” (مز22: 1-3).

فمن الذين بشرهم الملاك بميلاد السيد المسيح فى ليلة ميلاده؟ إن المجوس قد أتوا بعد فترة عندما ظهر لهم النجم فى المشرق، وأتوا وقدموا هداياهم. فمن الذين احتفلوا بميلاد السيد المسيح فى ليلة ميلاده؟!! إلى جوار السيدة العذراء القديسة مريم والدة الإله، وخطيبها القديس يوسف النجار الذى كلفه الله برعاية السيدة العذراء والطفل المولود، وطبعاً لم يكن متزوجاً من العذراء بمعنى الزواج الجسدى؛ لكنه كان حارساً وخادماً للطفل المولود لكى يؤدى رسالته، وإلى أن يكبر هذا الطفل وتبدأ فيما بعد خدمته من أجل خلاص العالم.

 

بشارة الملاك للرعاة

“وكان فى تلك الكورة رعاة متبدين يحرسون حراسات الليل على رعيتهم. وإذا ملاك الرب وقف بهم ومجد الرب أضاء حولهم، فخافوا خوفاً عظيماً. فقال لهم الملاك: لا تخافوا؛ فها أنا أبشركم بفرح عظيم يكون لجميع الشعب. إنه ولد لكم اليوم فى مدينة داود مخلص هو المسيح الرب. وهذه لكم العلامة تجدون طفلاً مقمطاً مضجعاً فى مذود. وظهر بغتة مع الملاك جمهور من الجند السماوى مسبحين الله وقائلين. المجد لله فى الأعالى وعلى الأرض السلام وبالناس المسرة” (لو2: 8-14).

فالذين بُشروا بميلاد السيد المسيح، ونظروا هذه المناظر السماوية العظيمة، وسمعوا البشارة المفرحة بميلاد المخلص؛ هم الرعاة الذين يرعون الغنم. لأن هؤلاء هم زملاء السيد المسيح راعى الخراف العظيم وراعى الرعاة ومن الطبيعى أن يحتفل السيد المسيح بميلاده فى وسط زملائه.

 

أنا هو الراعى الصالح

لقد ولد السيد المسيح فى وسط الأغنام. لأنه هو الراعى. والذين أتوا لكى يباركوا لولادته هم زملاؤه الرعاة. فمسألة أن السيد المسيح هو الراعى مسألة خطيرة جداً، وهامة جداً. لأنه هو نفسه قال “أنا هو الراعى الصالح. والراعى الصالح يبذل نفسه عن الخراف” (يو10: 11). وأيضاً قال “لهذا يحبنى الآب لأنى أضع نفسى لآخذها أيضاً” (يو10: 17).

وقد كرر السيد المسيح أنه هو الراعى الصالح، وأكد أنه قد أتى لكى يقدم الرعاية الحقيقية باعتباره أنه هو الله الظاهر فى الجسد. وهو الله الراعى الحقيقى. كما قال داود النبى “الرب يرعانى فلا يعوزنى شئ” (مز22: 1). فكان لابد أن السيد المسيح يكون هو الراعى. لأن الرعاة الذين هم كهنة إسرائيل كانوا قد أهملوا الرعاية. فكان لابد أن يأتى رئيس كهنة جديد يكون هو الراعى.

إن رعاة إسرائيل هم الذين صلبوا السيد المسيح. لذلك تغير الكهنوت من كهنوت العهد القديم الهارونى إلى كهنوت العهد الجديد على رتبة ملكى صادق. أى كهنوت السيد المسيح الذى يقدم فيه جسده ودمه فى العهد الجديد بعد إتمام الفداء. خبز وخمر حاضر على المذبح، نتناول منه من أجل غفران خطايانا، ونيل الحياة الأبدية. فالسيد المسيح هو نفسه الذى أسس سر العشاء الربانى فى ليلة صلبه، وأعطاه لتلاميذه وقال “اصنعوا هذا لذكرى” (لو22: 19) أى تذكاراً حياً معاشاً لموته على الصليب وقيامته من بين الأموات.

 

لماذا اختار الملاك الرعاة؟

إن هناك فرق بين راعٍ ساهرٍ على حراسة الرعية؛ وبين راعٍ يبدد الرعية. وهنا نسأل ما هو السبب فى اختيار الملاك لهؤلاء الرعاة إلى جوار أنهم كانوا ساهرين؟ السبب إن هؤلاء الرعاة كانوا يبحثون عن الخلاص. والدليل على ذلك؛ أنه عند ذهاب السيدة العذراء مريم إلى الهيكل لكى تقدم السيد المسيح بعد أربعين يوماً من ميلاده، وقفت حنّة النبية بنت فنوئيل، وتكلمت عن المسيح مع جميع المنتظرين فداءً فى أورشليم.

أى أن روح الله قد أعلن لها أن هذا هو المخلص.. بمجرد دخول السيد المسيح الهيكل، تكلم روح الله على فم حنّة النبية، وبدأت تتحدث عن أنه هو خلاص إسرائيل، وخلاص العالم “وكانت نبية حنّة بنت فنوئيل من سبط أشير.. فهى فى تلك الساعة وقفت تسبح الرب وتكلمت عنه مع جميع المنتظرين فداءً فى أورشليم” (لو2: 36-38).

إن الروح القدس كان يحرك بعض الأشخاص فى وقت ميلاد السيد المسيح، فكما بشر الملاك العذراء مريم والروح القدس حل عليها، كذلك امتلأت أليصابات من الروح القدس وقالت للسيدة العذراء “مباركة أنت فى النساء ومباركة هى ثمرة بطنك. فمن أين لى هذا أن تأتى أم ربى إلىَّ” (لو1: 42- 43).

وكذلك امتلأ زكريا من الروح القدس عند ميلاد يوحنا المعمدان، وفتح فمه وقال “مبارك الرب إله إسرائيل لأنه افتقد وصنع فداءً لشعبه. وأقام لنا قرن خلاص فى بيت داود فتاه” (لو1: 68- 69). فالروح القدس كان يعمل فى أشخاص كثيرين وقت أحداث الميلاد، قبله وخلاله وبعده.

إن حدث ميلاد السيد المسيح، ومجيئه إلى العالم، هو بداية تحقيق وعد الله لخلاص البشرية. فقال زكريا أبو يوحنا المعمدان “مبارك الرب إله إسرائيل لأنه افتقد وصنع فداء لشعبه” (لو1: 68) لأن الله قد تذكر وعده المقدس، لذلك فإن كلمة زكريا تعنى “الله تذكّر”، واسم يوحنا يعنى “الله تحنن” واسم يسوع يعنى “الله يخلص”. أى أن الله قد تذكّر.. الله قد تحنن.. الله قد خلّص. فعندما قال زكريا “مبارك الرب إله إسرائيل لأنه افتقد وصنع فداء لشعبه” (لو1: 68). أكمل وقال “ليصنع رحمة مع آبائنا ويذكر عهده المقدس” (لو1: 72).

إن الله لم ينس وعده، لكنه كان ينتظر الوقت المناسب. وذلك بعد أن يكون قد أعد كل شئ. وقد كُتبت نبوات كثيرة فى الكتب المقدسة تمهد لمجيء المخلّص، ورموز كثيرة. لأن تجسد كلمة الله، أو ظهور الله الكلمة فى الجسد، لم يكن شيئاً بسيطاً لكى يقدر الإنسان أن يفهمه، أو أن يستوعبه. فكان لابد أن يمهد الله برموز وأحداث كثيرة. كما أنه كما ينبغى أن ينتظر حتى يجد الإنسانة المباركة جداً التى تستحق أن تكون والدة الإله وهى القديسة العذراء مريم. ولأسباب كثيرة انتظرت البشرية عدة آلاف من السنين حتى أتم الله وعده.

يقول الكتاب “القسم الذى حلف لإبراهيم أبينا” (لو1: 73).

فالقسم قد أعطاه الله لإبراهيم؛ فكان لابد أن ينتظر حتى يأتى إبراهيم، وعندما أتى إبراهيم. كان قد مر عدة آلاف من السنين. فهذا يوضح أنه كان لابد من حدوث بعض المراحل لكى عندما يتم الخلاص، يكون إتمام الخلاص هو تحقيق لوعود قالها الله، ونبوات كتبها الأنبياء القديسون، وسجلوها فى كتب العهد القديم.

إن الروح القدس كان يعمل فى شخصيات كثيرة. ومن بين هذه الشخصيات الرعاة الساهرون على حراسة رعيتهم. ولكن ليس فقط لأنهم كانوا ساهرين، ولكن يوجد أسباب أخرى.. فزكريا أبو يوحنا المعمدان عندما تكلم عن ما ذكرته الكتب المقدسة قال “كما تكلم بفم أنبيائه القديسين الذين هم منذ الدهر. خلاص من أعدائنا ومن أيدى جميع مبغضينا. ليصنع رحمة مع آبائنا ويذكر عهده المقدس. القسم الذى حلف لإبراهيم أبينا” (لو1: 70-73). أى أنه كان شخصاً يعيش ويدرس نبوات الأنبياء التى تتحدث عن مجيء المخلّص.

وأيضاً الأرملة القديسة التى عاشت فى الهيكل أربع وثمانين سنة، وذلك بعد ترملها بسبعة سنين من زواجها. فهذه الأرملة كانت خلال هذه الأربع والثمانين سنة لا تفارق الهيكل. وكما يقول الكتاب “وهى أرملة نحو أربع وثمانين سنة لا تفارق الهيكل عابدة بأصوام وطلبات ليلاً ونهاراً” (لو2: 37).

فقد ظلت أربع وثمانين سنة لا تفارق الهيكل. وذلك فى المكان المخصص للنساء، وليس فى الأماكن الخاصة بالكهنة. وقد كانت أثناء هذه السنين تدرس، وتستمع إلى الصلوات اليومية، والقراءات المقدسة، وتقرأ فى الأسفار المقدسة. أى أنها كانت متفرغة للعبادة أربع وثمانين سنة. لذلك عمل الروح القدس فى داخلها، فى نفس الوقت الذى كانت تعيش فيه كل هذه المعانى التى تتكلم عن مجيء المخلص، وميلاد السيد المسيح.

إن الحدث الذى رأته بعينها قد عاشته بقلبها. أى إنها قد رأته بعينى قلبها قبل أن تراه بعينيها الطبيعية. فتقابل الإحساس الذى عاشته فى داخلها مع المنظر الذى رأته بعينيها. وعندما يتقابل شيئان يسرى التيار. مثلما يحدث عند غلق الدائرة الكهربية يصير من الممكن أن يسرى التيار. فالروح هو الذى تكلم على لسانها بدون أن يعلمها أحد.

 

الرعاة كانوا ينتظرون الخلاص

إن هؤلاء الرعاة كانوا ينقادون بالروح القدس، فما الذى كان من الممكن أن يتحدثوا فيه أثناء سهرهم ليلاً؟ من المؤكد أنهم كانوا يتحدثون فى النبوات وفى الأسفار المقدسة. فمثلاً من الممكن أن يقولوا إنهم يرعون الأغنام التى تقدم منها ذبائح كثيرة فى الهيكل، وهذه الذبائح ترمز إلى الخلاص الذى وعد به الله. لكن متى سيأتى المخلص؟!

يقول الكتاب إن حنّة بنت فنوئيل تكلمت عنه مع جميع المنتظرين فداءً فى أورشليم. إن الله يعلن لمن ينتظره، ولكن الذى لا يهمه لماذا يعلن له؟!! فهؤلاء الرعاة كانوا ينتظرون مجيء المخلّص لذلك يقول الكتاب “وكان فى تلك الكورة رعاة متبدين يحرسون حراسات الليل على رعيتهم” (لو2: 8). وبالأخص أنهم كانوا فى بيت لحم اليهودية مدينة داود، ومن المعروف أن المسيح هو من نسل داود حسب الجسد، لذلك فهؤلاء الناس كانت المزامير هى تسليتهم.

إن التسبحة التى نقولها فى كل ليلة فى الكنيسة مليئة فى أجزاء كثيرة بالمزامير والتسابيح والنبوات التى تتحدث عن الخلاص، وعن عمل الله فى حياة البشر. والتسبحة نفسها غير المزامير بها أجزاء من الأسفار المقدسة. فمثلاً الهوس الأول تسبحة موسى النبى وأخته مريم النبية مع شعب إسرائيل عند عبور البحر الأحمر. وقد كانت رمزاً للخلاص، ورمزاً للمعمودية.

إن الرعاة بكل تأكيد كانوا يسبحون، لذلك عندما كانت هناك تسبحة على الأرض، كان هناك تسبيحاً فى السماء فيقول الكتاب “وظهر بغتة مع الملاك جمهور من الجند السماوى مسبحين الله وقائلين: المجد لله فى الأعالى وعلى الأرض السلام وبالناس المسرة” (لو2: 13-14).

إن كلمة “بالناس المسرة” معناها باللغة اليونانية “المسرة فى قلوب الناس الصالحين”. فالملائكة فرحوا بما حدث فى قلب الرعاة عندما سمعوا بشرى الخلاص. والمسيح هو رئيس السلام، وهو صانع السلام. لأنه هو الذى سيصالح الله مع البشر، ويصالح الإنسان مع أخيه الإنسان، ويصالح الإنسان مع نفسه. وكذلك هو الذى قال “طوبى لصانعى السلام لأنهم أبناء الله يدعون” (مت5: 9).

إن الرعاة كانوا يسبحون ويتأملون ويصلون، لذلك ظهر لهم الملائكة. فمن يريد أن يحيا مع الملائكة حياة الصداقة والعشرة الحقيقية، يجب أن تمتلئ حياته بالصلاة، والتسبيح، والتأمل فى الأسفار المقدسة.

يقول سفر أشعياء “ظلم أما هو فتذلل ولم يفتح فاه كشاة تساق إلى الذبح وكنعجة صامتة أمام جازيها فلم يفتح فاه” (أش53: 7). ولذلك نقول فى القداس الغريغورى }أتيت إلى الذبح مثل حمل حتى إلى الصليب{ ويقول الكتاب أيضاً “أما الرب فسُرَّ بأن يسحقه بالحزن ان جعل نفسه ذبيحة إثم يرى نسلاً تطول أيامه ومسرة الرب بيده تنجح” (أش53: 10). وأيضاً “حمل خطية كثيرين وشفع فى المذنبين” (أش53: 12).. “وهو مجروح لأجل معاصينا مسحوق لأجل آثامنا تأديب سلامنا عليه وبحبره شفينا” (أش53: 5). فالرعاة كانوا قد قرأوا هذا الكلام ويرددونه. وكانوا يسألون الرب متى سيرسل الحمل الحقيقى الذى يحمل خطايا العالم كله؟

 

أهمية السهر الروحى

إن هذه القلوب الساهرة المنتظرة المترقبة عمل الله؛ هى التى سيرسل الله إليها ملائكته. فالله لم يرسل ملائكته إلى الأشخاص المترفهين أو المتنعمين. بل أرسل إلى أناس يجلسون فى العراء، وهم ساهرين على رعاية أغنامهم. وهذه هى أهمية السهر فى الحياة الروحية، وأهمية السهر فى الصلاة، وأهمية السهر فى الكنيسة والتسبيح.

إن هؤلاء كانوا رعاة للأغنام. والله كان يريد أن يرى رعاة للشعب. ويرى رعاية حقيقية. فيقول بفم نبيه حزقيال “يا ابن آدم تنبأ على رعاة إسرائيل، تنبأ وقل لهم هكذا قال السيد الرب للرعاة: ويل لرعاة إسرائيل الذين كانوا يرعون أنفسهم. ألا يرعى الرعاة الغنم؟! تأكلون الشحم وتلبسون الصوف وتذبحون السمين ولا ترعون الغنم. المريض لم تقووه والمجروح لم تعصبوه والمكسور لم تجبروه والمطرود لم تستردوه والضال لم تطلبوه بل بشدة وبعنف تسلطتم عليهم. فتشتتت بلا راعٍ وصارت مأكلاً لجميع وحوش الحقل وتشتتت. ضلّت غنمى فى كل الجبال وعلى كل تلٍ عالٍ وعلى كل وجه الأرض تشتتت غنمى ولم يكن من يسأل أو يفتش” (حز34: 2-6).

فالله كان حزيناً أن رعاة بنى إسرائيل كانوا قد أهملوا الغنم، وأهملوا الرعاية، وبحثوا عن ملذاتهم الشخصية، وظلموا الخراف. لذلك قال بطرس الرسول للرعاة “ولا كمن يسود على الأنصبة بل صائرين أمثلة للرعية” (1بط5: 3).

 

أنا أرعى غنمى وأربضها يقول السيد الرب

يقول الرب للرعاة “هكذا قال السيد الرب هأنذا على الرعاة وأطلب غنمى من يدهم وأكفهم عن رعى الغنم ولا يرعى الرعاة أنفسهم بعد فأخلص غنمى من أفواههم فلا تكون لهم مأكلاً. لأنه هكذا قال السيد الرب هأنذا أسأل عن غنمى وأفتقدها. كما يفتقد الراعى قطيعه يوم يكون فى وسط غنمه المشتتة هكذا أفتقد غنمى وأخلصها من جميع الأماكن التى تشتتت إليها فى يوم الغيم والضباب.. أنا أرعى غنمى وأربضها يقول السيد الرب” (حز34: 10-15).

إذن الرب هو الراعى الحقيقى وقال السيد المسيح “أنا هو الراعى الصالح والراعى الصالح يبذل نفسه عن الخراف” (يو10: 11). فقد جاء السيد المسيح لكى يشفى الجراح، ويقيم البشرية من سقطتها. ويعيد آدم إلى الفردوس مرة أخرى. ولكن ذلك لمن يقبل محبته، ويقبل خلاصه. كما هو مكتوب “وأما كل الذين قبلوه فأعطاهم سلطاناً أن يصيروا أولاد الله أى المؤمنون باسمه” (يو1: 12).

وهنا يظهر العلاقة الوثيقة بين ليلة ميلاد السيد المسيح، وبين إعلان الرب عن نفسه أنا هو الراعى. وذلك سواء فى العهد القديم عندما قال “أنا أرعى غنمى وأربضها يقول السيد الرب” (حز34: 15)، أو كلام السيد المسيح عندما بدأ خدمته الخلاصية وعندما بدأ يتكلم عن نفسه باعتباره أنه هو الراعى الصالح وقال “وأنا أضع نفسى عن الخراف” (يو10: 15).

 

الأدلة أن الرعاة كانوا مرشدين من الروح القدس

ومن الأدلة أن هؤلاء الرعاة كانوا مرشدين من الروح القدس؛ إنهم استجابوا لإعلان الملاك عندما قال “لا تخافوا فها أنا أبشركم بفرح عظيم يكون لجميع الشعب، أنه ولد لكم اليوم فى مدينة داود مخلص هو المسيح الرب” (لو2: 10-11). أى أن الذى تنتظرونه قد حدث فاذهبوا وانظروا بأنفسكم “وهذه لكم العلامة تجدون طفلاً مقمطاً مضجعاً فى مذود” (لو2: 12).

فهل من الممكن أن يوضع طفل فى مذود للغنم؟!! إن المذود هو المكان الذى يوضع فيه أكل الأغنام. فلماذا يوضع الطفل فى المذود؟!! لقد وضع فى المذود لأنه لم تجد العذراء مريم مكان فى البيت. فعندما ذهبت مع يوسف إلى بيت لحم لكى تكتتب يقول الكتاب “وبينما هما هناك تمت أيامها لتلد. فولدت ابنها البكر وقمطته وأضجعته فى المذود إذ لم يكن لهما موضع فى المنزل” (لو2: 6-7).

إن الله لم يجد له مكاناً فى قلوب البشر، فولد فى وسط الأغنام لكى يقول للبشر أنتم الذين رفضتمونى فى حياتكم من الممكن أن الحيوانات تكون أكثر قبولاً لى إذا جلست فى وسطهم. لكن أنا قد جئت لتحويل حياتكم من حيوانات إلى بشر لأن الإنسان قد خلق على صورة الله، فأنا أريد أن أحول هذه الحظيرة إلى كنيسة فى العهد الجديد.

وبالفعل فإن كنيسة بيت لحم قد بُنيت فى مكان المذود الذى ولد فيه السيد المسيح وأصبحت كنيسة عظيمة ضخمة فى بيت لحم اسمها كنيسة المهد. فلم تعد حظيرة للخراف غير الناطقة لكن أصبحت حظيرة للخراف الناطقة أى البشر من شعب الله.

“ولما مضت عنهم الملائكة إلى السماء قال الرجال الرعاة بعضهم لبعض لنذهب الآن إلى بيت لحم وننظر هذا الأمر الواقع الذى أعلمنا به الرب. فجاءوا مسرعين ووجدوا مريم ويوسف والطفل مضجعاً فى المذود” (لو2: 15-16).

فكيف عرف الرعاة فى أى حظيرة وُلد السيد المسيح؟!! إن بيت لحم كلها هى مدينة الأغنام، فقد كان كل عمل داود هو رعاية الغنم فكيف عرفوا أين هى الحظيرة إن كان لم يظهر لهم نجم، أو ذهب معهم ملاك؟!!

إن المجوس قد احتاجوا للنجم لكى يرشدهم إلى مكان وجود الطفل يسوع، وكان ذلك بعد فترة من ميلاد السيد المسيح، بدليل أن هيرودس عندما حسب المدة وتحقق زمان النجم الذى ظهر حسب المدة من ساعة ظهور النجم حتى ذهاب المجوس فوجد هذه المدة حوالى سنتين فأرسل وذبح كل الأطفال من سن سنتين فما دون. فالمجوس لم يأتوا فى ليلة ميلاد السيد المسيح. ولكن فى بعض صور الميلاد يضعوا المجوس بها. لكن هذا ليس أكثر من تجميع لأحداث الميلاد فى صورة واحدة، وفى بعض الأحيان يقوم البعض بعمل مذود به تماثيل فى ليلة عيد الميلاد وذلك من أجل فرحة الأطفال الصغار، ولكن يجب أن يوضع هذا المذود خارج الكنيسة لأن الكنيسة القبطية لا يجب أن يدخلها أى تماثيل بل أيقونات فقط بما فى ذلك مغارة الميلاد التى تُعمل من أجل الأطفال.

ولكن الرعاة ذهبوا فى نفس ليلة ميلاده، فكيف عرفوا مكان الحظيرة؟!! لقد عرفوا لأن الروح القدس كان يرشدهم “فجاءوا مسرعين ووجدوا مريم ويوسف والطفل مضجعاً فى المذود. فلما رأوه أخبروا بالكلام الذى قيل لهم عن هذا الصبى” (لو2: 16-17).

 

ولى خراف أخر ليست من هذه الحظيرة

وكما أعلن الله عن ميلاد ابنه الوحيد للرعاة الذين يمثلون الشخصيات التى كان من الممكن أن يتعامل معها الله نظراً لأمانتهم فى وسط شعب إسرائيل المنتظر الخلاص. أيضاً بدأ الله يتعامل مع الأمم، إذ قال السيد المسيح “ولى خراف أخر ليست من هذه الحظيرة ينبغى أن آتى بتلك أيضاً فتسمع صوتى وتكون رعية واحدة وراعٍ واحد” (يو10: 16).

فهنا يتكلم عن نفسه أنه هو الراعى الصالح. والمقصود هنا بالخراف الأُخر الأمم وليس اليهود، ولا نسل يعقوب أبو الأسباط الاثنى عشر، ولا نسل اسحق، ولا نسل إبراهيم، لكن الأمم. وكما قال سمعان الشيخ “نور إعلان للأمم ومجداً لشعبك إسرائيل” (لو2: 32).

فليس الخلاص الذى أتى الله لكى يعلنه مسألة تخص شعب إسرائيل فقط. وإن كان قد قال “لأن الخلاص هو من اليهود” (يو4: 22) لكن المقصود فى هذه العبارة الأخيرة أن الله كان قد وعد إبراهيم أن بنسله تتبارك جميع قبائل الأرض. فالسيد المسيح من نسل إبراهيم. لكن البركة لجميع قبائل الأرض. وفى سفر أشعياء “أنا الرب قد دعوتك بالبر فأمسك بيدك وأحفظك وأجعلك عهداً للشعب ونوراً للأمم. لتفتح عيون العمى لتخرج من الحبس المأسورين من بيت السجن الجالسين فى الظلمة” (أش42: 6-7).

 

نوراً تجلى للأمم

إن السيد المسيح فى نظر الآب هو الابن الوحيد الذى سُرّت به نفسه وكما يقول الكتاب “هوذا فتاى الذى اخترته حبيبى الذى سُرّت به نفسى. أضع روحى عليه فيخبر الأمم بالحق” (مت12: 18). وأيضاً فى سفر الأعمال قال “ولتُجرَ آيات وعجائب باسم فتاك القدوس يسوع” (أع4: 30).

فكلمة “نوراً للأمم” تعنى أن الخلاص ليس لشعب إسرائيل فقط، وإن كان الله قد ذكر هذا الكلام فى العهد القديم. وكان اليهود يعتبرون أنفسهم أنهم شعب الله الخاص. والله نفسه كان يتحدث إليهم باعتبارهم شعبه الخاص. ويقول الكتاب “والآن هكذا يقول الرب خالقك يا يعقوب وجابلك يا إسرائيل لا تخف لأنى فديتك، دعوتك باسمك، أنت لى. إذا اجتزت فى المياه فأنا معك، وفى الأنهار فلا تغمرك. إذا مشيت فى النار فلا تلذع واللهيب لا يحرقك. لأنى أنا الرب إلهك قدوس إسرائيل مخلصك” (أش43: 1-3).

فكان الكلام موجهاً لإسرائيل. لكن فى خلال كلامه فى الإصحاح السابق بنفس السفر يقول “نوراً للأمم”. وكذلك عند حمل سمعان الشيخ السيد المسيح قال “نوراً تجلى للأمم ومجداً لشعبك إسرائيل” (لو2: 32). فمن الواضح أن الله له قصد فى أن يدعو الأمم إلى ميراث الحياة الأبدية، وإلى أن يكونوا رعية مع شعب إسرائيل الذى يقبل ويؤمن بمسيحه. فتكون رعية واحدة لراعٍ واحد.

 

تعامل الله مع الأمم

لقد بدأ الله يتعامل مع الأمم فى وقت ميلاد السيد المسيح بطريقة لطيفة جداً. فقد كان يوجد أشخاص حكماء فى بلاد المشرق أى ناحية فارس، ويسمون المجوس. وهم حكماء المملكة. وكان عملهم رؤية الأفلاك، وحساب الأزمنة.. وكان بعضهم يعمل فى التنجيم. فعندما أُخذ شعب إسرائيل إلى السبى من مملكة بابل، وأصبحوا تحت حكم مملكة فارس، كان دانيال النبى موجوداً فى البلاد فى ذلك الوقت. وقد اختاره الملك لأنه وجد فيه “روح الآلهة القدوسين” على حسب قوله، والمقصود روح الله. وعيَّنه كبيراً للمجوس أى كبيراً للحكماء. وفى هذه الأيام كتب دانيال النبى السفر وبه نبوات كثيرة عن السيد المسيح. مثل النبوة التى قال فيها “سبعون أسبوعاً قضيت على شعبك وعلى مدينتك المقدسة لتكميل المعصية وتتميم الخطايا ولكفارة الإثم وليؤتى بالبر الأبدى ولختم الرؤيا والنبوة ولمسح قدوس القدوسين” (دا9: 24).

 

المجوس يترقبون مجيء المخلص

إن النبوات التى فى سفر دانيال كانت تتكلم عن ميعاد ميلاد السيد المسيح. فيقول سبعون أسبوعاً أى 490 سنة ونطرح منها أسبوع فيكون 483 سنة والسيد المسيح كان يجب أن يبدأ خدمته الكهنوتية وعمره 30 سنه وذلك حسب الشريعة، وبهذه الطريقة يمكن حساب ميعاد ميلاد السيد المسيح. والمجوس حسب النبوات كانوا يترقبون ظهور علامة لهم. لذلك ظهر لهم ملاك فى صورة نجم. أى كائن سماوى كان يتحرك وغير ثابت. فإن كان هذا نجماً عادياً فى السماء، سيكون بعيداً جداً وكان غير ممكن أن يحدد المكان بالتحديد.

ولكن هذا النجم جاء ونزل فوق حيث كان الصبى. لقد كان هذا ملاكاً وليس نجماً عادياً. ولكن لأنهم يرصدون حركة النجوم، فقد رأوا هذا النجم أنه نجم غريب. ورأوا علامات مميزة ففهموا أنه نجم لملك عظيم، أو أنه ملك كبير فى الأرض. وبالنسبة للنبوة التى كانت عندهم فى سفر دانيال. فإن دانيال النبى كان كبيراً للمجوس. أى أن المجوس كانوا تلاميذاً له ومع تسلسل الأجيال. وعندما رأوا المنظر بدأوا يفهمون.

إن الروح القدس كان لا يعمل فى المجوس بنفس الصورة التى كان يعمل بها مع الرعاة ولكن ليس معنى هذا أنه لا يعمل نهائياً. ولكنه كان يتدرج معهم وذلك من خلال الأمور التى كانوا يستطيعون فهمها. فبالنسبة لهم كان سفر دانيال مثل أسفار الحكمة، أى أحكم الحكماء. فعندما نتذكر قصة نبوخذ نصر الملك عندما أخبره دانيال النبى بالحلم، وفسّر له الحلم وعيّنه كبيراً للمجوس فكل هذه الأمور تجعلهم يثقون فى نبوات دانيال النبى.

إن الله كان يتعامل مع المجوس على حسب تفكيرهم. لذلك ظهر لهم الملاك على هيئة نجم وعندما قادهم إلى بلاد اليهودية، ذهبوا إلى العاصمة أورشليم وإذا النجم قد اختفى. وهنا بدأوا يسألون الناس، وذهبوا إلى هيرودس الملك يسألون أين هو المولود ملك اليهود فإننا رأينا نجمه فى المشرق وأتينا لنسجد له.

وبدأ هيرودس الملك يضطرب وأرسل لإحضار رؤساء الكهنة ليسألهم أين يولد المسيح “فقالوا له فى بيت لحم اليهودية لأنه هكذا مكتوب بالنبى وأنت يا بيت لحم أرض يهوذا لست الصغرى بين رؤساء يهوذا لأن منك يخرج مدبر يرعى شعبى إسرائيل” (مت2: 5-6).

واضطرب هيرودس وقرر أن يقتل هذا الطفل المولود الذى سوف يأخذ الملك منه وذلك حسب نظرته للعالم. ولكن السيد المسيح قال “مملكتى ليست من هذا العالم” (يو18: 36). فعندما خرج المجوس من عند الملك ظهر لهم النجم مرة أخرى. وهنا بدأ الإعلان السماوى يرجع إلى قيادتهم مرة أخرى.

وعندما وصلوا إلى البيت نزل النجم الذى كان يقودهم ثم اقترب من البيت. فعرفوا أن المولود هو ملك اليهود أو ملك ملوك الأرض أو ملك الملوك ورب الأرباب فى السموات وما على الأرض حسب تفسير حلم الملك نبوخذ نصر الذى فسّره له دانيال النبى وكتبه فى السفر المعروف باسمه.

 

الروح القدس يرشد المجوس إلى أنواع الهدايا

 عندما بدأ المجوس يستعدون لرحلتهم اختاروا بعض الهدايا لكى يقدموها للملك المولود فاختاروا ثلاث هدايا وهى: ذهب ولبان ومر. فالمر له مذاق مر، ولكن رائحته عطرية. واعتبروا أن هذه أنواع من الهدايا التى أحياناً تقدم لبعض الناس فى بعض المناسبات. ولكن بالنسبة للسيد المسيح كان لها مدلول عقائدى، ومدلول لاهوتى، ومدلول روحى، ومدلول نبوى.

فمن الواضح أن الروح القدس هو الذى أرشد المجوس إلى اختيار هذه الهدايا. ونلاحظ فى صورة الميلاد أنها تكون بها ثلاثة من المجوس فقط. لكن من الممكن أن يكونوا أكثر من ثلاثة أشخاص لأن الكتاب لم يذكر أنهم ثلاثة مجوس. ولكن الهدايا فقط هى التى ثلاثة. فهم مجموعة من الحكماء أتت من بلاد فارس من رحلة طويلة. ولكن الذين قدموا الهدايا هم ثلاثة أشخاص.

 

لماذا ثلاث هدايا؟

إن اختيار عدد الهدايا ثلاثة هى إشارة إلى أن هذا المولود واحد من الأقانيم الثلاثة التى لإله واحد فى الجوهر مثلث الأقانيم. فعدد الهدايا رمز وإشارة إلى السيد المسيح، ونوع الهدايا ذهب يرمز إلى أن السيد المسيح هو ملك، واللبان يرمز إلى إن السيد المسيح هو كاهن، والمر يرمز إلى أن السيد المسيح سوف يتألم من أجل خلاص العالم.

فهو ملك وكاهن ونبى ولكن ليس نبى مثل باقى الأنبياء الذين سبقوه. ولكن هو رب الأنبياء. فهو ظهر فى الهيئة كإنسان، ولكن فى نفس الوقت هو ملك الملوك ورب الأرباب فإذا تكلمنا عنه كملك فهو ليس ملكاً عادياً. ولكنه ملك الملوك ورب الأرباب. وإذا قيل عنه نشيد فلا يقال نشيد عادى، بل يقال نشيد الأناشيد. وإذا كان هو كاهن فهو رئيس الكهنة الأعظم. الذى كهنوته كهنوت أبدى لا يزول. وإذا كنا نتكلم عنه كنبى فهو ليس مجرد نبى عادى. فمثلاً تنبأ عن موته, وعن خراب أورشليم، وعن قيامته فى اليوم الثالث. وقد تحققت كل هذه النبوات فى حينها. وتنبأ أيضاً عن نهاية العالم. وسيتم ذلك لأن السيد المسيح هو الذى تنبأ بها.

وأهم نبوة قيلت “ها نحن صاعدون إلى أورشليم وابن الإنسان يسلم إلى رؤساء الكهنة والكتبة فيحكمون عليه بالموت ويسلمونه إلى الأمم. فيهزأون به ويجلدونه ويتفلون عليه ويقتلونه وفى اليوم الثالث يقوم” (مر10: 33-34).

وكانت هذه هى أهم نبوة قالها السيد المسيح. وهذه النبوة كانت عن آلامه لذلك ارتبط المر بمعنى النبوة عند السيد المسيح أى أن المر إشارة إلى أنه نبى. أو أنه قد تنبأ عن موته وعن آلامه الخلاصية. فاللبان يرمز إلى الكهنوت لأن الكاهن يقدم ذبيحة البخور. وحتى عند الوثنيين فهم يبخرون للأوثان.

لذلك فإن مسألة التبخير وارتباطها بالكهنوت، مسألة معروفة من العهد القديم عند شعوب كثيرة. ولكن عندنا نحن لها مدلول روحى خاص. بل إن السيد المسيح نفسه كان رائحة بخور عطرة ونقول عنه أيضاً }هذا الذى أصعد ذاته ذبيحة مقبولة عن خلاص جنسنا فاشتمه أبوه الصالح وقت المساء على الجلجثة{ (لحن “فى إيتاف إنف vaietafenf” الذى يقال يوم الجمعة العظيمة ويقال بلحن آخر فى تسبحة يوم الأحد).

فالسيد المسيح أصعد ذاته رائحة رضا وسرور لله الآب فى طاعة كاملة. وفى سيرته العطرة كرئيس كهنة قدم الذبيحة المقبولة التى قبلها الآب السماوى، وبها كفَّر عن كل خطايا البشرية لكل الذين يؤمنون باسمه ويؤمنون بخلاصه ويقبلون أن يتشبهوا بموته وقيامته عندما يدفنون فى المعمودية مع المسيح ويقومون فيها أيضاً معه.

إن السيد المسيح عندما يتكلم من حيث إنه قد تنبأ فلابد أن نتذكر أنه ليس مجرد نبى، ولكنه الله الكلمة المتجسد، وهو ابن الله الوحيد. لكن من الطبيعى إذ ظهر فى الهيئة كإنسان أن يقول بعض الأمور التى تنبأ بها. وحينما تحدث نتأكد أنه كان يتكلم كلام الله. وليس مجرد كلاماً عادياً مثل أى إنسان عادى. فقد كانت نبوته عن موته على الصليب وقيامته من بين الأموات شيئاً هاماً جداً بالنسبة للكنيسة لهذا فحينما ظهر السيد المسيح بعد القيامة قال لتلاميذه “أما كان ينبغى أن المسيح يتألم بهذا ويدخل إلى مجده” (لو24: 26).

 

كيف تعامل الروح القدس مع المجوس؟

إن الروح القدس قد تدرج مع المجوس. ففى البداية أرشدهم إلى اختيار أنواع الهدايا التى يقدمونها ثم ظهر لهم نجم لكى يرشدهم إلى الطريق. ولكن بعد أن سجدوا للسيد المسيح الإله الكلمة ومخلّص العالم. بدأت علاقة الله معهم تكون أقوى من الأول، وبدأ الله يتعامل معهم بإعلانات سماوية واضحة فيقول الكتاب “ثم إذ أوحى إليهم فى حلم أن لا يرجعوا إلى هيرودس انصرفوا فى طريق أخرى إلى كورتهم” (مت2: 12).

وذلك لأن هيرودس كان يريد قتل الطفل، ولكن الله أوحى إليهم أن ينصرفوا فى طريق آخر. وبذلك نرى الروح القدس قد بدأ يعمل فى حياتهم بصورة أقوى عن طريق الوحى. وهذا معناه أن الله يدعو الأمم إلى معرفته عن طريق مجيء السيد المسيح إلى العالم. ولإلهنا المجد الدائم إلى الأبد آمين.

نشرت تحت تصنيف مقالات لاهوتيه, موضوعات كتابيه, مسيحيات, روحانيات | Leave a Comment »

شرح وتعريف كلمة اقنوم لاهوتيا .

Posted by Akristus_Anstee على 25 مايو 2011


أقنوم

ما معنى كلمة أقنوم؟ ونريد معلومات أكثر عن الأقانيم الثلاثة والوحدانية..

 

الإجابة:

* كلمة اقنوم Hypostasis باليونانية هى هيبوستاسيس، وهى مكونة من مقطعين: هيبو وهى تعنى تحت، وستاسيس وتعنى قائم أو واقف، وبهذا فإن كلمة هيبوستاسيس تعنى تحت القائم ولاهوتيا معناها ما يقوم عليه الجوهر أو ما يقوم فيه الجوهر أو الطبيعة. والأقنوم هو كائن حقيقى له شخصيته الخاصة به، وله إرادة، ولكنه واحد فى الجوهر والطبيعة مع الأقنومين الآخرين بغير إنفصال.

 

* من هم الاقانيم الثلاثة؟

الأقانيم الثلاثة هم الآب والابن والروح القدس:

فالآب هو الله من حيث الجوهر، وهو الأصل من حيث الأقنوم.

والابن هو الله من حيث الجوهر، وهو المولود من حيث الأقنوم.

والروح القدس هو الله من حيث الجوهر، وهو المنبثق من حيث الأقنوم.

 

* كيف أن الجوهر الإلهى واحد ومع هذا فإن هناك ثلاثة أقانيم متمايزة ومتساوية؟

لشرح فكرة الجوهر الواحد لثلاثة اقانيم متمايزة ومتساوية فى الجوهر نأخذ مثالاً

مثلث من الذهب الخالص، له ثلاثة زوايا متساوية أ، ب، ج

الرأس (أ) هو ذهب من حيث الجوهر.

الرأس (ب) هو ذهب من حيث الجوهر.

الرأس (ج) هو ذهب من حيث الجوهر.

 

فالرؤوس الثلاثة لهم جوهر واحد، وكينونة واحدة، وذهب واحد، هو جوهر المثلث ولكن (أ) ليس نفسه هو (ب)، (ب) ليس نفسه هو (ج)، (ج) ليس نفسه هو (أ)

 

لأن (أ) لو كان هو (ب) لانطبق الضلع (أ ج) على الضلع (ب ج) وبذلك ينعدم الذهب

 

لو طبقنا نفس الفكرة بالنسبة للثالوث القدوس:

الآب هو الله من حيث الجوهر.

الابن هو الله من حيث الجوهر.

الروح القدس هو الله من حيث الجوهر.

والثلاثة يتساوون فى الجوهر والجوهر نفسه الإلهي هو فى الآب والابن والروح القدس. ولكن الآب ليس هو نفسه الابن وليس هو نفسه الروح القدس، وكذلك الابن ليس هو نفسه الروح القدس وليس هو نفسه الآب، وكذلك الروح القدس ليس هو نفسه الآب وليس هو نفسه الابن.

 

* هل يمكننا أن نقول إن الكينونة فى الثالوث القدوس قاصرة على الآب وحده؟ والعقل قاصر على الابن وحده؟ والحياة قاصرة على الروح القدس؟

 

لا… لا يمكننا أن نقول هكذا، فينبغى أن نلاحظ أنه طبقا لتعاليم الآباء فإن الكينونة أو الجوهر ليس قاصرا على الآب وحده، ففى قداس القديس غريغوريوس النزينزى نخاطب الابن ونقول: (أيها الكائن الذى كان والدائم إلى الأبد)، لأن الآب له كينونة حقيقية وهو الأصل فى الكينونة بالنسبة للابن والروح القدس، والابن له كينونة حقيقية بالولادة الازلية، والروح القدس له كينونة حقيقية بالانبثاق الأزلى، ولكن ليس الواحد منهم منفصلا فى كينونته أو جوهره عن الآخرين.

 

وكذلك العقل ليس قاصرا على الابن وحده، لان الآب له صفة العقل والابن له صفة العقل والروح القدس له صفة العقل، لأن هذه الصفة من صفات الجوهر الالهى.

 

وكما قال القديس أثناسيوس: (إن صفات الآب هى بعينها صفات الابن إلا صفة واحدة وهى أن الآب آب والابن ابن. ثم لماذا تكون صفات الآب هى بعينها صفات الابن؟ إلا لكون الابن هو من الآب وحاملا لذات جوهر الآب)، ولكننا نقول إن الابن هو الكلمة (اللوغوس) أو العقل المولود أو العقل المنطوق به، أما مصدر العقل المولود فهو الآب.

 

وبالنسبة لخاصية الحياة فهى أيضا ليست قاصرة على الروح القدس وحده لان الآب له صفة الحياة والابن له صفة الحياة والروح القدس له صفة الحياة، لأن الحياة هى من صفات الجوهر الجوهر الالهى. والسيد المسيح قال: (كما ان الآب له حياة فى ذاته كذلك أعطى الابن ايضا أن تكون له حياة فى ذاته) (يو 5: 26). وقيل عن السيد المسيح باعتباره كلمة الله: ” فيه كانت الحياة ” (يو 1: 4). ولكن الروح القدس نظرا لأنه هو الذى يمنح الحياة للخليقة لذلك قيل عنه إنه هو: (الرب المحيى) (حسب قانون الإيمان و القداس الكيرلسى)، وكذلك أنه هو (رازق الحياة) أو (معطى الحياة) (حسب صلاة الساعة الثالثة).

 

من الخطورة أن ننسب الكينونة إلى الآب وحده، والعقل إلى الابن وحده، والحياة إلى الروح القدس وحده، لأننا فى هذه الحالة نقسم الجوهر الالهى الواحد إلى ثلاث جواهر مختلفة. أو ربما يؤدى الأمر إلى أن ننسب الجوهر إلى الآب وحده (طالما أن له وحده الكينونة)، وبهذا ننفى الجوهر عن الابن والروح القدس، أو نلغى كينونتيهما ويتحولان بذلك إلى صفات لأقنوم إلهى وحيد هو أقنوم الآب.

 

* هل هناك علاقة بين طبيعة الله (الله محبة) وبين فهمنا للثالوث القدوس؟

نعم هناك علاقة أكيدة:

إن مفتاح المسيحية – كما نعلم – هو ان “الله محبة” (رساله يوحنا الاولي 4: 8، 16).

ونحن نسأل من كان الآب يحب قبل أن يخلق العالم و الملائكة والبشر؟ إذا أحب الآب نفسه يكون أنانياً (- centeric ego)، وحاشا لله أن يكون هكذا، إذاً لابد من وجود محبوب كما قال السيد المسيح فى مناجاته للآب قبل الصليب: ” لأنك أحببتنى قبل إنشاء العالم ” (يو 17: 24)… وبوجود الابن قبل إنشاء العالم وفوق الزمان أى قبل كل الدهور، يمكن أن نصف الله بالحب أزلياً وليس كأن الحب شيئ حادث أو مستحدث بالنسبة للآب. فالأبوة والحب متلازمان، طلما وجدت الأبوة فهناك المحبة بين الآب والابن.

 

ولكن الحب لايصير كاملا إلا بوجود الأقنوم الثالث، لأن الحب نحو الأنا هو أنانية وليس حباً، والحب الذى يتجه نحو الآخر الذى ليس آخر سواه (المنحصر فى آخر وحيد) هو حب متخصص رافض للإحتواء (exclusive love) بمعنى أنه حب ناقص ولكن الحب المثالى هو الذى يتجه نحو الآخر وعلى كل من هو آخر (inclusive love) وهنا تبرز أهمية وجود الأقنوم الثالث من أجل كمال المحبة.

 

وإذا وجدت الخليقة فى أى وقت وفى أى مكان فهى تدخل فى نطاق هذا الحب اللانهائى، لأن مثلث الحب هنا هو بلا حدود ولا مقاييس. هذا الحب اللانهائى الكامل يتجه أيضاً نحو الخليقة حيثما وحينما توجد، كما قال السيد المسيح للآب: ” ليكون فيهم الحب الذى أحببتنى به وأكون أنا فيهم ” (إنجيل يوحنا 17: 26)… إن الحب الكامل هو الحب بين الأقانيم الثلاثة وهذا هو أعظم حب فى الوجود كله.

 

لكن قد يسأل سائل لماذا لا تكون الأقانيم أربعة أو خمسة؟ وللرد نقول إن أى شيئ ناقص فى الله يعتبر ضد كماله الإلهى، كما أن أى شيئ يزيد بلا داع يعتبر ضد كماله الإلهى. إن مساحة مثلث الحب هذا هى ما لا نهاية، أى أن مساحة الحب بين الأقانيم الثلاثة هى ما لا نهاية، ومثلث الحب هذا يتسع حتى يشمل كل الخليقة، فأى كائن يقع داخل نطاق المثلث يشمله هذا الحب، فما الداعى لرأس رابع أو خامس؟!

نشرت تحت تصنيف مقالات لاهوتيه, موضوعات كتابيه, مسيحيات, دفاعيات, روحانيات | 1 Comment »

أسماء الله في الكتاب المقدس

Posted by Akristus_Anstee على 23 مايو 2011


أسماء الله في الكتاب المقدس

كلمة الله في العبرية هي “الوهيم، إيل، عليون، شداي، يهوه” وفي اليونانية “ثيوس“.

 كانت كل أسماء الله أصلا تدل على صفاته، ولكن اشتقاقات الكثير منها -ومن ثم معانيها الأصلية- قد فقدت، فكان لابد من البحث عن معان جديدة لها:

1– الأسماء العامة: من أقدم أسماء الله المعروفة للجنس البشري وأكثرها انتشارا إسم “إيل” مع مشتقاته “إيليم” و”إلوهيم”، و”إلوي”، وهو مصطلح عام مثل “ثيوس” و”ديوس” في اليونانية، ويطلق على كل من يشغل مرتبة الألوهية، بل قد يدل على مركز من التوقير والسلطة بين الناس، وقد كان موسى إلها “إلوهيم” لفرعون (خر7: 1)، ولهرون (خر4: 16 – قارن قض5: 8، 1صم2: 25، خر21: 5 و6، 22: 7 وما بعده، مز58: 11، 82: 1). وعلى هذا مصطلح عام يعبر عن العظمة والنفوذ، وإستخدم كاسم علم لإله إسرائيل في الفترة المتأخرة من فترات التوحيد عندما اعتبر اسم العلم القديم “ياه” أو “يهوه” أقدس من أن يتردد على الشفاه، والغموض الكامل يلف معنى الأصل “إيل”، وحقيقة العلاقة بينه وبين “إلوهيم” و”إلوى” وأكثر الأشكال المستخدمة عند كتاب العهد القديم هو الاسم الجمع “الوهيم”. ولكنهم يستخدمونه بصورة منتظمة مع الأفعال والصفات المفردة للدلالة على “مفرد” وقد قدمت تفسيرات عديدة لاستخدام صيغة الجمع للدلالة على مفرد، مثل أنها تعبر عن الكمال والتعدد في الطبيعة الإلهية، أو أنها جمع جلالة أو عظمة كما يخاطب الملوك، أو أنها إشارة مبكرة للثالوث، ونجد تعبيرات أخرى من هذا النوع (تك1: 26، 3: 22، 1مل22: 19 و20، إش6: 8)، وقد تكون هذه النظريات أبرع من أن تخطر على بال العقلية العبرية في ذلك الزمن المبكر، وهناك من يظن أنها أثار لغوية باقية من مرحلة سابقة من مراحل الفكر هي مرحلة تعدد الآلهة، وفي العهد القديم تشير فقط إلى الفكرة العامة عن الألوهية.

 

2 – الأسماء الوصفية: لتمييز “إله إسرائيل” باعتباره أسمى عن كل الآخرين المدعويين آلهة، كثيرا ما تضاف ألقاب وصفية. “فايل عليون” يشير إلى إله إسرائيل كالأعلى بين الآلهة (تك14: 18–20)، وهكذا “ياه عليون” الرب العلي (مز7: 17) و”عليون” (العلي) فقط يتكرر كثيرا في المزامير وفي إشعياء (14: 14).

 

 إيل شداي فقط، مصطلح يترجم بناء على تقليد قديم “الله القدير” ولكن إشتقاقه ومعناه غير معروفين تماما.

 

 وهناك أسلوب آخر للدلالة على الله، وذلك عن طريق علاقته بعابديه، كإله إبراهيم وإسحق ويعقوب (تك 24: 12، خر 3: 6)، وإله سام (تك 9: 26)، وإله العبرانيين (خر 3: 18، فإله إسرائيل 33: 20).

 

 وقد استخدمت بعض الأسماء للتعبير عن قوة الله وعظمته، وهي “صخر” (تث32: 18، إش30: 29) و”العزيز” (تك49: 24، إش1: 24، مز132: 2) و”الملك” و”السيد” (أو المولى) و”سيدي” (خر23: 17، إش10: 16 و33، تك18: 27، إش6: 1) وكذلك “بعل” أي “المالك” أو “السيد” حيث أنه يظهر في بعض أسماء الأعلام العبرية مثل يربعل وأشبعل وهذه الأسماء الأخيرة تصف الله كالسيد الذي يقف الإنسان منه في موقف الخادم ولكن بطل استعمالها عندما نشأت الحاجة إلى تمييز عبادة الله عن عبادة آلهة الأمم المجاورة، وهناك مصطلح له معنى غير معروف تماما هو يهوه صباءوت (رب الجنود) أو “إلوهيم صباءوت” (أو إله الجنود) وفي المفهوم العبري قد تعنى الكلمة جيشه من الرجال أو الكواكب والملائكة فهما معا أو كل منهما على انفراد “جند السماء”، وقد كان رب الجنود في الأزمنة المبكرة يعنى “إله الحرب” الذى قاد جيوش إسرائيل (1صم4: 4، 2صم7: 8)، وفي 1صم17: 45 يقابل هذا اللقب “إله صفوف (جيوش) إسرائيل”، ولذلك فإن كل إسرائيل يطلق عليهم “أجناد الرب” (خر12: 41)، وفي الأنبياء حيث أصبح “رب الجنود” هو الاسم الشائع الاستعمال، فإنه يشير إلى جميع أشكال قوة الله وعظمته الطبيعية والأدبية (كما في إش2: 12، 6: 3 و 5، 10: 23 و33)، وهو يظهر جنبا إلى جنب معها اللقب المميز الذي يستخدمه إشعياء “قدوس إسرائيل” (أش 5: 16 و 24) ومن هنا جاء الاعتقاد بأنه يشير إلى أجناد السماء، وهو في الواقع يستخدم اسم علم في الأنبياء، وقد يكون معناه الأصلي قد نسى أو سقط، ولكن لا يستتبع ذلك أن دلالة خاصة جديدة كانت مرتبطة بالكلمة “جنود” والمعنى العام للمصطلح كله تعبر عنه الترجمة السبعينية “الرب كلي القدرة”.

 

3– يهوه: وهذا هو اسم العلم الشخصي لإله إسرائيل كما كان كموش إله موآب وداجون إله الفلسطينيين، ولا نعرف المعنى الأصلي ولا مصدر اشتقاق الكلمة، وتظهر النظريات الحديثة المتنوعة انه من ناحية تاريخ اللفظ وأصله فإنه من الممكن وجود جملة اشتقاقات ولكن لأن المعاني المرتبطة بأي منها هي دخيلة على الكلمة ومفروضة عليها، فهي لا تضيف لمعرفتنا شيئا والعبرانيون أنفسهم ربطوا الكلمة مع كلمة “هياه” أو (حياة) أو “يكون” ففي الخروج (3: 14) يعلن الرب بأنه “أهيه” وهو صيغة مختصرة ل “إهيه أشير إهيه” المترجمة “أهية الذي أهيه” أي “أنا هو الذي أنا هو” ويظن أن هذا يعني “الوجود الذاتي” للتعبير عن الله كالمطلق، ومع هذا فإن مثل هذه الفكرة يمكن أن تكون تجريداً ميتافيزيقيا مستحيلا ليس فقط بالنسبة للعصر الذي ظهر فيه الاسم ولكنه أيضا غريب عن العقل العبراني في أي وقت والترجمة الدقيقة للفعل الناقص “إهيه” هي “أكون الذي أكون” وهو مصطلح سامي معناه “سأكون” كل ما هو لازم حسبما يقتضي الحال وهي فكرة شائعة في العهد القديم (انظر مز 23).

 

 وقد كان هذا الاسم مستخدما منذ عصور التاريخ المبكرة إلى ما بعد السبي، وهو موجود في أقدم الأسفار وطبقا لما جاء في الخروج (3: 13) وبخاصة في الخروج (6: 2 و3) “كان موسى أول من ذكره وكان وسيلة لإعلان جديد إلى أبناء إسرائيل عن إله آبائهم، ولكن في بعض الأجزاء من سفر التكوين يبدو أنه كان مستخدما منذ العصور المبكرة، والنظريات التي تنادي باشتقاقه من مصر أو أشور أو التي تربطه إتمولوجيا (من ناحية أصل اللفظ وتاريخه) بزيوس أو غيره، لا يسندها أي دليل.

نشرت تحت تصنيف مقالات لاهوتيه, موضوعات كتابيه, مسيحيات, روحانيات | Leave a Comment »

أريـــد أن أرى الله

Posted by Akristus_Anstee على 23 مايو 2011


أريد أن أرى الله

 يسأل الصغار: أين الله؟ وغالباً ما يضيفون: أريد ان أرى الله. ماذا نقول لهم؟

ج: هذا سؤال يأتي من ولد سمع كلاما عن الله منذ ولادته. تربى في عائلة مسيحية، ترسم امه علامة الصليب عليه وقت النوم وتقول له: “الله يحميك”. تريه الأيقونات، تجعله يقبّلها. يعيش بحضور الله وتحت نظره. ان رغبته في رؤية الله شرعية. يقول الكتاب المقدس ان الإنسان لا يستطيع ان يرى الله ويعيش. وقد درسنا فعلاً بأي حرص ظهر الله لموسى وايليا كي لا يميتهما. عندما مرّ الله أمام موسى في نقرة الصخرة ظلله بيده. وعندما وقف ايليا أمام المغامرة، لم يأتِ الله في الريح الشديدة ليُكسّر ولا في الزلزلة ليهدم، ولا في النار ليحرق، لكن الله أتى في النسيم اللطيف وأنقذ ايليا.

 

لكن كيف نرى الله؟

ج: أعدّنا الله للالتقاء به عندما تجسّد ابن الله، وصار “ابن” الإنسان. لم يظهر في مجده لأن البشر لم يكن في استطاعتهم أن يتحمّلوه. صار شبيهاً بهم. اتخذ الصورة الإنسانية، وصورة العبد حتى النهاية. لم يكن هناك أي شيء يُظهر ألوهية يسوع. لقد ظهر كإله بنوع خاص حين معموديته وحين تجلّيه. كشفت معموديته في الأردن أن يسوع هو ابن الله، الأقنوم الثاني في الثالوث. رآه يوحنا المعمدان وشهد له. عند التجلّي رأى الرسل الثلاثة بطرس ويعقوب ويوحنا يسوعَ يُضيء في مجده الإلهي على جبل ثابور بحضور شاهدين كبيرين كانا قد رأيا المجد نفسه زمن العهد القديم هما موسى وإيليا، وأتيا يوم التجلّي يؤكدان ان الامر يتعلّق فعلا “بالنور” نفسه وبالله نفسه.

 

ماذا حدث على جبل ثابور؟

ج: اقرأ في الانجيل (متى 17: 1-9؛ مرقس 9: 2-9؛ لوقا 9: 28-36) ما يرويه لنا، واستعد لسماع التراتيل يوم عيد التجلي في 6 آب – اي بعد غد. أنصحك أيضا بتأمل أيقونة التجلّي وأنت تقرأ الانجيل. لقد أرسلنا اليكم أيقونة التجلي مع شرح بسيط (العدد 32 سنة 1995). يمكنك ان تراجع أيضا “كلمة الراعي العدد 31 سنة 2001، العدد 31 سنة 1996 والعدد 32 سنة 1993. اليك بعض الملاحظات للمساعدة: المسيح في وسط الأيقونة مشعّ بالنور. أشعّة النور تخرج من المسيح وتشكّل نجمة تدخل في دائرة. هذا يكشف لنا ان هذا النور غير النور الذي توّلده الشمس. هذا النور الذي ينبثق من المسيح ورآه التلاميذ هو مجد الله. القديس يوحنا الإنجيلي الذي كان حاضرا على الجبل يقول لنا: “وقد أبصرنا مجده، مجد وحيد من الآب مملوءا نعمة وحقا” (يوحنا 1: 14).

 

 النور يخرج من الشمس. وعندما ارسم انا، ارسم شمساً فوق لأُظهر انه النهار.

ج: نعم وكل الرسامين ينوّرون لوحاتهم بمصدر للنور. على العكس من ذلك فإن أيقونة التجلّي تبيّن ان المسيح كان يشعّ كالشمس، وليس أن الشمس أضاءته. وليس هناك ظلّ على الأيقونة، لا ظلّ الجبل ولا ظلّ الأشخاص كما لو كانوا يُضاؤون بمصباح او نار او كوكب. ان المسيح هو حقّا الذي يعطي النور، ونوره لا ظلّ له، لأنّه من طبيعة اخرى.
المسيح هو ابن الله، نور من نور، إله حق من إله حق، غير مخلوق، مولود من الآب، كما في دستور الإيمان. إنه يشعّ على جبل ثابور بنور غير مخلوق.

 

 

نشرت تحت تصنيف منوعات, موضوعات كتابيه, موضوعات عامة, مسيحيات, حوارات حره, روحانيات, غير مصنف | Leave a Comment »

إنجيل يوحنا كيف كتب؟ وكيف وصل إلينا؟

Posted by Akristus_Anstee على 23 مايو 2011


إنجيل يوحنا كيف كتب؟ وكيف وصل إلينا؟

القمص عبد المسيح بسيط أبو الخير

كاهن كنيسة السيدة العذراء الأثرية بمسطرد

 

بعد أن دُونت الأناجيل الثلاثة الأولى قبل سنة 70م، دون القديس يوحنا تلميذ الرب والرسول الذى كان أحد التلاميذ الثلاثة المقربين من الرب، بل والتلميذ الذى كان الرب يحبه والذى اتكأ على صدره وقت العشاء، والذى سلمه السيد المسيح والدته وهو على الصليب ليرعاها كأمه. وقد دون الإنجيل فى نهاية القرن الأول الميلادى حيث كان التلميذ الوحيد الباقى من تلاميذ الرب على قيد الحياة، فقد سبق أن وعده الرب بالعمر الطويل(240). وكان القديس يوحنا بطبيعته مؤهلاً من الروح القدس ليحفظ أعمق كلمات السيد المسيح اللاهوتية والروحية، وقد دون الإنجيل كما قال فى نهايته “وأما هذه فقد كُتبت لتؤمنوا إن يسوع هو المسيح ابن الله ولكى تكون لكم إذا آمنتم حياة بأسمه(241)”. ولأنه دون هذا الإنجيل بهدف تأكيد الإيمان بأن يسوع هو “المسيح ابن الله”، كما دونه بعد انتشار الأناجيل الثلاثة الأولى بسنوات، لذا فقد تجنب ذكر أكثر ما دُون فيها وركز على تدوين أعمال السيد وأقواله التى تمت فى قانا الجليل واليهودية والسامرة وبيت عنيا وحواراته مع رؤساء اليهود فى أورشليم والهيكل وخطابه الوداعى الطويل بعد العشاء وصلاته الأخيرة قبل القبض عليه، كما دون شهادة يوحنا المعمدان عن المسيح كحمل الله الذى يرفع خطية العالم وكونه ابن الله النازل من السماء. وقد بدأ القديس يوحنا هذا الإنجيل بمقدمة لاهوتية تبرهن كون المسيح “كلمة الله” الأزلى والخالق الذى نزل فى ملء الزمان و”إتخذ جسداً وحل بيننا ورأينا مجده(242)”. وقد ركز على تسجيل أقوال المسيح التى تعلن إنه “كلمة الله” و”ابن الله” و”نور العالم” و”مخلص العالم” و”الواحد مع الآب” فى الجوهر والإرادة والعمل، و”الطريق والحق والحياة” و”حمل الله الذى يرفع خطية العالم” و”الراعى الصالح” و”الملك السمائى” و”النازل من فوق” و”ماء الحياة” و”خبز الحياة” و”شافى الأمراض الميئوس من شفائها” و”خالق العينين للأعمى” و”محى الميت الذى تعفن جسده” وكلى القدرة الذى لا يستحيل عليه شئ “مهما عمل ذاك (الله الآب) فهذا يعمله الإبن كذلك(243)” وكلى المعرفة الذى لا يخفى عليه شئ، ومرسل الروح القدس، والموجود فى كل مكان، فى السماء وعلى الأرض فى آن واحد، … إلخ. ومن ثم فقد وصفه بعض آباء الكنيسة مثل إكليمندس الأسكندرى “بالإنجيل الروحى”، فهو “قدس أقداس” الأناجيل الأربعة بل والعهد الجديد.

وكما ركز القديس يوحنا على لاهوت المسيح فقد ركز أنها على ناسوته وإنسانيته وسجل أقوال كثيرة للرب عن تعبه وآلامه وجوعه وعطشه وأكله وشربه وكماله الجسمانى كإنسان مكون من لحم ودم وعظام، وكماله الإنسانى كإنسان مكون من جسد ونفس وروح. فقد سجل القديس يوحنا أقوال السيد وأعماله التى تبرهن على أنه ابن الله وكلمة الله الذاتى الذى نزل من السماء وحل بين البشر فى صورة إنسان بعد أن إتخذ جسداً “والكلمة صار جسداً وحل بيننا”، ومن ثم فقد قدم المسيح الإله والإنسان، الإله المتجسد، الذى كان هو ابن الله وكلمة الله وابن الإنسان وآدم الثانى، كلمة الله الذى صار جسداً وابن الإنسان الآتي على سحاب السماء وديان البشرية.

وقد دون القديس يوحنا الإنجيل الرابع وكتبه بالروح القدس، والقديس يوحنا هو الوحيد من الإنجيليين الأربعة الذى ذكر ودون أقوال السيد المسيح عن إرساله للروح القدس من الآب، ضمن خطابه الوداعى الطويل بعد العشاء الأخير وأوضح فيه عمل الروح القدس فى التلاميذ والرسل أثناء شهادتهم للمسيح ودوره معهم: “يعلمكم كل شئ ويذكركم بكل ما قلته لكم”، “فهو يشهد لى”، “فهو يرشدكم إلى جميع الحق … ويخبركم بأمور آتية ذاك يمجدنى لأن يأخذ مما لى ويخبركم(244)”. وهذا ما عمل الروح القدس تماماً مع القديس يوحنا أثناء كرازته وعند تدوينه للإنجيل، فقد علمه ما لم يكن يعلمه وذكره بما قاله وعمله الرب وشهد للسيد المسيح ومجده. كان الروح القدس هو ضامن الحق للصورة الإلهية فى الإنجيل الرابع وفى كل العهد الجديد، هذه الصورة التى لا يمكن لفنان مهما كان إيداعه فى فنه أن يرسمها بدون وحى إلهى وعمل الروح القدس، وقد أصبح الإنجيل الرابع وكل العهد الجديد، كما يقول المؤرخ الكنسى فيليب شاف لغز فى تاريخ الأدب وغير قابل للحل العقلى.

وقد آمنت الكنيسة ولمدة ثمانية عشر قرنأ تقريباً على امرأة كاتب الإنجيل الرابع هو القديس يوحنا الرسول، تلميذ المسيح الذى كان يحبه إلى امرأة جاء من يدعى إيفانسون Evanson الإنجليزى (1792م) وقال بناء على ما تصور إنه اختلاف بين أسلوب سفر الرؤيا وأسلوب الإنجيل الرابع وزعم امرأة هذا الإنجيل لم يكتبه القديس يوحنا بل كتبه فيلسوف أفلاطونى من القرن الثانى، وانقسمت أراء النقاد بعد ذلك ودار بينهم صراع ما تزال آثاره موجودة، وتلقف أراء النقاد هذه بعض المهتمين بدراسة مقارنة الأديان فى الشرق دون امرأة يهتموا بالمرة بالبراهين التى قدمها علماء الكنيسة أو بما تطورت إليه أراء هؤلاء النقاد بعد ذلك لأنها لا تحقق أهدافهم. وقد تراجع النقاد ومن تبعهم من العلماء عن هذه الآراء أمام البراهين الساطعة التى تأكدت تباعاً حتى وصلوا إلى حقيقة هامة ومجمع عليها، وهى أن هذا الإنجيل، الرابع وثيق الصلة بالقديس يوحنا ولا يبعد عنه بأى حال من الأحوال، فقد خرج من دائرته ومن تسليمه ومن تعليمه. وانقسمت أراء هؤلاء النقاد والعلماء إلى ثلاثة اتجاهات كلها تبدأ من القديس يوحنا وتنتهى إليه، وهى:

 أن القديس يوحنا قد كتب هذا الإنجيل بمعونة أحد تلاميذه الذين كانوا معه، وهذا التلميذ لم يذكر اسمه وتحت ضغط القديس يوحنا لم يجعل أسمه، اسم القديس يوحنا، واضحاً فى طيات الكتاب.

أن واحداً من تلاميذ القديس يوحنا قد جمع هذا الإنجيل واستخدم فى ذلك مذكرات أو مواعظ القديس يوحنا التى سمعها منه.

إنه كانت هناك مدرسة أسمها مدرسة يوحنا انتشرت فيها أفكار ومواعظ ومذكرات القديس يوحنا عن السيد المسيح، وهذه المدرسة هى المسئولة عن جمع هذا الإنجيل وكتابته.

ولكننا نؤمن إيمان راسخ مبنى على الحق والواقع ومؤيد بالدليل والبرهان على أن مدون هذا الإنجيل، الرابع، وكاتبه بالروح القدس هو القديس يوحنا، وبنفسه، سواء كان قد كتبه بقلمه أو أملاه على أحد تلاميذه.

 

1- البرهان الخارجى على امرأة كاتب الإنجيل هو القديس يوحنا:

والبرهان الخارجى على امرأة القديس يوحنا هو مدون الإنجيل الرابع يتأكد لنا من الانتشار الواسع واستخدام آباء الكنيسة له منذ نهاية القرن الأول وبداية القرن الثانى وكذلك انتشاره فى أوساط الهراطقة واستخدام أعداء المسيحية والوثنيين له، وكذلك ترجمته إلى أقدم الترجمات (السريانية واللاتينية والقبطية) ووجوده فى أقدم المخطوطات القديمة، بل أن أقدم مخطوطة للعهد الجديد على الإطلاق هى لهذا الإنجيل وترجع لما بين 117 و135م.

 

أولاً: الآباء الرسوليين:

كان مضمون وجوهر الإنجيل للقديس يوحنا فى فكر هؤلاء الآباء وعقولهم، وعلى الرغم من انهم لم يقتبسوا من آياته مباشرة إلا أنهم استخدموا جوهرها ومضمونها مما يدل على وجود الإنجيل نفسه فى محيطهم ووسطهم.

(1)- إكليمندس الرومانى (95م): والذى نجد فى رسالته إلى كورنثوس أربعة نصوص متأثرة بصورة واضحة بآيات الإنجيل للقديس يوحنا:

 “يتمجد اسم الرب الحقيقى الوحيد” (1: 43) مع يو 28: 12 “أيها الآب مجد إسمك” يو 3: 17 “أنت الإله الحقيقى وحدك”.

 “من كان له حب فى المسيح فليحفظ وصايا المسيح” (1: 49) مع يو 15: 14 “إن كنتم تحبونى فأحفظوا وصاياى”.

 يسوع أعطى من جسده من أجل أجسادنا” (6: 49) مع يو 51: 16 “والخبز الذى أنا أعطى هو جسدى الذى أبذله من أجل حياة العالم”.

 “طهرنا بتطهير حقك” (2: 60) مع يو 17ك17 “قدسهم فى حقك”.

(2)- رسالة برنابا (حوالى 100م): يستخدم كاتب الرسالة نفس فكر المسيح فى حديثه مع نيقوديموس فى شرح العلاقة الرمزية بين الحية النحاسية التى رفعها موسى فى البرية وبين مجد المسيح على الصليب “فقال لهم موسى: عندما يلسع أحدكم فليتقدم من الحية المرفوعة على الخشبة وليأمل فى إيمان بأنه رغم ميته قادرة أن تعطى حياة وسيخلص فى الحال. وفعلوا هكذا. فى هذا أيضا لديكم مجد يسوع ثانية، لأن كل الأشياء فيه وله” (17: 12) مع يو 14: 3 “وكما رفع موسى الحية فى البرية هكذا ينبغى امرأة يرفع ابن الإنسان”.

(3)- أغناطيوس الأنطاكى: تلميذ بطرس الرسول وقد استخدم جوهر آيات القديس يوحنا ونفس لغته يقول فى رسالته إلى مجنيسيا (1: 7) “وكما كان الرب متحداً مع الآب ولم يفعل شيئاً بدونه سواء بذاته أو من خلال الرسل، كذلك أنتم لا تفعلوا شيئاً بدون الأسقف والقسوس” مع يو 19: 5 “لا يقدر الابن أن يفعل من نفسه شيئاً إلا ما ينظر الآب يعمل” يو 28: 8 “ولست أفعل شيئاً من نفسى بل أتكلم بهذا كما علمنى أبى”.

ويقول فى رسالته إلى روما “رئيس هذا العالم يريد أن يخطفنى … لا يوجد فىّ نار الحب للأشياء المادية ولكن فقط ماء حى … أريد خبز الله الذى هو جسد يسوع المسيح”. وهذه التعبيرات “رئيس هذا العالم”، “ماء حى”، “خبز الله” مأخوذة من أقوال السيد المسيح المدونة فى الإنجيل للقديس يوحنا (يو 30: 14؛ 31: 12؛ 11: 16؛ 10: 4؛ 38: 7؛ 36: 36). ويقول فى الرسالة إلى فيلادلفيا (1: 9) “هو باب الآب” مع يو 9: 10 “أنا هو الباب”.

ويقول فى الرسالة إلى أفسس (1: 6) “لأن كل من يرسله رب البيت ليدبر شئونه يجب امرأة نقبله كما نقبل الذى أرسله” مع يو 20: 13 “الذى يقبل من أرسله يقبلنى. والذى يقبلنى يقبل الذى أرسلنى”.

(4)- كتاب الراعى الهرماس (100-145م): يستخدم روح وجوهر الإنجيل فى قوله “لا يقدر الإنسان أن يدخل ملكوت الله إلا من خلال اسم أبنه، الذى هو محبوبه … الباب هو ابن الله، هذا هو المخل الوحيد للرب. لا يمكن لإنسان امرأة يدخل إليه إلا من خلال أبنه” (مثل 9ف 5: 2) مع يو 6: 14 “أنا هو الطريق والحق والحياة. ليس أحد يأتى إلى الآب إلا بى”.

ويقول فى مثل 5 ف 3: 6 “عندما طهر خطايا الشعب أراهم طريق الحياة وأعطاهم الناموس الذى تسلمه من أبيه”.

(5)- الدياديكية (100م): والتى نجد فيها ظلال الإنجيل الرابع إذ أن كليهما يستخدمان لغة واحدة فى الافخارستيا، وقد جاء فيها “وكما أن هذا الخبز كان منثوراً فوق الجبال ولكنه جمع معاً وصار خبزاً واحداً” (4: 9) مع يو 52: 11 “ليجمع أبناء الله المتفرقين إلى واحد”، وجاء “نقدم لك الشكر أيها الآب القدوس من اجل أسمك القدوس الذى جعلته يسكن فى قلوبنا” مع يو 11: 17 “أيها الآب القدوس أحفظه فى أسمك”. وجاء فى (5: 10) “تذكر يا رب كنيستك لتخلصها من كل شر وتكملها فى حبك” مع يو 15: 17 “أسأل … أن تحفظهم من الشرير … ليكون فيهم الحب الذى أحببتنى به”.

 

ثانياً: تلاميذ القديس يوحنا (الشيوخ):

يقول إريناؤس أسقف ليون (Adr. Haer. 2: 22) وينقل عنه يوسابيوس القيصرى أن القديس يوحنا سلم لتلاميذه، الشيوخ، الإنجيل مكتوباً “جميع الشيوخ الذين رافقوا يوحنا تلميذ الرب فى آسيا يحملون الشهادة أن يوحنا سلمه (أى الإنجيل) إليهم. لأنه بقى معهم حتى حكم تراجان(245)”.

ومن هؤلاء التلاميذ بوليكاربوس الذى أقتبس من رسالة القديس يوحنا الأولى وكانت روح الإنجيل متجلية بوضوح فى رسالته.

 

ثالثاً: البردية إيجرتون 2 Pap. Egerton 2:

والتى يرى غالبيه العلماء إنها ترجع لنهاية القرن الأول أو بداية القرن الثانى وأكثرهم تطرفاً رجع بها إلى ما قبل سنه 150م، ومحفوظة فى المتحف البريطانى بلندن وتتكون من ورقتين وثالثه تالفة وتحتوى على نصوص من الأناجيل الأربعة منها أربعه نصوص تتطابق مع (يوحنا 39: 5، 45، 29: 9، 30: 7، 39: 10) وهذه هى: “قال (يسوع) لحكام الشعب هذه الكلمة فتشوا الكتب التى تظنون أن لكم فيها حياه. فهى التى تشهد لى”، ” لا تظنوا إنى جئت لأشكوكم إلى الآب، يوجد الذى يشكوكم وهو موسى الذى عليه رجاؤكم”، “نحن نعلم إن موسى كلمه الله، وأما أنت فلا نعلم (من أين أنت) فأجاب يسوع وقال لهم لقد قام الاتهام الآن على عدم إيمانكم…”، لأنكم لو كنتم تصدقون موسى، لكنتم تصدقوننى لأنه هو كتب عنى لآبائكم”.

 

رابعاً: مخطوطة جون ريلاندز (ب 52) P 52:

والتى تحتوى على (يوحنا 31: 18 – 34، 37-38) وقد اكتشفت فى صحراء الفيوم بمصر سنه 1935م ويؤرخها معظم العلماء بسنه 125م، وهى من أقوى الأدلة على سرعة وكثافة انتشار الإنجيل للقديس يوحنا وعلى إنه قد كتب قبل نهاية القرن الأول، فإذا كان الإنجيل قد كتب فى أفسس بآسيا الصغرى وأنتشر فى مصر فى مثل هذا التاريخ، فهذا يعنى إنه كتب قبل ذلك على الأقل بحوالى 30 سنه أو أكثر.

 

خامساً: يوستينوس الشهيد:

والذى كتب فى النصف الأول من القرن الثانى والذى يعتبر اقتباسه من الإنجيل للقديس يوحنا برهاناً حاسماً على انتشار هذا الإنجيل فى بداية القرن الثانى وبالتالى وجوده قبل ذلك فى نهاية القرن الأول. وقد حاول بعض النقاد أن يبطلوا هذا البرهان، الذى برهن عليه بصوره حاسمة وقاطعه ساندى Sanday فى إنجلترا وعذار ابوت Ezra Abbot فى أمريكا، ولم يستطيعوا. وفيما يلى أهم اقتباساته من الإنجيل للقديس يوحنا، وإن كان يعتمد على الذاكرة فى اقتباسه أكثر من النقل من الإنجيل مباشرة:

 يقول فى الدفاع 61: 1 “لأن المسيح قال أيضاً: أن لم تولدوا ثانية لن تدخلوا ملكوت السموات، وهذا يعنى إنه من المستحيل لأولئك الذين ولدوا مرة أن يدخلوا أرحام أمهاتهم”.

وهذا النص مأخوذ مباشرة من (يوحنا 3: 3-5) “إن كان أحد لا يولد من فوق لا يقدر أن يرى ملكوت الله. قال له نيقوديموس كيف يمكن الإنسان أن يولد وهو شيخ؟ ألعله يقدر أن يدخل بطن أمه ثانيه ويولد؟ أجاب يسوع… أن كان أحد لا يولد من الماء والروح لا يقدر أن يدخل ملكوت الله”.

وقد حاول بعض النقاد أن يوهموا بأن يوستينوس قد استعان بما جاء فى (متى 3: 18) “أن لم ترجعوا وتصيروا مثل الأولاد فلن تدخلوا ملكوت السموات”، ولكن هذه المحاوله باءت بالفشل لأن نص يوستينوس ينفق فى المعنى والمضمون والنص مع القديس يوحنا لأن كليهما يتكلمان عن الولاده الآباء من الماء والروح، كما أن يوستينوس يلمح لقول نيقوديموس عن فكره الرجوع لبطن الأم أو الأرحام، فى حين أن نص الإنجيل للقديس متى يتكلم عن البساطه ونقاوه القلب، إذ يقول “فى تلك الساعه تقدم التلاميذ إلى يسوع قائلين فمن هو أعظم فى ملكوت السموات. فدعا يسوع إليه ولداً وأقامه فى وسطهم. وقال الحق أقول لكم إن لم ترجعوا وتصيروا مثل الأولاد فلن تدخلوا ملكوت السموات. فمن وضع نفسه مثل هذا الولد فهو الأعظم فى ملكوت السموات” (متى 1: 18-4).

جاء فى حوار 88 “ولكنه (يوحنا المعمدان) صاح لهم: أنا لست المسيح، بل صوت صارخ، لأن الذى هو أقوى منى سيأتى الذى لست بمستحق أن أحمل حذاءه”. وهذا النص مأخوذ من (يوحنا 20: 1و 43) “وأقر أنى لست المسيح.. أنا صوت صارخ فى البرية” و (ع27) “هو الذى يأتى بعدى الذى صار قدامى الذى لست بمستحق أن أحل سيور حذائه”.

وبرغم تقارب نص يوستينوس مع الأناجيل الثلاثة الأولى، إلا إنه متفق بصوره أدق وأقوى مع القديس يوحنا لأنه استخدم عبارات جاءت فى الإنجيل الرابع فقد “أنا لست المسيح”، “لأن الذى هو أقوى منى سيأتى”.

جاء فى دفاع 63: 1 “لا يعرفون الآب ولا الأبن، أى اليهود، وهذا يتفق مع ما جاء فى (يوحنا 19: 8) “لستم تعرفوننى أنا ولا أبى” و (يوحنا 3: 16) “لأنهم لم يعرفوا الآب ولا عرفونى”.

جاء فى دفاع 22: 1 أن المسيح “شفى كل المقعدين والمشلولين والذين ولدوا عميان” ولم تذكر.

الأناجيل الثلاثة الأولى أن المسيح شفى أحد المولودين عميان، بل هذا ما جاء فى الإنجيل للقديس يوحنا فقط وبه فصل كامل (ص9) عن المولود أعمى الذى صنع له عينان من طين.

جاء فى دفاع 13: 1 “معلمنا هذه الأمور هو يسوع المسيح ولد لهذا الغرض أيضاً وصلب فى حكم بيلاطس البنطى”، واضح هنا إنه يشير لقول المسيح لبيلاطس “لهذا قد ولدت أنا ولهذا قد أتيت إلى العالم” (37: 18).

جاء فى دفاع 66 “تعلمنا أن الخبز والخمر كانا جسد ودم يسوع الذى صار جسداً” والعبارة الأخيرة “صار جسداً” مأخوذة مباشرة من (يوحنا 14: 1) “والكلمة صار جسداً وحل بيننا”.

 جاء فى دفاع 60: 1 “أخذ موسى بإلهام الله وتأثيره نحاس وصنع (الحية) على شكل الصليب”، وفى (حوار 91) يشير إلى الحية النحاسية كرمز للصلب والصليب، ويقول أن الحية النحاسية لم تكن هى سبب نجاة من لدغتهم الحيات بل كانت مقصودة “لخلاص أولئك الذين يؤمنون أن الموت قد أعلن أنه سيأتى فى الحية خلال الذى سيصلب” لأن الله “أرسل أبنهُ للعالم ليُصلب. لأن روح النبوة فى موسى لم تعلمنا أن نؤمن بالحية”. وهذا مبنى على قول السيد المسيح الذى جاء فى (يوحنا 14: 3) “وكما رفع موسى الحية فى البرية هكذا ينبغى أن يرفع أبن الإنسان لكى لا يهلك كل من يؤمن به بل له الحياة الأبدية”.

وهناك برهان حاسم يؤكد لنا وجود الإنجيل للقديس يوحنا بين يدى يوستينوس، وهذا البرهان الحاسم هو شرحه لعقيدة “الكلمة Logos” كما جاء فى مقدمة الإنجيل للقديس يوحنا تماماً.

ا- يقول فى دفاع 23: 1 “يسوع المسيح بمعنى أوضح هو أبن الله الوحيد كونه كلمته (Logos) وبكر قوته الذى خلق كل شئ وأقامه به”.

ب- ويقول فى 63: 1 “كلمة (Logos) الله هو ابنه…”.

ج- ويقول فى 13: 2 “نعبد ونحب الكلمة (Logos) الذى من الله وغير المولود وغير المنطوق به، فقد صار بشراً لأجلنا”.

د- ويقول فى 5: 1 “الكلمة (Logos) ذاته الذى اتخذ شكلاً وصار بشراً ودعى يسوع المسيح”.

و- ويقول فى 6: 2. “الكلمة الذى كان معه أيضاً”.

وهذه التعبيرات “الكلمة” و “أبن الله الوحيد”، الذى خلق كل شئ وأقامه به” و “صار بشرأً” و “إتخذ شكلاً وصار بشراً” خاصة بالإنجيل للقديس يوحنا، وكلها مأخوذة من الإصحاح الأول. ونظراً للتطابق التام بين هذه النصوص فقد أقر كثيرون من النقاد بصحة استشهاد يوستينوس بالإنجيل للقديس يوحنا.

 

سادساً: هيراكليون وتفسير الإنجيل للقديس يوحنا:

كتب هذا الرجل الهيرطوقى، الذى أشرنا إليه أعلاه، تفسيراً للإنجيل يوحنا فى النصف الأول من القرن الثانى، هذا التفسير علق عليه أوريجانوس فيما بعد. وهذا يدل على انتشار الإنجيل فى بداية القرن الثانى بصورة واسعة حتى دعت الحاجة لتفسير آياته. ويعلق على ذلك أحد العلماء ويعدى فولكمار Volkmar بقوله “أيها الإله العظيم إذا كان قد تألف تفسيراً لإنجيل يوحنا فيما بين 125 و 155م ومثل هذا التفسير قد حفظ منه أوريجانوس قطعاً معتبرة، فماذا يبقى لنا للمناقشة؟”.

 

سابعاً: ثاؤفيلس أسقف إنطاكية (170-180م):

الذى أقتبس من الإنجيل لقديس يوحنا بالاسم “فى البدء كان الكلمة والكلمة كان عند الله، كقول يوحنا، الذى كان أحد الرجال حاملى الروح القدس”(246).

 

ثامناً: إيريناؤس أسقف ليون:

والذى تعتبر شهادته حاسمة ولا جدال فيها لأنه تسلمها من بوليكاريثوس تلميذ القديس يوحنا مباشرة. وكانت شهادته هى شهادة الكنيسة الجامعة فقد كانت مبنية على الرسول يوحنا ذاته الذى لم يكن بينهما سوى حلقة واحدة فقط.

ونظراً لما لشهادته من قيمة فقد حاول النقاد بكل جهدهم أن يقللوا من شأنه ولكنهم فشلوا فشلاً ذريعاً أمام مركزه التاريخى وما كان لديه من وسائل ووثائق كتب بناء على ما جاء فيها دفاعه عن العقيدة فى كتبه ضد الهراطقة. ويقول عن كتابة القديس يوحنا للإنجيل الرابع “نشر يوحنا تلميذ الرب الذى اتكأ على صدره الإنجيل عندما كان فى أفسس فى أسيا”.

وقد شهد أيضاً لكتابة القديس يوحنا للإنجيل الرابع تاتيان تلميذ يوستينوس الذى ضم آياته فى كتابه الدياتسرون والوثيقة الموراتورية وترتليان فى شمال أفريقيا وأكليمندس الأسكندرى وأوريجانوس وغيرهم من آباء كنيسة الآرامي ويوسابيوس فى قيصرية وجيروم فى روما وغيرهم من آباء الكنيسة وعلمائها فى القرن الأولى.

 

تاسعاً: شهادة الكتب الأبوكريفية والهراطقة وأعداء المسيحية:

وما يدل على إن الإنجيل للقديس يوحنا قد كتب ونشر فى نهاية القرن الأول هو انتشاره بصورة واسعة ووجوده فى أيدى كُتاب الكتب الأبوكريفية والهراطقة وأيضاً الوثنيين الذين هاجموا المسيحية.

(1)- العظات الكليمندية: والتى كتبت فى بداية القرن الثانى، والتى أشارت إلى الأناجيل الأربعة بعبارة “أناجيلنا”، ثم اقتبست النصوص التالية من الإنجيل للقديس يوحنا:

“خرافى تسمع صوتى” وأيضاً “أنا هو باب الحياة، الذى يدخل بى يدخل إلى الحياة” Hom. 3: 52 (يو 7: 10،3،9).

“أجاب رّبنا على الذين سألوه بخصوص الرجل الأعمى منذ ولادته، الذى وهب له البصر، والذين سألوا أن كان هذا الرجل قد أخطأ أم أبواه حتى ولد أعمى، فأجاب لا هذا الرجل أخطأ ولا أبواه، بل لكى تظهر بواسطته قوة معالجاً خطايا الجهل…” hom. 19 وهذا ما جاء فى (يوحنا 2: 9،3).

(2)- كتاب البطاركة الأثنى عشر: والذى كتب فى بداية القرن الثانى وقبل الدمار الثانى لأورشليم سنة 130م هذا الكتاب يتحدث عن المسيح بألقابه التالية “نور العالم”، “المخلص”، “ابن الله”، “الأبن الوحيد”، “حمل الله”، “الله الآتى فى الجسد” ويقول “الروح يشهد للحق” وهذه كلها مأخوذة مباشرة من الإنجيل للقديس يوحنا.

(3)- مونتانوس الذى ظهر فى فريجيا سنة 140م وزعم أنه اللوجوس والباراقليط بناء على ما جاء فى الإنجيل للقديس يوحنا. ويرى العلماء إنه كتب فيما بين 120 و 140م.

(4)- مارسيون (140م) الذى قبل الإنجيل للقديس لوقا ورفض الأناجيل الثلاثة الأخرى، يقول ترتليان مؤكداً وجود الإنجيل للقديس يوحنا فى أيامه وقبل أيامه “إذا لم ترفض الكتابات المعارضة لنظامك فقد كان هناك إنجيل يوحنا ليقنعك”(247). وأكد فى رده عليه أنه كان يعرفه ولكنه رفضه(248).

(5)- فالنتينوس (136- 155م) الذى تأثر كثيراً بالإنجيل للقديس يوحنا وأقتبس منه (5: 3،6، 12: 9، 11: 14) ويقول لإيرناؤس أن أتباع فالنتينوس “يفندون أنفسهم فى المسألة الأكمل للإنجيلى بحسب يوحنا”(249).

(6)- باسيليدس (117 – 138م): يقول العلامة هيبوليتوس أن باسيليدس أقتبس من الإنجيل للقديس يوحنا قوله “كان النور الحقيقى الذى ينير كل إنسان آتياً إلى العالم”(250) يقول متى ارنولد M. Arnold فى كتابه “الله والكتاب المقدس” أن باسيليدس كان أمامه الإنجيل للقديس يوحنا (سنة 125م).

(7)- الاوفايتس والذى يقول عنهم إيرناؤس أنهم من أقدم الجماعات الغنوسية ويتحدث عنهم كأسلاف مدرسة فالنتينوس “آبائها وأمهاتها”(251). ويقول عنهم هيبوليتوس أنهم من أقدم الغنوسيين، ويقول أنهم استخدموا شهادات من الإنجيل للقديس يوحنا وهى (يوحنا 6: 3،3: 1،4،1: 2-11، مع إشارات قوية إلى ص35: 6،21: 8،33: 13،9: 10،21: 4،21: 9) ويقتبس أجزاء من كتب The Peratae التى تقتبس تكراراً من الإنجيل للقديس يوحنا(252).

(8)- كلسس الأبيقورى: هاجم المسيحية سنة 178م ورد عليه فيما بعد أوريجانوس، وقد هاجم الأناجيل الأربعة والفكر المسيحى والعقيدة المسيحية ككل وأقتبس كثيراً من الإنجيل للقديس يوحنا تضمنها رد أوريجانوس عليه. ويدل وجود الإنجيل بين يدى هذا الرجل الوثنى سنة 178م على أن هذا الإنجيل كان منتشراً قبل أيامه بكثير.

 

عاشراً: قانون أسفار العهد الجديد:

كان للإنجيل للقديس يوحنا مكانة ثابتة بين الأناجيل الأربعة التى لم يشك أحد مطلقاً فى وحيها وقانونيتها، فقد وُجد فى أقدم المجموعات، وفى أقدم الترجمات، فقد ترجم إلى السريانية واللاتينية والقبطية فى أقدم ترجماتها، ووجد فى قوائم الكتب القانونية الموحى بها والمقدسة، وأقرته جميع المجامع التى ناقشت قوائم الأسفار القانونية.

 

حادى عشر: أقدم المخطوطات:

ومن أقدم ما يقدم كبرهان حاسم على كتابة الإنجيل للقديس يوحنا فى القرون الأولى وانتشاره بكثافة فى بداية القرن الثانى هو أن أقدم المخطوطات التى وجدت هى لهذا الإنجيل الرابع فتوجد له البردية (ب52) وترجع لما بين 117 و 135م والبردية (ب66) وترجع لسنة 150م وتشتمل على الإنجيل بالكامل عدا بعض أجزاء تلفت صفحاتها، والبردية (ب75) وترجع لسنة 180م وتضم الجزء الأكبر من الإنجيل للقديس يوحنا والإنجيل للقديس لوقا، والبردية (ب45) وترجع لسنة 220م وتحتوى على أجزاء من الأناجيل الأربعة وسفر أعمال الرسل.

وهكذا تدل جميع الأدلة والبراهين على أن الإنجيل الرابع قد كُتب فى نهاية القرن الأول وكان منتشراً وبصورة كبيرة فى بداية القرن الثانى، وكان موجوداً مع أباء الكنيسة والهراطقة وأعداء الكنيسة، وأنه لم يشك أحد ولو للحظة أن مدونه وكاتبه بالروح القدس هو القديس يوحنا الحبيب تلميذ السيد المسيح ورسوله.

 

2- البرهان الداخلى:

لم يذكر القديس يوحنا أسمه فى الإنجيل كما لم يضعه على الإنجيل ولكن دون أن يقصد فقد ترك أثاراً على حقيقته وهويته وتقول من هو.

 

ا- الإعلان الذاتى فى الإنجيل:

يقول القديس فى مقدمة الإنجيل “ورأينا مجده مجداً”(253) والرؤيا المقصودة هنا هى الرؤية بالعين، الرؤية الفسيولوجية وليست الرؤيا الروحية، فهو يقول “والكلمة صار جسداً وحل بيننا ورأينا مجده وهذا يعنى أنه، هو، الكاتب، كان أحد شهود العيان، تلاميذ المسيح،كما قال فى رسالته الأولى “الذى سمعناه الذى رأيناه بعيوننا الذى شاهدناه ولمسته أيدينا”(254). وما يؤكده سياق نص الاية هو أن الكاتب القديس يريد أن يؤكد للقارئ أن الحقائق المدونة فى الإنجيل موثقة بشهادة شهود العيان ومدونه بواسطة أحد شهود العيان وعند الحديث عن طعم الجندي لجنب السيد المسيح بحربة يقول “لكن واحداً من العسكر طعن جنبه بحرية وللوقت خرج دم وماء. والذى عاين شهد وشهادته حق وهو يعلم أنه يقول الحق لتؤمنوا أنتم”(255)، وهنا نجد كلمات “عاين” و “شهادة” مع تأكيد إنه يقول الحق، وقد كتب ما شاهده وعاينه لكى يؤمن القراء “وهو يعلم إنه يقول الحق لتؤمنوا أنتم”، وهو يؤكد هنا شهادته، هو، بصفة فردية، كشاهد عيان لما حدث، وبما كتب.

وفى خاتمة الكتاب يقول “هذا هو التلميذ الذى يشهد بهذا وكتب هذا. ونعلم أن شهادته حق”(256). وهذه الآية تؤكد بصورة مطلقة وحاسمة أن كاتب الإنجيل هو شاهد عيان، فقد شاهد وشهد بكل ما كتبه فى الإنجيل.

وكشاهد عيان يذكر الزمان والمكان والتفاصيل الدقيقة، فيقول “وفى الغد”(257)، “وجاء إلى يسوع ليلا(258)، “وبعد اليومين خرج”(259)، “فى الساعة السابعة”(260)، “ولما كان المساء”(261)، “وفى اليوم الثالث كان عرس فى قانا الجليل(262)”، “هذا قاله يسوع فى الخزانة وهو يعلم فى الهيكل(263)”، “وكان يسوع يتمشى فى الهيكل فى رواق سليمان(264)”، “ولم يكن قد جاء إلى القرية بل كان فى المكان الذى لاقته فيه مرثا(265)”، وكذلك يذكر الأعداد “وكانت ستة أجران من حجارة موضوعة هناك حسب تطهير اليهود يسع كل واحد مطرين أو ثلاثة(266)”، “فلما كانوا قد جدفوا نحو خمسة وعشرين أو ثلاثين غلوة(267)”، “أما التلاميذ الآخرون فجاءوا بالسفينة لأنهم لم يكونوا بعيدين عن الأرض إلا نحو مئتى ذراع(268)”، “وجذب الشبكة إلى الأرض ممتلئة سمكاً كبيراً مئة وثلاثاً وخمسين(269)”، هذه الأرقام التى ذكرها والأوقات وتحديد الأماكن بكل دقة تدل دلالة قاطعة على أن الكاتب القديس عاشها بنفسه وشاهدها كشاهد عيان وكان أحد التلاميذ الأثنا عشر الذين عاشوا مع السيد المسيح ورافقوه فى كل مكان ذهب إليه.

ومن التفصيلات الدقيقة التى تؤكد وتقطع بأن الكاتب كان موجوداً شخصياً وعايش الأحداث كشاهد عيان تحديده للخمسة أرغفة بأنها كانت “أرغفة شعير(270)” ووصفه للطيب الذى “امتلأ البيت من رائحته(271)” وإيماء بطرس غليه للسؤال عن الخائن(272)، ووصفه لرد فعل الجنود عند القبض على المسيح(273)، وذكره لوزن الأطياب التى استخدمت فى تكفين المسيح “مزيج مر وعود نحو مئة منا(274)”.

وكان للكاتب القديس ملاحظاته الخاصة على ردود أفعال التلاميذ فى المواقف المختلفة. بعد تحويل الماء إلى خمر يقول “وأظهر مجده فآمن به تلاميذه(275)”، ولما كان مع المرأة السامرية “كانوا يتعجبون أنه يتكلم مع امرأة(276)”، وعندما نظروه ماشياً على الماء “خافوا”، ويعلق على بعض الأحداث بقوله “هذه الأمور لم يفهمها تلاميذه أولاً. ولكن لما تمجد يسوع حينئذ تذكروا أن هذه كانت مكتوبة عنه(278)”، كما كان له ملاحظاته على ردود أفعال السيد المسيح نفسه(279)، بل وقد ذكر أسماء أشخاص من التلاميذ وغيرهم فى مواقف معينة، وهذه الأسماء لم تذكر فى نفس المواقف فى الأناجيل الثلاثة الأخرى؛ ففى معجزة إشباع الجموع يذكر فيلبس وأندراوس(280)، ويذكر مريم أخت ليعازر التى دهنت المسيح بالطيب، كما يذكر اسم خادم رئيس الكهنة الذى قطع بطرس أذنه بالسيف وقت القبض على السيد المسيح(282)، ويذكر أسماء نثنائيل ونيقوديموس ولعازر الذين لم يذكروا فى الأناجيل الثلاثة الأخرى. والواضح أن أسلوب الكتابة عن هؤلاء الأشخاص أن الكاتب يعرفهم جيداً وبصفة شخصية، وكان حاضراً لتلك الأحداث التى كتب عنها بدقة وتفصيل.

 

ب- التلميذ المحبوب. من هو؟

يذكر الإنجيل هذا التلميذ المحبوب “الذى كان يسوع يحبه” فى خمسة مواقف هامة وكل منهم له مغزاه الخاص؛ وأول ما يذكر يذكر فى العشاء الربانى كأقرب واحد من السيد المسيح “وكان متكئاً فى حضن يسوع”، وعند حديث الرب عن التلميذ الخائن “وقال الحق الحق أقول لكم أن واحداً منكم سيسلمنى”، يقول الكاتب “وكان متكئاً فى حضن يسوع واحداً من تلاميذه كان يسوع يحبه. فأومأ إليه سمعان بطرس أن يسأل من عسى أن يكون الذى قال عنه. فاتكأ ذاك (التلميذ المحبوب) على صدر يسوع وقال له يا سيد من هو؟(283)”. إنه هنا أقرب التلاميذ إلى السيد والوحيد منهم الذى تجاسر على سؤاله عن الخائن. وهناك ملحوظة ذات اعتبار وهى ارتباطه بالقديس بطرس الذى أومأ إليه أن يسأل السيد. والموقف الثانى الذى يذكر فيه عند الصليب حيث نرى ثقة الرب فيه وهو يضع أمه القديسة العذراء فى أمانته وتحت رعايته “فلما رأى يسوع أمه والتلميذ الذى كان يحبه واقفاً قال لأمه يا امرأة هوذا أبنك. ثم قال للتلميذ هوذا أمك. ومن تلك الساعة أخذها التلميذ إلى خاصته(284)”. وفى الموقف الثالث عندما ذهبت المجدلية إلى قبر المسيح ووجدت الحجر مرفوعاً والقبر خالياً من الجسد فذهبت إلى بطرس وهذا التلميذ بصفة خاصة لتخبرهما بذلك “فركضت وجاءت إلى سمعان بطرس وإلى التلميذ الآخر الذى كان يسوع يحبه وقالت لهما اخذوا السيد من القبر ولسنا نعلم أين وضعوه(285)”، وذهب الإثنان إلى القبر وبعدما شاهدا ما يبرهن على قيامة الرب يركز الكاتب فى تعليقه على هذا التلميذ فقط بقوله “ورأى فآمن(286)”. أما الموقف الرابع فهو عندما ذهب سبعة من التلاميذ ليصطادوا على بحر طبرية بعد القيامة وظهور الرب لهم، وهؤلاء التلاميذ هم “سمعان بطرس وتوما الذى يقال له التوأم ونثنائيل الذى من قانا الجليل وأبنا زبدى وأثنان آخران من تلاميذه”. ونلاحظ هنا أنه يذكر أسماء ثلاثة من التلاميذ، ويذكر لقب يعقوب ويوحنا “ابنا زبدى” فقط دون أن يذكر أسماء، ثم يشير فقط إلى “اثنان آخران من تلاميذه” قد لا يكونا من التلاميذ الاثنى عشر. والموقف الخامس والأخير هو عندما ظهر الرب لهؤلاء التلاميذ السبعة ودار حديث بينه وبين بطرس عرف فيه بطرس من الرب مصيره وكيف سيترك هذا العالم وأراد أن يعرف مصير هذا التلميذ “فالتفت بطرس ونظر التلميذ الذى كان يسوع يحبه … فلما رأى بطرس هذا قال ليسوع يا رب وهذا ماله. قال له يسوع إن كنت أشاء أنه يبقى حتى أجئ فماذا لك. اتبعنى أنت. فشاع هذه القول بين الأخوة إن ذلك التلميذ لا يموت” ثم نعرف أن هذا التلميذ المحبوب هو كاتب هذا الإنجيل “هذا هو التلميذ الذى يشهد بهذا وكتب هذا(287)”.

ما سبق يؤكد لنا أن هذا التلميذ المحبوب، بالطبع، كان قريباً من الرب يسوع المسيح وانه كان دائماً مرتبطاً ببطرس (فى العشاء وعند القبر وعند سؤال بطرس للسيد عن مصير هذا التلميذ)، ولم يذكر وحده إلا عند الصليب عندما كان بطرس يتبع الرب من بعيد. وعند محاكمة المسيح كان الاثنان معاً، ولأن هذا التلميذ كان معروفاً من رئيس الكهنة فقد توسط عند البوابة وأدخل بطرس(288) دار رئيس الكهنة. ونعرف من الأناجيل الثلاثة الأولى أنه كان على رأس التلاميذ الأثنى عشر دائرة خاصة مقربة من السيد المسيح مكونة من “بطرس ويعقوب ويوحنا”، وهؤلاء الثلاثة أصلاً كانوا شركاء فى سفينة لصيد السمك(289)، وقد أخذهم الرب معه فى أخص المواقف، فقد كانوا شركاء فى سفينة لصيد السمك(290) وعلى جبل التجلى(291) وكانوا أقرب التلاميذ إليه فى بستان جثسيمانى قبل القبض عليه مباشرة(292) وكان بطرس ويوحنا بالذات مرتبطين معاً، فقد أرسلهما السيد المسيح وحدهما معاً ليعدا الفصح(293)، وبعد القيامة وحلول الروح القدس كانا دائماً معاً، فقد ذهبا إلى الهيكل معاً عندما حدثت معجزة شفاء المُقعد على بابا الهيكل وحاكمهما رؤساء اليهود معاً(294)، وذهبا إلى السامرة معاً مرسلين من بقية الرسل(295)، ويذكرهما القديس بولس مع “يعقوب أخى الرب” كالأعمدة الثلاثة فى الكنيسة الأولى(296).

والشئ الجدير بالملاحظة هو أن أسم بطرس كان يذكر دائماً أولاً ثم بعد ذلك أسم يوحنا وذلك فى الأناجيل الثلاثة الأولى “بطرس ويوحنا”(297)، وفى سفر الأعمال كان بطرس دائما هو المتقدم سواء فى ذكر الأسماء أو فى الفعل “وصعد بطرس ويوحنا”(298)، “أرسلوا إليهم بطرس ويوحنا”(299)، وحتى عندما ذكر القديس بولس يعقوب أخو الرب أول الثلاثة الأعمدة ذكر بطرس بعده ثم يوحنا أخيراً “يعقوب وصفا (بطرس) ويوحنا”. وكان القديس بطرس هو المتكلم دائماً. وهنا فى الإنجيل الرابع نجد أن القديس بطرس للتلميذ المحبوب أن يسأل الرب يسوع عمن سيسلمه، وعندما قام المسيح وذهبت المجدلية إلى القبر وجدت الحجر مرفوعاً عن القبر ذهبت إلى بطرس ثم هذا التلميذ، وآتياً إلى القبر وبرغم أن هذا التلميذ سبق بطرس ووصل أولاً ألا أنه لم يدخل القبر إلا بعد أن جاء بطرس ودخل أولاً “فحينئذ دخل أيضاً التلميذ الآخر”(300)، وعند الذهاب للصيد عند بحر طبرية كان بطرس هو الداعى لذلك، ولما ظهر لهم الرب وعرفه هذا التلميذ قبل الجميع أخبر بذلك بطرس أولاً وقبل الجميع “فقال ذلك التلميذ الذى كان يسوع يحبهُ لبطرس هو الرب”، وعندما كشف الرب لبطرس مصيره وكيف ستنتهى حياته على الأرض أهتم بطرس بمعرفة مصير هذا التلميذ فقط دون بقية التلاميذ.

كل هذا يؤكد أن هذا التلميذ “الذى كان يسوع يحبه” والذى كتب الإنجيل الرابع هو القديس يوحنا ابن زبدى. وما يؤكد هذه الحقيقة أيضاً هو أن القديس يوحنا لم يذكر أسمه بالمرة فلى الإنجيل الرابع، بينما أسمه مذكور فى الأناجيل الثلاثة الأولى 20مرة، كما أن يذكر يوحنا المعمدان بأسمه “يوحنا” فقط بدون لقب المعمدان مما يدل على أن يوحنا ابن زبدى كاتب الإنجيل كان معروفاً للجميع وقت كتابة الإنجيل بلقب آخر هو التلميذ المحبوب.

ويجد البعض صعوبة فى أن يصف القديس يوحنا نفسه بالتلميذ الذى كان يسوع يحبه، ويجد من أيضاً أنه من الصعب أن يكون هذا الحب تفضيلى بمعنى أن الرب فضل يوحنا على بقية التلاميذ. ولكن ما كتبه القديس يوحنا فى رسالته الأولى عن المحبة وحب الله الذى ظهر فى المسيح، وما ركز عليه أيضاً فى الإنجيل الذى كتبه بالروح القدس عن حب الله الأبدى ومحبته للبشرية التى تفوق الوصف “هكذا أحب الله العالم حتى بذل ابنه الوحيد لكى لا يهلك كل من يؤمن به بل تكون له الحياة الأبدية”(301)، وكذلك إدراكه لحب السيد المسيح العظيم الذى لا حد له، واقترابه من فكر السيد وعقله وقلبه أنعكس عليه هو نفسه ولهذا صار التلميذ المحبوب، وأشتهر بذلك فى شيخوخته. وكان هذا اللقب علامة تواضع أكثر منه تفضيل فقد أخفى أسمه وذكر ما يمتلكه أكثر من أسمه وأعظم، وهو حب الرب يسوع المسيح له.

 

ج- الخلفية اليهودية الفلسطينية للكاتب:

بينا أعلاه أن كاتب الإنجيل الرابع هو شاهد عيان لما سجله ودونه بالروح القدس فى الإنجيل وأنه يوحنا ابن زبدى تلميذ المسيح وأحد الثلاثة المقربين من الرب والتلميذ “الذى كان يسوع يحبه”.

وفيما يلى نقدم الأدلة على أنه كان من يهود فلسطين:

 

(1) معرفته الدقيقة بالعادات اليهودية:

يقدم القديس يوحنا معلومات دقيقة، وأن كانت بصورة عفوية، وتلقائية عن عادات وشرائع اليهود كيهودى يعرف عادات وشعائر قومه، فيتكلم عن شريعة التطهير “وكانت ستة أجران من حجارة موضوعة هناك حسب تطهير اليهود”(203)، وحدثت مباحثة من تلاميذ يوحنا مع يهود من جهة التطهير”(203)، وكان فصح اليهود قريباً، فصعد كثيرون من الكور المحيطة إلى أورشليم قبل الفصح ليطهروا أنفسهم”(304)، ويتكلم عن نظرة لليهود للأمم كنجسين “ولم يدخلوا هم (رؤساء اليهود) إلى دار الولاية لكى لا يتنجسوا فيأكلوا الفصح”(205)، ويذكر عادة اليهود فى تكفين الموتى “فأخذوا جسد يسوع ولفاه بأكفان مع الأطياب كم لليهود عادة أن يكفنوا”(306). ويذكر أهم أعياد اليهود كالفصح والمظال والتجديد ويتكلم عنها بالتفصيل(307). ويتكلم عن الحرم اليهودى من المجمع والذى يعنى القطع من جسم الأمة(308). وذكر عادة اليهود فى عدم بقاء أجسام المحكوم عليه بالإعدام معلقة فى السبت العظيم(309). وتحدث عن فكر اليهود من جهة المرأة وإقلالهم من شأنها “وكانوا يتعجبون أنه (المسيح) يتكلم مع امرأة(310)”. وتكلم عن عادة اليهود فيما يختص بتحريم أى عمل فى السبت “أنه سبت. لا يحل لك أن تحمل سريرك(311)”. كما تحدث عن فكرهم من جهة وراثة الخطية “من أخطأ هذا أم أبواه حتى ولد أعمى(312)”.

ويجب أن نضع فى اعتبارنا أنه عندما يتحدث عن اليهود بعبارات مثل “حسب عادة اليهود”، “فصح اليهود” لا يعنى أنه يتكلم عن أناس لم يكن هو منهم من قبل، بل على العكس، فهو يؤكد أنه منهم بقوله عنهم أنهم خاصة الله “جاء إلى خاصته(313)” وبتأكيده أنه التلميذ الذى كان يسوع يحبه وكل تلاميذ المسيح أصلاً من اليهود. كما أنه كان من عادة الرسل كُتاب العهد الجديد برغم أنهم جميعاً – عدا القديس لوقا – من أصل يهودى أن يتكلموا عن اليهود واليهودية كأصحاب ديانة أخرى ودين آخر، لأنه بانضمامهم للمسيحية وتركهم لليهودية فقد انفصلوا تماماً عن اليهود واليهودية وصاروا ينظرون إليها كديانة أخرى عن ديانتهم المسيحية، وعلى سبيل المثال يقول القديس بولس الرسول والذى كان يهودياً متعصباً ومضطهداً للمسيحية “من اليهود خمس مرات قبلت خمسين جلدة إلا واحدة(314)”، “اليهود الذين قتلوا الرب يسوع وأنبياءهم واضطهدونا نحن. وهم غير مرضيين لله وأضداد لجميع الناس(315)”.

 

(2) معرفته الدقيقة بالتاريخ اليهودى المعاصر:

يقدم القديس يوحنا معلومات وفيرة عن تاريخ اليهود المعاصر للسيد المسيح كواحد من الذين عاشوا فى تلك الفترة فيذكر المدة التى بنى فيها الهيكل الذى بناه هيرودس بقول الآية “فى ست وأربعين سنة بنى هذا الهيكل(316)”، ويذكر المواقف السياسية لليهود من جهة عدواتهم للساريين “لأن اليهود لا يعاملون السامريين(317)”، وازدرائهم بيهود الشتات “فقال اليهود فيما بينهم إلى أين هذا (المسيح) مزمع أن يذهب حتى لا نجده نحن، ألعله مزمع أن يذهب إلى شتات اليونانيين ويعلن اليونانيين(318)”، ويسجل تاريخ رؤساء الكهنة المعاصرين ويذكر أن “قيافا كان رئيساً للكهنة فى تلك السنة(319)”، وأن “حنان حما قيافا الذى كان رئيساً للكهنة فى تلك السنة(320)”.

 

(3) معرفته الدقيقة بجغرافية فلسطين:

كما يقدم القديس يوحنا أيضا معلومات دقيقة عن جغرافية فلسطين ويبدو واضحاً من تعليقاته معرفته الشخصية بكل ما ذكره وسجله فى الإنجيل الرابع. فيسجل الاسم العبرى لبركة كانت بالقرب من باب الضان “وفى أورشليم عند باب الضان بركة يقال لها بالعبرانية بيت حسدا لها خمسة أروقة(321)”، وهذه التفصيلات برهنت عليها الحفريات الحديثة التى كشفت عن بركة ذات خمسة أروقة، بالقرب من الهيكل ولها صفات تفترض أنه للماء خواص شفاء. وتكلم عن الموضع الذى كان فيه كرسى الولاية وذكر اسمه العبرى “جباثا”، “وجلس (بيلاطس) على كرسى الولاية فى موضع يقال له البلاط وبالعبرانية جاثا(322)”، وهذه المنطقة برهنت الاكتشافات الأثرية على وجودها بالقرب من برج انطونيا الذى يطل على منطقة الهيكل.

ويفسر معنى اسم “بركة سلوام” بقوله “الذى تفسيره مرسل(323)”، ويقول عن موضع الجمجمة ويقال له بالعبرانية جلجثة(324)”.

ويذكر التفاصيل الطبوغرافية(325) للمدن التى سار فيها المسيح بدقة، فيحدد موضع “بيت عبرة فى عبر الأردن(326)”، و”عين نون بقرب ساليم(327)”، و”سوخار بالقرب من الضيعة التى وهبها يعقوب ليوسف ابنه(328)”، ويذكر اسم طبرية كاسم متبادل لبحر الجليل “بحر الجليل وهو بحر طبرية(329)”، ويميز بيت عنيا القريبة “من أورشليم نحو خمسة عشرة غلوة(330)” من بيت عبرة التى “فى عبر الأردن(331)”، ويميز بين “قانا الجليل(332)” و”بيت صيدا الجليل(333)” وغيرهما، ووصف الطريق من قانا إلى كفر ناحوم بالانحدار “أنحدر إلى كفر ناحوم(334)”. وتحدث عن أورشليم كخبير بمواقعها ودروبها وعلى سبيل المثال يذكر موقع بستان جثسيمانى بقوله “عبر وادى قدرون حيث كان بستان(335)”، وذكر موقع “بركة سلوام” و”بركة بيت حسدا(336)” وميز بينهما، وحدد موقع باب سليمان والخزانة فى الهيكل(337)، وحدد موقع افرايم بالقرب “من البرية(338)”.

وهذه المعلومات الجغرافية الطبوغرافية الدقيقة التى كتبها بصورة تلقائية عفوية تبرهن وتؤكد بل وتقطع أن الكاتب عاش فى هذه البلاد وتربى فيها وصار فى مدنها وعرف كل مواقعها. وهذا ينطبق تماماً على القديس يوحنا الرسول ابن زبدى الصياد الجليلى، صاحب سفينة صيد السمك والذى كان يعرفه رئيس الكهنة فى أورشليم والذى تجول مع السيد المسيح مدة أكثر من ثلاث سنوات فى معظم مدن فلسطين وبراريها وطرقها العامة.

 

(4) أسلوب الكاتب ولغته يدلان على أصله الآرامى:

عند قراءة الإنجيل، خاصة فى لغته اليونانية، يبدو واضحاً للدرس أن الإنجيل مكتوب بلغة آرامية وأسلوب آرامى فى حروف وكلمات يونانية، فهو يسجل أقوال السيد المسيح وخُطبه ويدونها بأسلوبها الآرامى وتعابيرها العبرية من “ثنائيات” و”رباعيات” ويكرر استخدام أدوات الربط والعطف كثيراً، ويكتب كلمات آرامية وعبرية ويفسرها أو يترجمها إلى اليونانية، وأحياناً يذكر الكلمة فى اليونانية ويرجعها إلى أصلها العبرى؛ مثل “ربى الذى تفسيره يا معلم(339)”، “مسيا الذى تفسيره المسيح(340)”، “مسيا الذى يقال له المسيح(341)”، “أنت تدعى صفا الذى تفسيره بطرس(342)”، “بركة سلوام الذى تفسيره مرسل(343)”، “ربونى الذى تفسيره يا معلم(344)”، “توما … الذى يقال له التوأم(245)”، “موضع الجمجمة ويقال له بالعبرانية جلجثة(346)”.

وتكررت فى الإنجيل كلمات بذاتها وبحروفها مرات كثيرة بما لا يتفق أبداً مع اللغة اليونانية، فقد نقل الكاتب القديس كلمات المسيح فى الآرامية بحرفها وأسلوبها إلى اليونانية مراعياً تسجيل ما قاله وعمله السيد المسيح كما هو بكل دقة فى نفس صياغتها الآرامية وأسلوبها الآرامى ولكن بكلمات يونانية وحروف يونانية، فقد كرر كلمات “عرف” 55 مرة، “آمن” 98 مرة، “أحب” 45 مرة؛ وهو يكرر ألفاظ “الحقيقة” 25 مرة، و”النور” 23 مرة، و”الحياة” 26 مرة، و”العالم” 78 مرة، و”الظلمة” 13 مرة، و”الإسم” 25 مرة، و”الكلمة” 50 مرة، و”العمل” 27 مرة، و”الآية” 15 مرة، و”الشهادة” 47 مرة، و”إحياء” 52 مرة، و”مجد” 42 مرة(347)”.

 

(5) استخدام الكاتب لنص العهد القديم العبرى:

وما يدل أيضا على أن الكاتب يهودى من فلسطين هو استخدامه لنص العهد القديم العبرى عندما يشير إلى نبوات العهد القديم عن السيد المسيح، وقد نقل ثلاث نبؤات من النص العبرى مباشرة(348)، بل أنه فى بعض النبوات التى ينقلها عن النص اليونانى للترجمة السبعينية يراجع النص اليونانى على النص العبرى وينقحه(349). وهذا عكس ما فعله الكتاب اليونانيين الذين كانوا يعتمدون على الترجمة السبعينية بالدرجة الأولى.

وهكذا اتضح لنا بالدليل والبرهان العلمى أن كاتب الإنجيل الرابع هو القديس يوحنا، وأن ما قاله النقاد سابقاً فقد تراجعوا عنه اليوم أمام الأدلة والبراهين الحاسمة، كما أن ما يقوله بعضهم اليوم من أن جامع الإنجيل ومدونه هم تلاميذ القديس يوحنا، برغم أن كثيراً من كتب الأنبياء قد جمعها تلاميذهم وأتباعهم من بعدهم ولم يقلل هذا من قيمتها لأنهم جمعوها بكل أمانة ودقة، إلا أن الإنجيل ذاته يؤكد بصورة واضحة لا لبس فيها أن كاتبه هو التلميذ الذى كان يسوع يحبه “هذا هو التلميذ الذى يشهد بهذا وكتب هذا(350)”، القديس يوحنا ابن زبدى تلميذ المسيح ورسوله. وبعد هذا القول فليستد كل فم ويصمت كل مكابر ويصغى فقط لصوت الحق.

 

(340) 41: 1

(341) 25: 4

(342) 42: 1

(343) 7: 9

(344) 16: 20

(245) 24: 20

(346) 17: 19

(347) “صوفية المسيحية، الإنجيل بحسب يوحنا” أ. يوسف درة الحداد ص 61.

(348) يو 14: 12-25؛ 38: 13؛ 37: 9

(349) يو 23: 1؛ 3: 3؛ 40: 12

(350) يو 24: 21

نشرت تحت تصنيف مقالات لاهوتيه, موضوعات كتابيه, مسيحيات, دفاعيات | Leave a Comment »

إنجيل مرقس كيف كتب؟ وكيف وصل إلينا؟

Posted by Akristus_Anstee على 20 مايو 2011


إنجيل مرقس كيف كتب؟ وكيف وصل إلينا؟

القمص عبد المسيح بسيط أبو الخير

كاهن كنيسة السيدة العذراء الأثرية بمسطرد

 

1- حياة القديس مرقس الرسول:

اسمه الأصلى يوحنا أو يوحنان ويعنى “يهوه يوحنان”، “الرب حنان” ولقبه أو أسمه الرومانى “مرقس” ويعنى “مطرقة ذات رأس خشبية”، وأول ما ذكر، ذكر فى سفر الأعمال ب “يوحنا الملقب مرقس(53)”، وفيما بعد ساد لقب مرقس وأصبح يدعى به وحده.

ونعرف من سفر الأعمال أن منزل والدته “مريم أم يوحنا الملقب مرقس(53)” كان مقراً لاجتماع الرسل فى أورشليم، وكان المؤمنون مجتمعين فيه للصلاة وقت سجن بطرس “فكان بطرس محروساً فى السجن. أما الكنيسة فكانت تصير منها صلاة بلجاجة إلى الله من أجله”(54) وبعد خروجه من السجن (سنة 44م) فى تلك الليلة جاء بطرس “وهو منتبه إلى بيت مريم أم يوحنا الملقب مرقس حيث كان كثيرون مجتمعين وهم يصلون”(55). وقد أجمع أكثر العلماء والدارسون والمؤرخون على أن هذا البيت كان هو البيت الذى تنازل فيه السيد المسيح الفصح مع تلاميذه والعلية التى كان يجتمع فيها الرسل فى أورشليم قبل صعود السيد وبعد صعوده والتى حل فيها الروح القدس على التلاميذ(56)، وكان أول كنيسة فى العالم، أو كما تقول دائرة المعارف البريطانية فى طبعتها الحادية عشر أن بيت مرقس كان مركزاً للحياة المسيحية فى أورشليم(57).

ويؤكد جميع الدارسين أن القديس مرقس كان هو الشاب الذى تبع السيد ليلة القبض عليه والذى كان “لابساً إزراراً على عريه فأمسكه الشبان. فترك الأزرار وهرب منهم عرياناً”(58). فهو وحده الذى يذكر هذا الحدث، ولو لم يكن لهذا الحدث قيمه بالنسبة له لما ذكره. ويقول أحد العلماء ويدعى Lange أن والدته كانت تمتلك بستان جثسيمانى أو منزل قريب منه. كما يؤكد بعض الأباء مثل أوريجانوس وابيفانيوس أسقف سلاميس بقبرص ويجمع جميع مؤرخى الكنيسة القبطية فى كل العصور على أن القديس مرقس كان أحد السبعون رسولاً الذين عينهم الرب “وأرسلهم الرب أثنين أثنين أمام وجهه إلى كل مدينة أو موضع حيث كان هو مزمعاً أن يأتى”(59). ومن ثم تلقبه ب “ناظر الإله الإنجيلى” باعتباره أحد الذين شاهدوا الرب وسمعوه، أحد شهود العيان.

وأول ما يذكر القديس بأسمه يذكر كأبن للسيدة التى كان بيتها مقراً لاجتماع السيد المسيح وتلاميذه ورسله فى أورشليم، والتى كانت أيضاً إحدى المريمات تلميذات الرب(60). ثم يذكر بعد ذلك مع خاله برنابا وبولس الرسول (شاول) اللذان أخذاه معهما للكرازة(61) (سنة 49م) وكان معهما فى سلاميس ولكنه “فارقهم ورجع من بمفيلية”(63) إلى أورشليم”(64).

وفى سنه 51م رفض بولس الرسول أن يذهب معهما مرقس فى رحلتهما التالية بسبب تركه لهم “من بمفيلية”، فأخذه خاله برنابا وذهبا إلى قبرص بعد أن انفصلا عن بولس الرسول(65). ولكن فى سنه 63م وبعد ذلك بحوالى 12سنه يتكلم عنه القديس بولس كالعامل معه فى حقل الكرازة ويوصى به أهل كولوسى “يسلم عليكم أرسترخس المأسور معى ومرقس أبن أخت برنابا الذى أخذتم لأجله وصايا.. أن أتى إليكم فاقبلوه”(66). وفى سنه 67 وقبل استشهاد القديس بولس يستدعيه مع تيموثاؤس لحاجته إليه للعمل فى حقل الكرازة بروما، فيقول لتلميذه تيموثاؤس “خذ مرقس وأحضر معك لأنه نافع لى للخدمة”(67). وهذا يدل على أن القديس مرقس كرز فى اليهودية وفى قبرص وإنطاكية وبمفيلية فى آسيا الصغرى وفى كولوسى وروما، ويذكره القديس بولس ضمن العاملين معه فى روما “ومرقس وأرسترخُس وديماس ولوقا العاملون معى”(68).

ثم يدعوه القديس بطرس فى رسالته الأولى إلى “المغتربين من شتات بنطس وغلاطية وكبدوكية وآسيا وبيثينينة”(69) بأبنه “تسلم عليكم التى فى بابل المختارة معكم ومرقس ابنى”(70) مما يوحى بأنه كرز معه فى هذه البلاد.

كرز القديس مع خاله برنابا وبولس الرسول، كما كرز مع القديس بولس والقديس بطرس بعد ذلك فى بلاد كثيرة وأشترك معهما فى تأسيس كنيسة روما ثم ذهب بعد ذلك للكرازة فى الخمس مدن الغربية بليبيا ومنها ذهب للكرازة فى الإسكندرية حوالى سنة 61م ونشر الإيمان بناء على طلبه سنة 67م. وبعد استشهاد القديس بطرس والقديس بولس عاد ثانيه إلى الإسكندرية حتى أستشهد فيها حوالى سنة 68م.

 

2- علاقة مرقس ببطرس وبقية الرسل:

كان القديس، كما أوضحنا أعلاه، أحد شهود العيان الذين شاهدوا السيد المسيح واستمعوا إليه واتبعوه أثناء تجسده سواء كأحد الرسل السبعين، أو على الأقل عندما كان السيد يذهب إلى أورشليم وعندما تناول السيد الفصح مع تلاميذه فى منزل والدته كما كان قريب من السيد فى بستان جثسيمانى وقت القبض عليه وبلا شك فقد تابع أحداث المحاكمة والصلب والدفن من بعيد، كما رأى السيد بعد قيامته فى ظهوراته العديدة للتلاميذ فى أورشليم والتى كان يجتمع فيها التلاميذ والرسل قبل الصعود وبعد الصعود. كما كانت أمه إحدى المريمات تلميذات الرب وكان القديس بطرس أحد أقاربه.

وكانت لدى القديس مرقس ميزة ثانية لمعرفة المزيد عما قاله وعمله السيد المسيح وهى اجتماع جميع الرسل، شهود العيان فى منزل والدته ولسنوات طويلة. وبلا شك فقد استمع منهم جميعاً، كأفراد أو كجماعات، سواء فى جلساتهم الخاصة فى منزل والدته أو فى عظاتهم وكرازتهم العامة للجموع أو فى تعليمهم للمنضمين حديثاً للإيمان، وعرف منهم أحداث كثيرة وتفاصيل كثيرة.

وكانت لديه أيضا ميزة ثالثة وهى الاستماع لبطرس ويعقوب ابن زبدى ويوحنا أخيه وهم الثلاثة المتقدمون فى التلاميذ والذين كانوا قريبين جداً من السيد المسيح وقد أخذهم معه وقربهم منه فى أخص المواقف، فقد كانوا معه عند إقامة ابنة يايرس(71) وأخذهم معه على جبل التجلى وأراهم مجده(72) وكانوا أقرب التلاميذ إليه فى بستان جثسيمانى وقت القبض عليه. وبعد استشهاد يعقوب ابن زبدى، كان يعقوب أخو الرب مع بطرس ويوحنا فى أورشليم وكانوا معتبرين أنهم أعمدة(74)، وكان لدى القديس مرقس الفرصة أيضا ليعرف المزيد من يعقوب أخى الرب.

كما أعطته الكرازة مع خاله برنابا والقديس بولس، ثم مع القديس بولس بعد وفاة خاله برنابا فى قبرص ميزة رابعة، فقد كان القديس بولس أيضا شاهد عيان للرب بعد صعوده وأستلم منه الإعلان مباشرة. وأخيراً فقد كانت كرازته مع القديس بطرس فى روما وغيرها ميزة خامسة. فقد عرف منه الكثير مما يختص به وحده ومما يختص به مع يعقوب ويوحنا ابن زبدى. ومن ثم فقد دون أحداث إقامة ابنة يايرس وتفاصيل التجلى وصلاة المسيح فى البستان بكل دقة، كما ذكر حادث إنكار بطرس للسيد ثلاث مرات بكل دقة وتفصيل كما تسلمها من القديس بطرس وسجلها كروايات شاهد عيان.

وهكذا دون القديس مرقس أعمال السيد وتعاليمه بتفصيل دقيق وحيوى ورائع كما شاهدها بنفسه وكما تسلمها من بقية التلاميذ والرسل شهود العيان.

 

3- إنجيل شاهد عيان:

دون القديس مرقس أحداث ومواقف وأعمال السيد المسيح تسجيلاً دقيقاً أهتم فيه بكل التفصيلات والأمور الدقيقة جداً، وسجل ملحوظات دقيقة لكل موقف وأهتم بذكر انطباعات الناس وتصرفاتهم ومشاعرهم فى كل المواقف، وكذلك سجل بدون تردد مشاعر التلاميذ وحيرتهم فى بعض المواقف وعدم إدراكهم لأمور كثيرة. كما سجل تصرفات السيد وتحركاته ودون كل التفاصيل كما حدثت وكأنه كان يسجلها فى مذكراته لحظة حدوثها مباشرة. فيقول عن تأثير تعليمه على الجموع وعلى تلاميذه “فتحيروا كلهم(75)”، “وكثيرون إذ سمعوا بهتوا قائلين من أين لهذا هذه(76)”، “فتحير التلاميذ من كلامه(77)”، “فبهتوا إلى الغاية(78)”، “وكانوا يتحيرون وفيما هم يتبعون كانوا يخافون(79)”.

ويقول عن تأثير أعماله على الناس “بهت الجميع ومجدوا الله قائلين ما رأينا مثل هذا قط(80)”، “فخافوا خوفاً عظيماً وقالوا بعضهم لبعض من هو هذا … فإن الريح أيضا والبحر يطيعانه(81)”، وبعد مشيه على الماء يقول “فبهتوا وتحيروا فى أنفسهم جداً إلى الغاية(82)”. ويصف تزاحم الجماهير الغفيرة على السيد المسيح سواء لنول الشفاء “حتى وقع عليه ليلمسه كل من فيه داء(83)”، “فقال له تلاميذه أنت تنظر الجمع يزحمك وتقول من لمسنى(84)”، أو للاستماع إلى تعليمه “فأجتمع أيضا جمع حتى لم يقدروا أولاً على أكل خبز(85)”، “وكان الجمع جالساً حوله(86)”، “فأجتمع إليه جمع كثير حتى أنه دخل السفينة وجلس على البحر والجمع كله كان عند البحر على الأرض(87)”، “ولما أجتاز يسوع فى السفينة إلى العبر اجتمع إليه جمع كثير(88)”، “فقال لهم تعالوا أنتم منفردين إلى موضع خلاء واستريحوا قليلاً، لأن القادمين والذاهبين كانوا كثيرين، ولم تتيسر لهم فرصة للأكل(89)”.

ويصف آلام السيد المسيح وعواطفه ومشاعره كإنسان “فتحنن عليهم إذ كانوا كخراف لا راعى لها(90)”، “وتعجب من عدم إيمانهم(91)”، “فنظر حوله بغضب حزيناً على غلاظة قلوبهم”، “فتنهد بروحه(93)”، “ولما رأى يسوع ذلك أغتاظ(94)”، كما وصف نظراته وإشاراته وحركاته “فتقدم وأقامها ماسكاً بيدها فتركتها الحمى حالاً وصارت تخدمهم(95)”، “وقال للرجل مد يدك، فمدها فعادت صحيحة كالأخرى(96)”، “فنظر حوله إلى الجالسين وقال ها أمى وأخوتى(97)”، “وكان ينظر حوله ليرى التى فعلت هذا(98)”، “فأخذه من بين الجمع على ناحية ووضع أصابعه فى أذنيه وتفل ولمس لسانه ورفع نظره نحو السماء وأنّ وقال له إفثا. أى انفتح(99)”، “فتنهد بروحه(100)”، “فألتفت وأبصر تلاميذه فانتهر بطرس(101)”، “فجلس ونادى الاثنى عشر(102)”، “ولما نظر حوله إلى كل شئ(103)”، وذكر نومه “وكان هو فى المؤخرة على وسادة نائماً(104)”، وجوعه “وفى البيت لما خرجوا من بيت عنيا جاع(105)”. وذكر حبه للأطفال وحملهم على يديه “فأخذ ولداً وأقامه فى وسطهم ثم احتضنه(106)”، “فأحتضنهم ووضع يديه عليهم وباركهم(107)”.

ويذكر تفصيلات أخرى كثيرة تختص بالأسماء والأماكن والمواقف لا تذكرها الأناجيل الثلاثة الأخرى، فيقول أن المسيح دخل “بيت سمعان وأندراوس مع يعقوب ويوحنا(108)”، “فخرج الفريسيون للوقت مع الهيرودسيين وتشاوروا عليه لكى يهلكوه(109)”، ويصف ثياب السيد أثناء التجلى بكل دقة “وصارت ثيابه تلمع بيضاء جداً كالثلج لا يقدر قصار على الأرض أن يبيض مثل ذلك(110)”. ويذكر أحداث معجزة شفاء بارتماس الأعمى بكل دقة وتفصيل، فيذكر أسمه وصراخه وإسكات الناس له ومناداة السيد له وطرحه لردائه أرضاً وحديث السيد المسيح معه وشفائه(111). وفى معجزة إشباع الجموع بخمس خبزات وسمكتين يذكر جلوس الجموع بتفصيل دقيق وبديع “فأمرهم أن يجعلوا الجميع يتكئون رفاقاً رفاقاً على العشب الأخضر. فأتكأوا صفوفاً صفوفاً مئة مئة وخمسين خمسين(112)”. وذكر أن سمعان الذى حمل الصليب مع المسيح كان “قيروانياً(113)” وإنه هو “والد الكسندر وروفس” اللذين كانا من التلاميذ المعروفين فى روما(114). ويذكر نوم السيد “على الوسادة(115)” فى السفينة، ووجود رغيف واحد مع التلاميذ فى السفينة(116)، ويحدد بدقة مكان الجحش الذى كان “مربوطاً عند الباب خارجاً على الطريق(117)”. ويذكر أسماء البلاد التى جاء منها الجموع للاستماع إلى يسوع والتى ذهب هو إليها “ومن أورشليم ومن أدومية ومن عبر الأردن. والذين حول صور وصيدا جمع كثير إذ سمعوا كم صنع أتو إليه(118)”، “ثم خرج أيضاً من تخوم صور وصيدا وجاء إلى بحر الجليل فى وسط حدود المدن العشر(119)”. ويحدد المواقع والاتجاهات “ثم خرج أيضا إلى البحر(120)”، “وجلس يسوع تجاه الخزانة ونظر كيف يلقى الجمع نحاساً فى الخزانة(121)”، “وفيما هو جالس على جبل الزيتون تجاه الهيكل(122)”، “وخرج (بطرس) خارجاً إلى الدهليز(123)”، “ولما رأى قائد المئة الواقف مقابله(124)”.

وهناك تفاصيل أخرى دقيقة وحية مثل قوله “وكان مع الوحوش(125)” عن السيد المسيح عندما كان على الجبل ليجرب من إبليس، “وكشفوا السقف(126)” الذين حملوا المفلوج. كما وصف أعمال مجنون كورة الجدريين بكل دقة وتفصيل “لأنه قد ربط كثيراً بقيود وسلاسل فقطع السلاسل وكسر القيود. فلم يقدر أحد يذلله. وكان دائماً ليلاً ونهاراً فى الجبال وفى القبور يصيح ويجرح نفسه بالحجارة(127)”.

هذه التفاصيل الدقيقة النابضة بالحياة تدل على أن الكاتب شاهد عيان، كما سجل بكل دقة تفاصيل ما تسلمه من شهود العيان الآخرين. كما تدل أيضا على أن الكاتب يعرف دقائق البلاد وجغرافيتها ويعرف الناس وأسماءهم، وقد ساقه الروح القدس وذكره بكل التفاصيل.

 

4- شهادة الآباء:

الإنجيل للقديس مرقس هو أكثر الأناجيل الأربعة الذى ركز عليه علماء الكتاب المقدس لاعتقاد غالبيتهم أنه أقدم الأناجيل لبساطه أسلوبه وقوته وحيويته وقدم لغته ولأنه يسجل أعمال السيد المسيح بصورة مكثفة وسريعة وقوية بدرجة كبيرة على روايات آلام السيد المسيح وصلبه وقيامته، ولأنه يقدم صورة حيه للإنجيل الشفوى كما جاء فى كرازة القديس بطرس لكرنيليوس وقد شهد جميع آباء الكنيسة لصحته. وفيما يلى شهادتهم عنه:

(1) – بابياس: “إن مرقس إذ كان هو اللسان الناطق لبطرس كتب بدقه، ولو من غير ترتيب، كل ما تذكره عما قاله المسيح أو فعله.. ولذلك لم يرتكب أى خطأ إذ كتب –على هذا الوجه- ما تذكره. لأنه كان يحرص على أمر واحد: إن لا يحذف شيئاً مما سمعه، وأن لا يقرر أى شئ خطأ”.

(2) – يوستينوس الشهيد: “وعندما يقال إنه (المسيح) أعطى أسم بطرس لأحد الرسل وعندما يكتب فى مذكراته أيضاً أن هذا حدث بعد أن أعطى أثنين آخرين من الرسل، ابنى زبدى، أسم بوانرجس، أى ابنى الرعد..”(128). وهذا اللقب لم يذكر ألا فى الإنجيل للقديس مرقس (17: 3) فقط.

(3) وقد ضم تاتيان السورى وتلميذ يوستينوس الإنجيل بالكامل فى كتابه الدياتسرون، أما الوثيقة الموراتورية فقد جاءت مبتورة وذكرت هذا الإنجيل فى سطر واحد هو الذى تبقى مما ذكرته عنه ويقول “الذى فيه كان حاضراً وهكذا دونه”.

(4) إيريناؤس “سلم لنا مرقس، تلميذ بطرس ومترجمه، كتابه ما بشر به بطرس”.

(5) أكليمندس الأسكندرى: “لما كرز بطرس بالكلمة جهاراً فى روما. وأعلن الإنجيل بالروح طلب كثيرون من الحاضرين إلى مرقس أن يدون أقواله لأنه لازمه وقتاً طويلاً وكان يتذكرها. وبعد أن دون الإنجيل سلمه لمن طلبوه”.

ولم تخرج شهادة الآباء مثل العلامة أوريجانوس ويوسايبوس القيصرى وابيفانيوس أسقف سلاميس بقبرص (350م) وجيروم عن ذلك كثيراً بل كلها تدور فى هذا الإطار. ويجمع غالبيتهم على أن القديس مرقس دون الإنجيل فى حياة القديس بطرس أى قبل سنه 67م ولا يخرج عن ذلك سوى إيريناؤس الذى يقول إنه دونه بعد وفاته. ولكن الدليل الداخلى وشهادة العلماء تؤكد إنه كُتب قبل انتقاله بكثير.

 

5- هدف الإنجيل ومكان تدوينه:

كُتب الإنجيل بحسب شهادة الآباء فى روما وبناء على طلب الذين تسلموا الإنجيل الشفوى قبل انتقال القديس بطرس وقبل دمار أورشليم بفترة. وهو يقدم لنا الإنجيل فى أقوى وأقدم صورة ويتشابه بدرجة كبيرة مع عظات القديس بطرس والقديس بولس المدونة فى سفر أعمال الرسل. ويسجل فيه القديس مرقس الأعمال والمعجزات العظيمة التى عملها السيد المسيح، ويقدم صورة حية لحياته النشطة المتدفقة كأبن الله ومخلص العالم. وقد ترك أعمال السيد تعلن عن شخصه الإلهى ولاهوته فسجل الكثير من معجزاته الخارقة مثل مشيه على الماء وتهدئته للعاصفة بكلمة الأمر الإلهى “فقام وأنتهر الريح وقال للبحر أسكت. إبكم. فسكنت الريح وصار هدوء عظيم” مما جعل من فى السفينة يقفوا فى خوف وذهول شديد أمام شخصه الإلهى “فخافوا خوفاً عظيماً وقالوا بعضهم لبعض من هو هذا، فأن الريح أيضاً والبحر يطيعانه”(129)، ونازفة الدم التى شفيت بمجرد أن مست ثوبه(130)، وأرتعاب الشياطين أمامه وسجودها له واعترافها بكونه ابن الله. فلما رأى يسوع من بعيد ركض وسجد له وصرخ بصوت عظيم وقال مالى ولك يايسوع ابن الله العلى.. أستحلفك بالله أن لا تعذبنى. لأنه قال له أخرج من الإنسان أيها الروح النجس… فخرجت الأرواح النجسة”(131)، وإشباع خمسة آلاف رجل بخمسة أرغفة وسمكتين(132)، وإشباع أربعة آلاف بسبع خبزات وقليل من صغار السمك(133)، وكانت أكبر معجزاته هى قيامته من الأموات.

وكما قدم المسيح الإلهى صاحب الأعمال الخارقة، قدم أيضا المعلم الإلهى الذى لا مثيل له، الغازى الوحى الذى يخلب العقل الرومانى المادى، قدم المسيح المعلم العظيم الذى بُهتت الجموع من تعاليمه ذات السلطان الإلهى والتى لا مثيل لها بن معلمى البشر. “فُبهتوا من تعليمه لأنه كان يعلمهم كمن له سلطان وليس كالكتبة”(134)، “وكثيرون إذ سمعوا بهتوا قائلين من أين لهذا هذه. وما هذه الحكمة التى أعطيت له حتى تجرى على يديه قوات مثل هذه”(135).

ومما يدل أيضاً على إنه كتب للرومان خاصة وللأمم عامه هو عدم إشارته لنبوات العهد القديم إلا نادراً ولجؤه إلى تفسير عادات اليهود، على عكس القديس متى الذى سجل عادات اليهود وتقاليدهم دون شرح أو إيضاح لأنه كان يكتب لليهود. أما القديس مرقس فقد شرح وفسر عاداتهم فى الأكل بأيدى مغسولة(136)، ووضح معنى اليوم الأول من الفطير بأنه اليوم الذى كانوا يذبحون فيه الفصح(137) وقدم تعريف لعادة إطلاق أسير فى كل عيد(138). كما فسر الكلمات الإجرامية مثل “طلبنا قومى. الذى تفسيره يا صبيه قومى”(139)، “وقال له أفثأ. أى انفتح”(140)، “الوى الوى لما شبقتنى_ الذى تفسيره إلهى إلهى لما تركتنى”(141)، “وجعل لهما أسم نوانرجس أى أبنى الرعد”(142)، “موضع جمجمة”(142). وشرح معنى كلمة “الصدوقيين الذين يقولون ليس قيامه”(144). وعلى العكس من ذلك فلم يفسر الكلمات اللاتينية التى أستخدمها مثل كلمة “دينار- Dunarion” و “قائد المئة- Kenturiwn”(146) و “جزيه- Ktnsos”(147) و “لجئون- Legiwn”(148) و “ريع-Kordantys”(149) و “دار الولاية- Praitwrion”(150)، بل وفى بعض الأحيان ترجم كلمات يونانية إلى ما يقابلها فى اللغة اللاتينية مثل “فلسطين قيمتها ربع- Kordantys”(151).

 

(53) أع 12: 12

(54) أع 5: 12.

(55) أع 12: 12.

(56) أع 1،2.

(57) كتاب “مرقس الرسول” لقداسة البابا شنودة الثالث ص14.

(58) مر 51: 14: .

(59) لو 1: 10.

(60) لو 2: 8، أع 14: 1.

(61) أع 25: 12.

(63) أ‘ 37: 15_39.

(64) أع 13: 13.

(65) أع 37: 15_39.

(66) كو 10: 4.

(67) 2تى 11: 4.

(68) فل24.

(69) 1بط 1: 1.

(70) 1بط 13: 5.

(71) مر 37: 5

(72) مر 1: 9

(74) غل 9: 2

(75) 27: 11

(76) 2: 6

(77) 24: 10

(78) 26: 10

(79) 32: 10

(80) 12: 2

(81) 41: 4

(82) 51: 6

(83) 10: 3

(84) 31: 5

(85) 20: 3

(86) 32: 10

(87) 1: 4

(88) 21: 5

(89) 34: 6

(90) 34: 6

(91) 6: 6

(93)

(94) 14: 10

(95) 31: 1

(96) 5: 3

(97) 34: 3

(98) 32: 5

(99) 33: 7،34

(100) 12: 8

(101) 33: 8

(102) 35: 9

(103) 11: 11

(104) 38: 4

(105) 12: 11

(106) 36: 9

(107) 16: 10

(108) 29: 1

(109) 6: 13

(110) 3: 9

(111) 46: 10-50

(112) 39: 6،40

(113) 21: 15

(114) رو 13: 16

(115) 38: 4

(116) 14: 8

(117) 4: 11

(118) 8: 3

(119) 31: 7

(120) 13: 2

(121) 13: 2

(122) 3: 13

(123) 68: 14

(124) 39: 15

(125) 13: 1

(126) 4: 2

(127) 4: 5،5

(128) DIA. 106: 2-3.

(129) 35: 4_41.

(130) 39: 4_41.

(131) 6: 5_13.

(132) 35: 6_44.

(133) 1: 8_10.

(134) 22: 1.

(135) 2: 6.

(136) 2: 7_4.

(137) 12: 14.

(138) 6: 15.

(139) 41: 15.

(140) 34: 15.

(141) 34: 15.

(142) 17: 3.

(142) 17: 3.

(144) 18: 12.

(146) 39: 15.

(147) 24: 12.

(148) 9: 5.

(149) 42: 12.

(150) 16: 15.

(151) 42: 12.

نشرت تحت تصنيف مسيحيات, دفاعيات | Leave a Comment »

إنجيل متى كيف كتب؟ وكيف وصل إلينا؟

Posted by Akristus_Anstee على 20 مايو 2011


إنجيل متى كيف كتب؟ وكيف وصل إلينا؟

القمص عبد المسيح بسيط أبو الخير

كاهن كنيسة السيدة العذراء الأثرية بمسطرد

 

الإنجيل للقديس متى يعد أكثر الأناجيل الأربعة استخداماً وانتشاراً فى الكنيسة منذ لحظة تدوينه بالروح القدس وحتى الآن فقد اقتبس منه واستشهد به جميع آباء الكنيسة وكتابها فى القرن الأول والثانى وحتى اليوم.

1- القديس متى الرسول:

القديس متى الرسول هو أحد تلاميذ المسيح الأثنى عشر ورسوله لحمل الأخبار السارة إلى العالم سواء شفاهة أو مكتوبة. وهو فى الأصل عشار أو جامع ضرائب فى كفر ناحوم التابعة لهيرودس أنتيباس رئيس الربع، وقد دعاه السيد المسيح من عند مكان الجباية “وفيما يسوع مجتاز من هناك رأى إنساناً جالساً عند مكان الجباية أسمه متى فقال له أتبعنى. فقام وتبعه(1)”.

ويدل اتباعه للمسيح بعد عودته مباشرة وتركه لوظيفته التى كانت تدر عليه دخلاً كبيراً على أنه رجل صاحب قرار وقادر على التضحية. ويذكره كل من القديسين مرقس ولوقا بأسمه الآخر “لاوى”، “وفيما هو مجتاز رأى لاوى بن حلفى جالساً عند مكان الجباية. فقال له اتبعنى. فقام وتبعه(2)”. وصنع للسيد وليمة عظيمة حضرها جمع كبير من أصدقائه القدامى من العشارين والخطاة(3) ودع بها حياته القديمة، وصار تابعاً للمسيح وتلميذاً له. وتدل وظيفته والوليمة التى صنعها للرب على المكانة الاجتماعية التى كانت له. وقد كان بحكم وظيفته يجيد اللغة اللاتينية، لغة السجلات الرومانية، واللغة اليونانية، لغة التخاطب مع الأجانب، خاصة من الرومان واليونانيين، كما كان كيهودى يجيد العبرية لغة أسفار العهد القديم واللغة الآرامية لغة التخاطب اليومى فى فلسطين. وقد أهله كل ذلك، إلى جانب كونه شاهد عيان وتلميذ للمسيح، وأعده لجمع وتدوين الإنجيل وكتابته، بعد ذلك، باللغة اليونانية والروح العبرية والفكر والإيمان المسيحى والترتيب الموضوعى.

ويذكر فى الأناجيل الثلاثة الأولى وسفر الأعمال فى قوائم التلاميذ الأربع باسم متى(4)، ويذكر المؤرخون إنه بشر فى اليهودية وبلاد فارس وبارثيا(5).

 

2- كاتب الإنجيل الأول (جامعه ومدونه بالروح القدس):

أجمعت الكنيسة منذ البدء على أن كاتب الإنجيل الأول ومدونه بالروح القدس هو القديس متى الرسول تلميذ المسيح وهذا ما يؤكده جميع آباء الكنيسة بدون إستثناء. كما تبرهن نصوص وآيات الإنجيل نفسه على أن كاتبه أحد تلاميذ المسيح الاثنى عشر، وشاهد عيان لأعماله وأقواله.

 

1)- الدليل الخارجى على أن الكاتب هو القديس متى:

أجمع آباء الكنيسة وعلمائها فى نهاية القرن الأول وبداية القرن الثانى الذين كانوا تلاميذ وشهود عيان وخلفاء الرسل على أن الإنجيل الأول قد جمعه ودونه وكتبه بالروح القدس القديس متى تلميذ المسيح ورسوله وأحد الأثنى عشر. كما أجمع على ذلك جميع الآباء الذين استلموا التسليم الرسولى والإنجيل المكتوب من خلفاء تلاميذ الرسل، فى القرون الأولى للميلاد. فقد اقتبس منه واستشهد به جميع هؤلاء الآباء، فقد اقتبس منه إكليمندس الرومانى فى رسالته (2: 13، 8: 46)، وكذلك أغناطيوس الأنطاكى فى رسائله السبع، ويقتبس منه كاتب رسالة برنابا (14: 22) ويقدم هذا الاقتباس بصيغة “مكتوب” والتى تعنى “كتاب مقدس وموحى به”، كذلك يقتبس منه كاتب الدياديكية (3: 1-5) وأيضاً بوليكاربوس، وكان هذا الإنجيل هو المصدر الرئيسى الذى أخذ منه يوستينوس الشهيد معلوماته عن أقوال السيد المسيح وأعماله، وقد ضمه تاتيان تلميذ يوستينوس فى كتابه الدياتسرون، وقد بنيت الرسالة المعروفة بالرسالة الثانية لإكليمندس فى مجموعة أقوالها بالدرجة الأولى على هذا الإنجيل، كما استخدم آياته وأقواله ونصوصه كثيراً الكاتب الفالنتينى بتولمى Potmy فى رسالته إلى فلورا فى منتصف القرن الثانى.

وقد ذكر كاتب هذا الإنجيل بالاسم بابياس أسقف هيرابوليس وسامع القديس يوحنا الرسول وجامع التقليد والأقوال عن الذين استمعوا للرسل وقال أن القديس متى “كتب الأقوال باللغة العبرانية”، وذكر فى الترجمة اللاتينية القديمة والسريانية البسيطة وكذلك إيريناؤس أسقف ليون الذى قال “نشر متى إنجيلاً” وترتليان الذى أكد ذلك أيضا، وأوريجانوس الذى قال أن “أول الأناجيل الأربعة التى لم تقبل كنيسة الله سواها، بدون أى نزاع، كتبه متى الذى كان عشاراً ولكنه فيما بعد صار رسولاً ليسوع المسيح” ويوسابيوس القيصرى المؤرخ الكنسى واسع الإطلاع إذ قال “لأن متى الذى كرز أولاً للعبرانيين كتب إنجيله بلغته الوطنية”، والقديس أثناسيوس الرسولى الذى تجمع على قانونه جميع الكنائس فى كل أركان الأرض والذى قال “الأناجيل الأربعة هى التى بحسب متى ومرقس ولوقا ويوحنا”.

وهكذا تُجمع الكنيسة الأولى على أن كاتب الإنجيل الأول هو القديس متى الرسول. وهذا البرهان يجب أن يوضع فوق كل اعتبار لأنه من غير المعقول أن تكون الكنيسة الأولى التى تسلمته بنفسها من هذا القديس نفسه غير واثقة فيما تسلمته. وهذا البرهان الخارجى يؤكده البرهان الداخلى أيضاً.

 

2)- الدليل الداخلى:

تبدو لنا من القراءة الأولى لهذا الإنجيل سماته اليهودية واضحة العيان، كما يبدو لنا قدم تدوينه وأن كاتبه يهودى مسيحى من تلاميذ المسيح وشهوده، شهود العيان، الذين عاشوا فى الجليل وتجولوا فى بقية المدن اليهودية فى فلسطين التى كان يعرف أماكنها وجغرافيتها وعاداتها وتقاليدها، كواحد منها. فيه نرى أورشليم لا تزال باقية، قبل أن يدمرها الرومان سنة 70م مما يدل على أن الإنجيل قد كُتب قبل ذلك بكثير، فنرى مبانيها السياسية والدينية ما تزال قائمة ونرى الكهنة والكتبة والفريسيين يتجولون فيها، ونرى عمل الكهنوت والذبائح، وإن كان ظلال نبؤات السيد المسيح عن دمار المدينة وزوال الهيكل الوشيكة الوقوع تخيم على الموضوع، فيسجل أقوال السيد عن “أورشليم مدينة الملك العظيم(6)” وتقديم القربان “على المذبح(7)” والحلف “بالهيكل(8)” و”المكان المقدس(9)” وتلميحه لخراب أورشليم عند ذكر نبؤة السيد عن ذلك بقوله “ليفهم القارئ(10)”. وهذا الإنجيل وحده الذى يسجل أقوال السيد المسيح عن الناموس “ما جئت لأنقض الناموس والأنبياء. ما جئت لأنقض بل لأكمل(11)” وعن بدء رسالته أولاً بخراف بيت إسرائيل الضالة(12). كما يسجل أقوال السيد عن جلوس الكتبة والفريسيين على كرسى موسى وحفظ وصاياهم، وكذلك حديثه عن إتمام وصايا موسى(13)، وكذلك أيضا إلتزام السيد المسيح بدفع ضريبة الهيكل مثل سائر اليهود(14)، وافتراض أن يصوم التلاميذ ويحفظوا السبت كيهود وأن يقدموا تقدمات حسب التقليد اليهودى(15).

ويؤكد دائماً من اختياره وتدوينه لآيات معينة ومواقف معينة للسيد المسيح إنه يهودى مسيحى من تلاميذ المسيح وقد كتب لليهود وللمنتصرين من اليهود وليبرهن لهم أن يسوع الناصرى هو النسل الآتى والمسيح الموعود نسل المرأة ونسل إبراهيم وإسحق ويعقوب ووريث عرش داود، فيسجل نسبه من إبراهيم وداود “كتاب ميلاد يسوع المسيح ابن داود ابن إبراهيم(16)” ويقسم سلسلة هذا النسب من إبراهيم إلى المسيح بأسلوب ربانى يهودى فى ثلاث حلقات وكل حلقة من أربعة عشر جيلاً “فجميع الأجيال من إبراهيم إلى داود أربعة عشر جيلاً. ومن داود إلى سبى بابل أربعة عشر جيلاً. ومن سبى بابل إلى المسيح أربعة عشراً جيلاً(17)”. ويركز على تسجيل نبؤات أنبياء العهد القديم عن السيد المسيح ويطبقها على مواقف حياته وأعماله المختلفة كميلاده من عذراء(18) وفى بيت لحم(19) ودخوله أورشليم الأخير(20)، واستخدم صيغ “لكى يتم” و”حينئذ تم” و”لكى تكمل الكتب” 12 مرة(21) فى حين استخدمها القديس مرقس مرة واحدة”.

ويبرهن القديس متى دائماً على أن هذا الإنجيل هو حلقة الوصل بين العهد القديم، الذى اقتبس منه وأستشهد بآياته حوالى أربعين مرة، والعهد الجديد الذى هو الاستمرار الطبيعى له.

كما سجل الأحداث التى جاء فيها ذكر المسيح كملك اليهود، مثل مجيئ المجوس من المشرق والسجود له كملك اليهود(23) ودخوله أورشليم الأخير كملك اليهود(24) ومتمم لما تنبأ به عنه زكريا النبى(25)، وهروبه إلى مصر فى طفولته عند اضطهاد هيرودس له، كملك اليهود، ولجؤه إلى مصر التى كانت ملجأ ومكان عبودية إسرائيل فى القديم، وعودته منها، وهو بذلك يتمم تاريخ إسرائيل ويؤكد ذلك القديس متى باستخدامه قول هوشع النبى عن خروج إسرائيل من مصر كنبؤة عن لجوءالمسيح إليها وعودته منها “لكى يتم ما قيل من الرب بالنبى القائل من مصر دعوت ابنى(26)”. ويظهر يوحنا المعمدان فى بداية الإنجيل كمكمل لرسالة النبؤة وأنبياء العهد القديم فى إعداد الطريق للمسيح الذى يبدأ رسالته العامة بعد المعمودية والتجربة على الجبل بالموعظة على الجبل التى تطابق الشريعة التى استلمها موسى من الله على جبل سيناء. وتحتوى هذه الموعظة على الناموس الجوهرى لملكوت المسيح، ويدور محورها ومحور الإنجيل أيضا على أن المسيح هو الذى جاء متمماً ومكملاً للناموس والأنبياء ولكن فى صورة جديدة وعهد جديد مبنى على الروحيات والسماويات وتقديم المسيح لذاته وخالى من تقاليد الشيوخ ومفاهيمهم الحرفية الجافة.

كما يُسجل الإنجيل كون المسيح قد جاء كأعظم نبى وملك وكاهن إلى جانب كونه كلمة الله المتجسد، والمسيح المنتظر “أنت المسيح ابن الله الحى(27)”.

ويستخدم نفس تعبيرات اليهود دون أن يحاول تفسيرها، مما يدل على أنه من أصل يهودى ويكتب لليهود وللمسيحيين من أصل يهودى، فيسجل قول السيد عن “مدن إسرائيل(28)” وحديث الناس وتعجبهم لأعماله وقولهم “لم يظهر قط مثل هذا فى إسرائيل(29)” وإرسال السيد لتلاميذه إلى “خراف بيت إسرائيل الضالة(30)” وتمجيد الشعب ل “إله إسرائيل(31)”، ووصف أورشليم ب “المدينة المقدسة(32)”، والإشارة إلى بنى إسرائيل باعتبارهم “بنو الملكوت(33)”. ويستخدم الإنجيل تعبير “ملكوت السموات” مثل بقية اليهود، فى حين تستخدم الأناجيل الثلاثة الأخرى تعبير “ملكوت الله”. وبدون كلمات يهودية مثل “راقا(34)” دون أن يترجمها لأنه يكتب لليهود، ولكنه يترجم التعبيرات اليهودية القديمة فقط مثل “عمانوئيل” و”جلجثة” و”إيلى إيلى لم شبقتنى” وذلك لليهود الذين كانوا يعيشون خارج فلسطين. كما لا يفسر اللهجات المحلية كقول الخدم لبطرس “حقاً أنت أيضا منهم فإن لغتك تظهرك(35)”. بينما يفسر ذلك القديس مرقس لقرائه غير اليهود بقوله “أنت منهم لأنك جليلى أيضا ولغتك تشبه لغتهم(36)”، ويتكلم عن “أول أيام الفطير(37)” دون تعليق، فى حين يشرح ذلك القديس مرقس “وفى اليوم الأول من الفطير حين كانوا يذبحون الفصح(38)”.

ويتكلم أيضا عن العادات اليهودية دون محاولة تفسيرها كشخص عاشها ويكتب لأناس يعيشونها، فى حين آلهتكم الإنجيليين الثلاثة الآخرين كانوا يفسرونها، وعلى سبيل المثال فعندما يدون الحديث عن الأكل بأيدى غير مغسولة ينقل قول شيوخ اليهود للمسيح “لماذا يتعدى تلاميذك تقليد الشيوخ. فأنهم لا يغسلون أيديهم حينما يأكلون خبزاً(39)”، وذلك دون تفسير أو تعليق فى حين يقول القديس مرقس “ولما رأوا بعضاً من تلاميذه يأكلون خبزاً بأيد دنسة أى غير مغسولة لاموا. لأن الفريسيين وكل اليهود إن لم يغسلوا أيديهم باعتناء لا يأكلون. متمسكين بتقليد الشيوخ. ومن السوق إن لم يغسلوا لا يأكلون. وأشياء أخرى كثيرة تسلموها للتمسك بها من غسل كؤوس وأباريق وآنية نحاس وأسرة(40)”. فهو يشرح لأناس أمور لا يعرفونها.

 

3- عالمية الإنجيل:

وإلى جانب تركيز القديس متى على تسجيل أقوال السيد المسيح التى تميل إلى القومية كمحور أمال إسرائيل، فهو يدون أيضا وبغزارة أقوال السيد وتعاليمه عن عالمية وكونية الإنجيل والمدى غير المحدود لرسالته باعتباره مسيح العالم كله، مسيح الكون كله، فيذكر مجيئ المجوس من المشرق كباكورة الأمم ليسجدوا له ويقدموا له البيعة، ولجوء المسيح إلى مصر عند اضطهاد هيرودس له، ويذكر توبيخ المسيح لشيوخ اليهود وإعلانه طردهم من الملكوت ودخول الأمم فيه، ويمدح غيمان قائد المئة الأممى الذى فاق فى إيمانه بنى إسرائيل “الحق أقول لكم لم أجد ولا فى إسرائيل إيماناً بمقدار هذا”، ثم يضيف “وأقول لكم أن كثيرين سيأتون من المشارق والمغارب ويتكئون مع إبراهيم وإسحق ويعقوب فى ملكوت السموات أما بنو الملكوت فيطرحون إلى الظلمة الخارجية(41)” وفى مثل الكرامين الذين قتلوا المرسلين إليهم يوبخ اليهود على جلدهم ورجمهم وقتلهم للأنبياء وللرسل الذين أرسلوا إليهم بقوله “إن ملكوت الله ينزع منكم ويعطى لأمه تعمل إثماره”(42). ويذكر رفض اليهود للسيد فى الجليل واليهودية ومحاولاتهم المتكررة لقتله وإنذار السيد لهم وتحذيرهم، بل وتفوق بعض الأمم عليهم فى الإيمان “رجال نينوى سيقومون فى الدين مع هذا الجيل ويدينونه لأنهم تابوا بمناداة يونان وهوذا أعظم من يونان ههنا. ملكة التيمن ستقوم فى الدين على هذا الجيل وتدينه. لأنها أتت من أقاصى الأرض لتسمع حكمه سليمان. وهوذا أعظم من سليمان ههنا”(43).

كما يسجل ويلات السيد لقاده وشيوخ إسرائيل “ويل لكم أيها الكتبة والفريسيون المرأوون لأنكم تغلقون ملكوت السموات قدام الناس..”(44) إلى آخر سلسلة الويلات التى صبها عليهم بسبب انحرافهم عن طريق الملكوت ورفضهم له، والتى وصلت الذروة بإعلانه عقابهم على أعمالهم الشريرة وأنباؤه لهم بخراب أورشليم، مدينتهم المقدسة، الوشيك “يا أورشليم يا قاتلة الأنبياء وراجمة المرسلين إليها كم مرة أردت أن أجمع أولادك كما تجمع الدجاجة أفراخها تحت جناحيها ولم تريدوا هوذا بيتكم يترك لكم خراباً”(45). ثم يذكر ويلات السيد على المدن التى صنع فيها أكثر قواته ولم تتب “ويل لك يا كورزين. ويل لك يا بيت صيدا. لأنه لو صنعت فى صور وصيدا القوات المصنوعة فيكما لتابتا قديماً فى المسوح والرماد.. وأنت يا كفر ناحوم المرتفعة إلى السماء ستهبطين إلى الهاوية. لأنه لو صنعت فى سدوم القوات المصنوعة فيك لبقيت إلى اليوم”(46).

 

4- الإنجيل الآرامى والإنجيل اليونانى:

تكلم جميع الأباء الذين ذكروا الإنجيل للقديس متى بالاسم عن الأصل الآرامى أو العبرى الذى لهذا الإنجيل، وعلى رأس هؤلاء الآباء بابياس وإيريناؤس وبانتينوس مدير مدرسة الإسكندرية اللاهوتية وأوريجانوس وابيفانيوس أسقف سلاميس بقبرص وجيروم سكرتير بابا روما. وقد ناقش العلماء هذه المسألة كثيراً، وكانت نتيجة دراستهم كالآتى:

إن الإنجيل اليونانى والذى كان بين أيدى أباء الكنيسة منذ فجرها وما يزال بين أيدينا برغم وضوح أصله السامى العبرى اليهودى وثقافة كاتبة اليهودية العبرية والملىء ايضاً بالعبارات والاصطلاحات السامية اليهودية والذى يبدو واضحاً أن سلسلة الأنسياب فيه وكذلك بقية الإصحاح الأول والثانى مأخوذان من أصل أرامى، إلا أنه مكتوب أصلاً باللغة اليونانية، فقد دُون وكتب فى الأصل باللغة اليونانية وإن كاتبه عبرى أرامى يهودى وكل ما فيه قد حدث وتم فى فلسطين، وليس قيه سمات الترجمة، بل على العكس تماماً إذ توجد فيه كلمات يونانية لا يوجد موازى لها فى الآرامية، كما أقتبس كثيراً، عند الإشارة لنبوات العهد القديم عن المسيح، من الترجمة اليونانية السبعينية Lxx، كما أقتبس أيضاً من الأصل العبرى. وهناك أيضاً بعض الكلمات العبرية والعادات التى شرحها مثل قول السيد “إيلى إيلى لما شبقتنى أى إلهى إلهى لماذا تركتنى”(48)، وكذلك قوله “وكان الوالى معتاداً فى العيد أن يطلق للجميع أسيرا واحداً من ارادُوه”(49)، وأيضا قوله “فشاع هذا القول عند اليهود إلى هذا اليوم”(50)، وهذا يدل على إن القديس متى قد دون الإنجيل باليونانية وهو يضع فى اعتباره المسيحيين خارج فلسطين.

تؤكد جميع الاقتباسات التى أقتبسها الأباء منذ فجر المسيحية وما بعد ذلك أنها مقتبسة من هذا الإنجيل اليونانى الذى كان مع الأباء وما يزال بين أيدينا.

وقد أكد الأباء أنفسهم، والذين اقتبسوا من الإنجيل اليونانى، والذى لم يكن بين أيديهم سواه أنهم اقتبسوا من الإنجيل الذى دونه القديس متى. كما أكدوا أن الإنجيل الذى كتب بالآرامية أو العبرية قد عرفوا عنه بالتقليد ولكنهم لم يروه وإنما رآه البعض مثل العلامة بنتينوس فى جنوب الجزيرة العبية، وأيضا القديس جيروم الذى قال إنه رآه عند جماعة الابيونيين فى سوريا ولكنه عاد وصرح بعد ذلك إنه لم يكن الإنجيل للقديس متى بل إ،جيل العبرانيين وهو نسخة مشوهة عن إنجيل متى(51).

وقد ثار جدال حول عبارة بابياس “كتب متى الأقوال الإلهية باللغة العبرانية وفسرها كل واحد على قدر استطاعته”(52)، وتشبعت آراء العلماء والدارسين حولها. ولكن هناك كثيرين غيره من الآباء بالإنجيل العبرى أو الآرامي.

وهناك حقيقة هامة يجب أن لا تغيب عن أبصارنا مطلقاً، وهى أن جميع الآباء سواء الذين أشاروا إلى الإنجيل العبرى أو غيرهم لم يكن لديهم سوى الإنجيل اليونانى والذى اقتبسوا منه وأشاروا انه هو الإنجيل الذى دونه القديس متى، وإن أقدم المخطوطات التى وجدت وترجع للقرن الثانى لهذا الإنجيل مكتوبة باليونانية وكذلك أقدم الترجمات مترجمة أيضا عن اليونانية، وان الكنيسة تستخدم فى قراءاتها فى الخدمة الليتورجية سوى النص اليونانى، ولم تستخدم مطلقاً أى نص عبرى للقديس متى أو غيره من كتاب الأناجيل.

ويقدم كثيرين من العلماء تاريخين لتدوين هذا الإنجيل الأول هو ما بين 40 و 45م والثانى هو ما بين 60 و65م، إلى جانب أن كثيرين من العلماء يؤكدون أن القديس متى دون الإنجيل أولاً باللغة الإجرامية فى فلسطين وبعد ذلك دون الإنجيل ثانية باللغة اليونانية دون التقيد بما دونه سابقاً بالآرامية، فهو لم يترجم النص العبرى إلى اليونانية، بل دون الإنجيل واضعاً فى اعتباره عند الكتابة إنه يقدم الإنجيل ليس لمسيحى فلسطين فقط بل لكل المسيحيين الذين من أصل يهودى فى كل العالم.

وعلى كل حال فقد برهنت كل الأدلة على أن الكنيسة وكل آبائها وكتابها لم يستخدموا سوى هذا الإنجيل اليونانى مؤكدين جميعاً بالدليل والبرهان أن جامعة ومدونة وكاتبة بالروح القديس متى تلميذ المسيح ورسوله.

ويجب أن نضع فى الاعتبار أيضا أن هذا الإنجيل قد دون فى الفترة الانتقالية للمسيحية التى لم تكن قد انفصلت نهائياً عن اليهودية حين كان المسيحيون واليهود لا يزالون يعبدون معاً.

 

5- أهم مخطوطات الإنجيل للقديس متى:

كان الإنجيل للقديس متى هو أكثر الأناجيل الثلاثة الأولى استخداما وانتشارا فى الكنيسة الأولى ويرجع أقدم اقتباس منه لسنة 95م كما يرجع استخدامه الكنسى لما قبل سنة 70م، أما أقدم مخطوطاته فترجع لسنة 200م ويوجد له فى المتاحف أكثر من ألفى مخطوطة. وفيما يلى أهم مخطوطاته:

ا- بردية ب64 وبردية ب67 وترجعان لسنة 200م وتضمان أعداداً من متى 3،5و26، والبردية ب77 وترجع للقرن الثالث وتحتوى على (متى 30: 23_39).

ب- بردية ب45 وترجع لسنة 220م وتحتوى على أجزاء كبيرة من الأناجيل الأربعة وسفر أعمال الرسل، والجزء الخاص بالقديس متى يحتوى على (متى 24: 20_32، 13_19، 41: 25_39: 26)، والبرديات ب1، ب37، ب53، ب70 ويرجعون للقرن الثالث.

ج- وهناك ست برديات من القرن الرابع هم ب19، ب21، ب25، ب62، ب71، ب86، وهناك خمس مخطوطات بالخط البوصى (058، 160.، 231.، 242.) إلى جانب أهم وأقدم مخطوطتين تضمان كل أسفار الكتاب المقدس وهما المخطوطة (ألف عبرى) السينائية والتى ترجع لسنة 340/ والمخطوطة (B) الفاتيكانية والتى ترجع لما بين سنة 325 و 350م. وإلى جانب هؤلاء يوجد أكثر من ألفى مخطوطة من عصور مختلفة.

 

(1) متى 9: 9

(2) مر 14: 2؛ لو 27: 5

(3) متى 10: 9-13

(4) متى 3: 10؛ مر 18: 3؛ لو 15: 6؛ أع 13: 1

(5) Smith, Dict. Of the Bib. Vol. 2p. 274

(6) متى 35: 5

(7) متى 23: 5

(8) متى 16: 23

(9) متى 28: 16

(10) متى 15: 24

(11) متى 17: 5

(12) متى 24: 15، 6: 10

(13) متى 2: 23،3

(14) متى 7: 19-9، 23: 23

(15) متى 16: 6-18؛ 20: 24؛ 23: 5،24

(16) متى 1: 1

(17) متى 17: 1

(18) متى 23: 1، أش 14: 7

(19) متى 7: 2؛ ميخا 2: 5

(20) متى 54: 21

(21) متى 22: 1؛ 15: 2،17،23؛ 14: 4؛ 17: 8؛ 17: 12؛ 25: 13؛ 4: 21؛ 56: 26؛ 9: 27،35.

(23) متى 2: 2

(24) متى 54: 21

(25) زك 9: 9

(26) هو 1: 11، متى 15: 2

(27) متى 16: 16

(28) متى 23: 10

(29) متى 33: 9

(30) متى 6: 10؛ 24: 15

(31) متى 31: 15

(32) متى 5: 4

(33) متى 12: 8

(34) متى 22: 5

(35) متى 73: 26

(36) مر 7: 14

(37) متى 17: 26

(38) مر 12: 14

(39) متى 2: 15،3

(40) مر 2: 7،3

(41) خمتى 10: 8،11

(42) متى 43: 21.

(43) متى 41: 12،42.

(44) متى 13: 23_36.

(45) 37: 23،38.

(46) متى لا21: 11_23.

(48) 46: 27.

(49) متى 15: 27.

(50) متى 15: 28.

(51) N.T.Apoc. Vol. 1 P 158.

(52) يوسابيوس ك3 ف39.

نشرت تحت تصنيف مسيحيات, دفاعيات | Leave a Comment »

إنجيل لوقا كيف كتب؟ وكيف وصل إلينا؟

Posted by Akristus_Anstee على 20 مايو 2011


إنجيل لوقا كيف كتب؟ وكيف وصل إلينا؟

القمص عبد المسيح بسيط أبو الخير

كاهن كنيسة السيدة العذراء الأثرية بمسطرد

 

1- الكاتب وشهادة الأباء عنه:

أجمع أباء الكنيسة على أن كاتب الإنجيل الثالث هو القديس لوقا الذى تبع الرسل وتلميذ بولس الرسول. وقد أقتبس منه الأباء واستشهدوا بآياته منذ نهاية القرن الأول، واستخدموه بكثافة أكثر منذ بداية القرن الثانى. ولكن هؤلاء الأباء اقتبسوا واستشهدوا بآيات الإنجيل بأوجهه الأربعة باعتبارها “أقوال الرب” وكلمة الله الموحى بها، والتى استلموها أولاً شفاهة وحفظوها، ثم سلمت لهم مكتوبة بعد ذلك. ولذا فلم يهتموا بذكر مصدر الإنجيل أو السفر الذى اقتبسوا منه أو استشهدوا بآياته لأنها جميعاً تحتوى على “أقوال الرب” وأعماله. ولكن مع ظهور كتب أخرى فى أوساط الهراطقة دُعيت أناجيل ونُسبت لكتابها من الهراطقة أو لبعض الرسل، بدأ أباء الكنيسة يحددون الأناجيل القانونية الموحى بها ويميزونها عن الكتب الأبوكريفية الزائفة. وهكذا ظهرت قوائم بالكتب القانونية الموحى بها وأخذ أباء الكنيسة يدافعون فى كتاباتهم عن الأناجيل والأسفار التى كتبها الرسل بوحى الروح القدس وعن صحتها وقانونيتها. ومن ثم بدأ أباء الكنيسة منذ منتصف القرن الثانى يذكرون الأناجيل بأسماء جامعيها ومدونيها بالروح القدس من الرسل وكذلك بقيه أسفار العهد الجديد.

أما فيما يختص بالإنجيل للقديس لوقا فقد أقتبس منه وأستشهد به أباء الكنيسة وتلاميذ الرسل، كما اقتبس منه يوستينوس الشهيد كثيراً وذكر نزول قطرات العرق مثل الدم من السيد المسيح عندما كان يصلى فى بستان جثسيمانى، والتى لم تسجل إلا فى هذا الإنجيل فقط. وينسب العلامة الإنجليزى وستكوت 50 إشارة لتاريخ الإنجيل و70 حقيقة خاصة برواية القديس لوقا أدخلها يوستينوس فى حواره مع تريفوا.

كما أقتبس منه إنجيل بطرس الابوكريفى كثيراً، واستخدمت الرسالة الثانية المنسوبة لأكليمندس كثيراً من آياته، وضمه تاتيان فى كتابه الرباعى “الدياتسرون”. فيقول أحد العلماء ويدعى بلامر “من الثابت إنه فى النصف الثانى من القرن الثانى، كان هذا الإنجيل معترفاً بصحته كسفر موحى به ومن المستحيل إثبات إنه لم يكن معترفاً به من قبل ذلك بكثير”. وقال آخر ويدعى بولخر “يتفق القدماء بالإجماع على إن الكاتب هو لوقا تلميذ بولس الذى ذكره فى رسالته إلى فليمون”.

ومنذ الربع الأول من القرن الثانى أستخدمه الهراطقة مثل باسيليدس(152) الذى علم فى الإسكندرية حوالى (120م)، وسردوا Cerdo الذى عاش فى بداية القرن الثانى والذى يتكلم عنه ثيودوريت Theoret، ومارسيون (حوالى 140م) الذى أختار هذا الإنجيل فقط من الأناجيل الأربعة مع عشر من رسائل بولس الرسول كقانونه الوحيد، وترك صديقه هيراكليون تفسيراً لهذا الإنجيل مع إنجيل يوحنا ماتزال صفحات منه باقية وقد أشار إليه أكليمندس الأسكندرى(153).

كما شهد لكتابه القديس لوقا لهذا الإنجيل الثالث كل الترجمات السريانية البشيتا واللاتينية القديمة واللاتينية الثانية التى تمت فى شمال أفريقيا فى عصر مبكر جداً، وكذلك الترجمة القبطية الصعيدية.

وأقتبس منه أيضا كتاب “البطاركة الأثنى عشر” المكتوب فيما بين سنه 100 و 120م. وقد أقتبس منه 22 كلمة نادرة منها 19 كلمة نادرة لم يستخدمها أى كاتب معاصر آخر، كما أقتبس 24 كلمة من سفر الأعمال منها 20 كلمة لم توجد فى أى سف آخر من أسفار العهد الجديد سوى أعمال الرسل فقط.

وجاء فى الوثيقة الموراتورية (170م) “كتاب الإنجيل الثالث، الذى بحسب لوقا، هذا الطبيب لوقا، أخذه بولس معه بعد صعود المسيح كخبير فى الطريق (التعليم)، دونه بأسمه حسب فكره. مع أنه لم يرى الرب فى الجسد، ولأنه كان قادراً على التحقق منه، فقد بدأ يروى القصة من ميلاد يوحنا”.

وجاء فى الكتاب المسمى “مقدمه ضد المارسيونيين- Anti Marcionite Prologue”. الذى أشتهر فى الكنيسة الرومانية، ويرجع إلى النصف الثانى من القرن الثانى “لوقا سورى انطاكى، سورى السلالة، طبيب المهنة، أصبح تلميذاً للرسل، وتبع بولس الرسول أخيراً حتى استشهاده (بولس)، وخدم الرب بإصرار، لم يتزوج، ولم يكن له ولد، أمتلئ بالروح القدس، ومات فى الرابعة والثمانين من العمر فى بيوثية. فبعد أن كُتب الإنجيل الذى لمتى فى اليهودية والإنجيل الذى لمرقس فى إيطاليا، قاده الروح القدس لكتابه إنجيله هو فى إقليم اخائية، ويذكر فى مقدمته أن كتابات أخرى قد دونت قبله، لكن تراءى له ضرورة تدوين سيره كاملة وشاملة للمؤمنين من أصل يونانى”(154).

وقال إيريناؤس أسقف ليون “ودون لوقا –الذى كان ملازماً لبولس- فى كتاب الإنجيل الذى أعلنه بولس”(155). وقال ترتليانوس فى شمال أفريقيا اعتادت الكنائس الرسولية أن تقرأ الإنجيل بحسب لوقا، ولأن لوقا هو تلميذ بولس وصاحب الإنجيل الذى أعتمده مارسيون دون سواه(156).

وقال أكليمندس الأسكندرى، إن المسيح وُلد فى عهد أغسطس قيصر “كما هو مكتوب فى الإنجيل الذى بحسب لوقا”(157). وقال العلامة اوريجانوس “والثالث كتبه لوقا، وهو الإنجيل الذى أقره بولس، وكُتب من أجل المنتصرين من الأمم”(158). وقال يوسايبوس القيصرى “أما لوقا الذى كان من أبوين أنطاكيين، والذى كان يمتهن الطب، والذى كان صديقاً حميماً لبولس ومعروفاً عند سائر الرسل، فقد ترك لنا فى سفرين قانونيين براهين على موهبة الشفاء الروحى التى تعلمها منهم. أما أحد هذين السفرين فهو الإنجيل الذى يشهد بأنه كتبه كما سلمه الذين كانوا منذ البدء معاينين وخداماً للكلمة. والذين قد تتبعهم من الأول بتدقيق. وأما السفر الثانى فهو أعمال الرسل الذى كتبه لا بناء على رواية الآخرين بل بناء على ما رآه هو بنفسه. ويقال أن بولس كلما قال “بحسب إنجيلى”(159) إنما كان يشير إلى هذا الإنجيل الذى بحسب لوقا كأنه يتحدث عن إنجيله هو”(160).

وهكذا شهدت الكنيسة منذ البدء فى الشرق والغرب فى الشمال والجنوب إن كاتب الإنجيل الثالث الروح القدس هو القديس لوقا تلميذ الرسل ورفيق القديس بولس.

 

2- القديس لوقا:

يُذكر القديس لوقا فى رسائل القديس بولس الرسول بالطبيب الحبيب “يسلم عليكم لوقا الطبيب الحبيب”(161)، والعامل معه “مرقس وارسترخس وديماس ولوقا العاملون معى”(162). كما يذكره كالصديق الوفى الذى ظل معه وحده بعد أن تركه الآخرين “لوقا وحده معى”(163). ويتكلم القديس لوقا عن نفسه فى بداية الإنجيل وبداية سعر الأعمال كالكاتب لكليهما بضمير “أنا” “رأيت أنا أيضاً”(164) “الكلام الأول أنشأته ياثاوفيلس…”(165). ثم يتكلم عن نفسه بعد ذلك فى سفر الأعمال بضمير المتكلم الجمع “نحن”، “نا” عندما نقابله للمرة الأولى كرفيق للقديس بولس من تراوس بعد أن ظهرت لبولس “رؤيا فى الليل رجل مكدونى قائم بطلب إليه ويقول أعبر إلى مكدونية وأعنا. فلما رأى الرؤيا للوقت طلبنا أن نخرج إلى مكدونية متحققين إن الرب قد دعانا لنبشرهم” ويستمر بعد ذلك فى استخدام ضمير المتكلم الجمع “فأقلعنا… وتوجهنا.. فأقمنا… خرجنا… فجلسنا وكنا نكلم… وبينما كنا ذاهبين… أستقبلنا… بولس وإيانا”(166). وقد أصطحب القديس بولس إلى فيلبى. ويبدو أنه ظل هناك بعد رحيل القديس بولس وسيلا إلى كورنثوس (سنه 51م) لرعاية الكنيسة الناشئة، حيث يستبدل فجأة ضمير المتكلم “نحن” إلى “هم”(167). وبعد سبع سنوات أخرى (سنه 58م) ينضم للقديس بولس ثانيه عندما مر بفيلبى فى رحلته الأخيرة إلى أورشليم وتوقف لمده أسبوع فى تراوس(168). فمن تلك اللحظة يعاود القديس لوقا استخدام الضمير “نحن” و “وأما نحن فسافرنا… ووافيناهم… صرفنا”(169)، “وأما نحن فسبقنا إلى السفينة وأقلعنا… إلخ”(170).

ويستمر فى استخدام ضمير المتكلم الجمع هكذا حتى وصول القديس بولس ومن معه إلى روما وإقامته وحده مع حارسه” ولما أتينا إلى رومية … وأما بولس فأذن له أن يقيم وحده مع العسكرى الذى كان يحرسه(171)”. وكان مع القديس بولس أو كان قريباً منه فى رحلته إلى روما التى وصفها وصفاً دقيقاً وكان معه مدة سنتين فى قيصرية وظل معه إلى نهاية سجنه الأول فى روما (سنة 63م). وكانت أخر إشارة لوجوده مع القديس بولس هى عندما تحدث عن استشهاده “لوقا وحده معى(172)”.

وقال بعض الآباء إنه من إنطاكية بسوريا ومما يبرهن على ذلك هو إشاراته الكثيرة إلى إنطاكية فى سفر الأعمال، فقد وضعها فى مكانة خاصة، فكانت نقطة البدء فى رحلات القديس بولس، وفيها دعى التلاميذ مسيحيين أولاً “ودعى التلاميذ مسيحيين فى إنطاكية أولاً(173)” ومن الشمامسة السبعة يذكر أن أحدهم من إنطاكية “نيقولاوس دخيلاً إنطاكياً(174)” دون أن يذكر قومية الستة الآخرين. وقدم فى السفر معلومات كثيرة عن الكنيسة فى إنطاكية(175).

 

3- خصائص الإنجيل وأسلوبه:

وصف بولس الرسول القديس لوقا ب “الطبيب الحبيب”، وكان القديس لوقا، كما جاء عنه فى كتابات الآباء، وكما يبدو لنا من أسلوبه فى التدوين والكتابة سواء فى الإنجيل أو فى سفر الأعمال، شخصية متعددة الجوانب والمواهب، فقد كان طبيباً وأديباً وشاعراً وفناناً واسع الفكر، ورحالة غير محترف ولكن معتاد على الرحلات البحرية وله خبرة واسعة بها، إلى جانب كونه تلميذاً للرسل ومسيحياً يونانياً وكارزاً عملاقاً، دون الإنجيل وسفر الأعمال بالروح القدس. وكان ذو ثقة عالية ومؤرخاً دقيقاً يرى الدارسين أنه احسن كاتب يونانى بين الإنجيليين الأربعة، ويقول رينان عن إنجيله هذا “أنه أروع كتاب فى العالم”، وقد استخدم مفردات كثيرة، فهو غنى بالمفردات وإيقاعى فى تركيبه، وكمؤرخ فهو حريص جداً ودقيق إلى أبعد حد. ويبدأ الإنجيل بمقدمة مؤرخ، وهى، كما يرى العلماء، أبلغ قطعة فى العهد الجديد، وعندما يبدأ فى رواية أحداث ميلاد يوحنا المعمدان والسيد المسيح فى الإصحاحين الأول والثانى، يبدو اللون العبرى والصبغة العبرية واضح جداً أكثر من بقية أجزاء الإنجيل، فهو يسجل أناشيد زكريا والعذراء القديسة مريم وأليصابات وسمعان الشيخ، والتى يترجمها من العبرية والآرامية، وكذلك نشيد الملائكة كآخر المزامير العبرية وأول الترانيم المسيحية، فهذا الجزء من الإنجيل عبرى يونانى وبقية الإنجيل يونانى خالص.

كما تميز الإنجيل الثالث، هذا، بمفردات كثيرة عن الأناجيل الثلاثة الأخرى إذ يتميز وحده ب 180 تعبير فى حين يتميز الإنجيل للقديس متى بحوالى 70 والإنجيل للقديس مرقس ب 44 والإنجيل للقديس يوحنا ب 50 تعبير. وكطبيب فقد استخدم عبارات واصطلاحات طبية كثيرة مثل “المفلوج، جراح، ضمد، صب زيتاً وخمراً، مضروباً بالقروح، الجذع، يغشى من الخوف(176)”، وأهتم بمعجزات شفاء المرضى، ويتحدث عن الأمراض بدقة، واتفق فى وصفه للأمراض مع كُتاب الطب القديم مثل جالينوس، فوصف حمة حماة بطرس بأنها “حمة شديدة(177)” والروح الذى كان على الأبن الوحيد لأبيه “فيصرعه(178)” والمرأة التى كانت بها روح ضعف “كانت منحنية(179)”، وهو وحده إلى سجل قول المسيح “على كل حال تقولون لى هذا المثل أيها الطبيب أشف نفسك(180)”،ولأنه طبيب فقد تكلم عن الأطباء بلهجة مخففة عن لهجة القديس مرقس فى نفس الحديث، فيقول “وامرأة بنزف الدم منذ اثنتى عشرة سنة وقد أنفقت كل معيشتها على الأطباء ولم تقدر أن تشفى من أحد(181)”، ويقول القديس مرقس “… وقد تألمت كثيراً من أطباء كثيرين وأنفقت كل ما عندها ولم تنتفع شيئاً بل صارت إلى حالة أردأ(182)”.

وقد كتب القديس لوقا الإنجيل الثالث للمسيحيين من الأمم، وبصفة خاصة اليونانيين، كما كتب القديس متى لليهود والقديس مرقس للرومان والقديس يوحنا للمتقدمين فى الإيمان من يهود ورومان ويونانيين ومن كل الأمم. ومن ثم فقد شرح القديس لوقا مواقع المدن الفلسطينية وأسمائها “مدينة من الجليل اسمها ناصرة(183)”، “كفر ناحوم مدينة من الجليل(184)”، وكذلك المسافات بين البلاد “قرية بعيدة عن أورشليم ستين غلوة اسمها عمواس(185)”، وشرح عادات اليهود “وقرب عيد الفطير الذى يقال له الفصح(186)”. ولأنه كتب للأمم فقد ركز على تدوين المواقف والأحداث التى تؤكد وتبين أن المسيح جاء ليخلص جميع الأمم والشعوب من جميع الخطايا والأتعاب ومن جميع الأمراض، ومن فقد تجنب تسجيل جميع الأقوال التى قال فيها السيد إنه أرسل إلى خراف بيت إسرائيل أولاً، وعلى العكس من ذلك فقد سجل الأحداث التى تمجد الأمم وتفتح الطريق أمامهم للخلاص الأبدى مثل قائد المئة الذى بنى لليهود مجمعاً “يحب أمنا وهو بنى لنا المجمع(187)”، ومثل السامرى الصالح الذى كان اكثر صلاحاً من اللاوى والكاهن اليهوديين(188)، والسامرى الذى شفاه السيد من برصه وعاد ليشكره فى حين كان معه تسعة من اليهود لم يفعلوا مثله(189).

كما ركز على تدوين الأقوال والعمال التى تؤكد شمولية الخلاص وعموميته، وغن المسيح قد جاء مخلصاً وفادياً لكل البشرية فى العالم كله من كل جنس ولون ولسان، وليس اليهود فقط، ولذا يرجع بنسب المسيح إلى آدم، أب البشرية كلها “ابن آدم ابن الله(190)”، وكانت بشارة الملاك وجمهور الجند السماوى للرعاة تعلن ميلاد مخلص كل البشرية “إنه ولد لكم اليوم فى مدينو داود مخلص هو المسيح الرب … المجد لله فى الأعالى وعلى الأرض السلام وبالناس المسرة(191)”، ويعلن سمعان الشيخ بالروح القدس أن المسيح جاء لخلاص جميع الشعوب والأمم “لأن عينى قد أبصرتا خلاصك الذى أعددته قدام وجه جميع الشعوب. نور إعلان للأمم ومجداً لشعبك إسرائيل(192)”، فى نبؤة اشعياء عن يوحنا المعمدان معد الطريق للمسيح، يقول “ويبصر كل بشر خلاص الله(193)”. وهو وحده الذى يسجل قول المسيح عن إرسالية إيليا للأرملة الوثنية فى صرفة صيدا(194)، وتطهير أليشع لبرص نعمان السريانى(195). وهو وحده الذى يسجل إرسالية السبعين رسولاً(196) والذين يتفق الجميع إنها كانت للأمم، كما يسجل شفاء المسيح لعبد قائد المئة الرومانى(197)، كما يسجل قول السيد المسيح “يأتون من المشارق ومن المغارب ومن الشمال والجنوب ويتكئون فى ملكوت الله(198)”، كما يسجل إرسال المسيح لتلاميذه ورسله ليكرزوا بالإنجيل لجميع الأمم وإلى أقصى الأرض “وأن يكرز بأسمه (المسيح) بالتوبة ومغفرة الخطايا لجميع الأمم مبتدأً من أورشليم(199)”، “وتكونون لى شهوداً فى أورشليم وفى كل اليهودية والسامرة وإلى أقصى الأرض(200)”.

كما دون الأحداث والأقوال التى تقدم المسيح صديق الخطاة وفاديهم ومخلصهم الرحيم، ومريح التعابى وشافى المرضى من جميع أمراضهم وأتعابهم، ومحب البشرية والراعى الصالح الذى يبحث عن الضال فى مثل الخروف الضال “هكذا يكون فرح فى السماء بخاطئ واحد يتوب أكثر من تسعة وتسعين باراً لا يحتاجون إلى توبة(201)”، وفى مثل الإبن الضال “إبنى هذا كان ميتاً فعاش وكان ضالاً فوجد(202)”، وفى مثل الدرهم المفقود “هكذا أقول لكم يكون فرح قدام ملائكة الله بخاطئ واحد يتوب(203)”، وكذلك فى مثال الفريسى والعشار(204)، قدم المسيح غافر الخطايا مهما كانت، وفى قصة المرأة الخاطئة(205)، نرى المسيح الذى يبرر حتى الزوانى. وعلى الصليب يقدم لنا المسيح الذى غفر لصالبيه “يا أبتاه أغفر لهم لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون(206)”، وعلى الصليب أنها يقبل توبة اللص المصلوب التائب ويعده بالفردوس(207).

كما يقدم المسيح محب الإنسانية، الذى يحب الجميع كأفراد، فهو يهتم حتى بأحقر الناس، ويحب الوضيع والمحتقر ويعطف على المريض، بل ويعطف حتى على الزوانى والعشارين ويدعوهم للتوبة، ويطوب المساكين والفقراء بالروح والجائعين، ويشفى المقعد والعرج والأعمى، ويحب السامريين ويوبخ على التعصب الأعمى ضدهم ويرفض الانتقام من القرية السامرية التى رفضت استقباله وينتهر يعقوب ويوحنا لأنهما طلبا أن تنزل نار من السماء لتهلك هذه القرية “وقال لستما تعلمان من أى روح أنتما. لأن ابن الإنسان لم يأت ليهلك أنفس الناس بل ليخلص(208)”، ورفض الفكر الطائفى “من ليس معى فهو على. ومن لا يجمع معى فهو يفرق(209)”.

ويسجل الأحاديث والأحداث التى تقدم لنا المسيح كإنسان، فهو يدون قصة طفولته وميلاده بالتفصيل، فيذكر الحبل به بالروح القدس(210) وميلاده فى الشهر التاسع(211) من الحبل به وختانه فى اليوم الثامن لميلاده(212) ونموه فى القامة والحكمة كإنسان “وأما يسوع فكان يتقدم فى الحكمة والقامة والنعمة عند الله والناس”(213)، كما يسجل سموه وتفوقه منذ صبوته، فيذكر جلوسه فى الهيكل كمعلم وسط العلماء وهو فى سن الثانية عشر واهتمامه بما للأب “ينبغى أن أكون فى ما لأبى(214)”. ويذكر صلاته بجهاد ولجاجة فى البستان ونزول “عرقه كقطرات دم نازلة على الأرض(215)” وظهور ملاك له من السماء ليقويه كإنسان(216).

ويقدم المسيح الذى يكرم المرأة من خلال تسجيله لقصص مجموعة من النساء البارات القديسات، فيقدم العذراء القديسة مريم “الممتلئة نعمة” والتى استحقت أن تدعى ب “أم الرب(217)” لأنها ولدت الإله المتجسد، وأليصابات التى عرفت بالروح القدس المسيح وهو جنين فى بطن أمه وحيت والدته(218)، وحنة النبية التى ظلت فى الهيكل ولم تفارقه “نحو أربع وثمانين سنة لا تفارق الهيكل عابدة بأصوام وطلبات ليلاً ونهاراً(219)”، ومريم أخت لعازر التى اختارت النصيب الصالح الذى لن ينزع منها(220)”، ومرثا أختها المضيافة، ومريم المجدلية ويونا وسوسنة وبقية النساء التلميذات اللواتى “كن يخدمنه من أموالهن(221)”، ثم يذكر عطف السيد المسيح على النساء المتألمات مثل أرملة نايين التى كانت تنوح على وحيدها الذى مات، فأقامه لها الرب(222)، والمرأة الخاطئة التى دهنت قدميه بالطيب وبدموعها ومسحتها بشعرها(223)، ونازفة الدم التى صرفت كل معيشتها على الأطباء(224)، والمرأة المنحنية(225)، والأرملة التى أعطت كل ما لديها لله(226)، وكذلك إشفاقه على بنات أورشليم اللواتى كن ينحن عليه وهو حامل الصليب(227). فقدم لهن السيد الحنان والحب والعطف والكرامة فى عصر لم يبالى بالنساء وفى مجتمع كان الرجل فيه يشكر الله لأنه لم يخلقه امرأة، وكان الكتبة والفريسيون يجمعون أرديتهم فى الشوارع والمجامع لئلا يلمسوا امرأة، وكان يعتبرونها جريمة أن ينظر رجل لامرأة غير محجبة. ولكن السيد المسيح عطف على المرأة ورفعها وكرمها واخرج من امرأة سبعة شياطين.

كما قدم المسيح محب الأطفال؛ إذ يضع هالة مقدسة وسحر سماوى على الطفولة التى تخلد الفردوس وتقدم البرأة فى عالم خاطئ، فهو وحده الذى روى تفاصيل طفولة المعمدان وتفاصيل طفولة السيد المسيح وختانه وصبوته. ويروى لنا قصص “الابن الوحيد لأمه” ابن أرملة نايين، وأبنة يايرس الوحيدة، والأبن الوحيد الذى كان به روح يصرعه.

وأخيراً يقدم لنا إنجيل الشعر الروحى؛ يقول الدارسون أن الإنجيل للقديس لوقا هو إنجيل الترانيم والتسابيح والتماجيد، وأفضل مرنم وأول كاتب ترانيم مسيحى هو القديس لوقا. فهو يقدم الشعر الروحى والدينى الذى يستقر على حقائق وحق أبدى، والإنجيل كله مملوء بالحيوية الدرامية والتشويق، إذ يبدأ بالشكر والتسبيح. ويفيض الفصلين الأولين فيه بالفرح الاحتفالى والسرور والبهجة، إنهما فردوس من شذى الأزهار، وعزف بأحلى الألحان السمائية يرتل أجمل الترانيم والمزامير العبرية المسيحية السمائية، وفيهما نسمع تسبحة أليصابات وتسبحة القديسة مريم وبركة زكريا وترنيمة المجد التى شدت بها الملائكة فى الأعالى، وتمجيد سمعان الشيخ بلسان الأجيال ووحى الروح القدس، ترانيم وتسابيح أبدية. والإنجيل كله ملئ بتمجيد الله وحمده، ففيه نرى الرعاة “وهم يمجدون الله ويسبحونه على كل ما سمعوه ورأوه وقيل لهم(228)” بعد مشاهدتهم للطفل الإلهى، والمفلوج الذى شفاه الرب “مضى إلى بيته وهو يمجد الله(229)”، وجميع الذين شاهدوا معجزة شفائه أخذتهم “حيرة ومجدوا الله وامتلئوا خوفاً قائلين أننا قد رأينا اليوم عجائب(230)”، وعندما أقام الرب ابن أرملة نايين من الموت “أخذ الجميع خوف ومجدوا الله(231)”، وبعد أن شفى المرأة التى كان بها روح ضعف “استقامت ومجدت الله(232)”، والسامرى الذى شفاه الرب من البرص “رجع يمجد الله بصوت عظيم(233)”، والأعمى الذى شفاه الرب بالقرب من أريحا “تبعه وهو يمجد الله. وجميع الشعب إذ رأوه سبحوا الله(234)”.

 

4- مصادر الإنجيل وتاريخ تدوينه:

ويبدأ القديس لوقا الإنجيل الثالث بالمقدمة التالية “إذ كان كثيرون قد أخذوا يدونون قصة تلك الأحداث التى جرت يقيناً بيننا. كما تسلمناها من أولئك الذين رأوا بأعينهم وكانوا خداماً للكلمة. رأيت أنا أيضا إذ قد تتبعت كل شئ منذ الابتداء بتدقيق، أن أكتبها لك بحسب ترتيبها أيها العزيز ثيئوفيلوس. حتى تتحقق من صحة تلك الأمور التى تعلمتها(235)”.

ومن هذه المقدمة نعرف الحقائق التالية:

 إنه كان هناك كثيرون قد سبقوا القديس لوقا فى تدوين رواية التسليم الرسولى كما سلمه تلاميذ المسيح ورسله شهود العيان.

 وهذه الأحداث التى جرت كانت معاصرة للقديس لوقا وكانت معروفة لديه معرفة يقينية “التى جرت يقيناً بيننا”، وقد تسلمها من الرسل شهود العيان الذى تبعهم وتتلمذ على يديهم وكرز معهم.

 وقد قام هو أيضاً بتدوين ما عمله وعلمه السيد المسيح متتبعاً كل شئ من الأول بتدقيق وسجل كل شئ ودونه بحسب ترتيبه الصحيح وبكل دقة المؤرخ المدقق وروحه.

فقد تبع القديس لوقا تلاميذ المسيح ورسله شهود العيان واستلم منهم الإنجيل شفاهة وأجزاء منه مدونة، حيث زار الكنائس الرسولية الرئيسية فيما بين أورشليم وإنطاكية وروما، وكرز مع مؤسسيها وقادتها من الرسل وخدم معهم وتعامل معهم مباشرة. فقد تقابل مع القديسين بطرس وبرنابا ومرقس فى إنطاكية، كما تقابل مع القديس مرقس أنها فى روما، وفى أورشليم تقابل مع يعقوب أخى الرب وكثيراً من الرسل والشيوخ الذين كان الكثيرون منهم ما يزالون أحياء(236)، وكان فى إمكانه أن يقابل العذراء القديسة مريم هناك أيضا، وذلك فى رحلة القديس بولس الأخيرة، كما قابل فيلبس المبشر وبناته ومن كان معهم من الرسل فى قيصرية وقضى سنتين مع القديس بولس فيها(237). وكان أمامه خلال سنوات سجن القديس بولس الأربع فى قيصرية وروما وقت كافى ليقوم بعملية جمع شاملة للتسليم الرسولى الشفوى والمكتوب والذى استلمه من الرسل شهود العيان مباشرة، وليقوم أيضا بدراسة واسعة وبحث دقيق للاستلام والحصول على المعرفة والمعلومات والنصوص والآيات سواء المكتوبة أو المحفوظة شفوياً. وكان أمامه كم كبير من الأقوال والأعمال التى تسلمها من الرسل شهود العيان ومن العذراء القديسة مريم والتى تسلم منها روايات وأحداث الفصلين الأولين، خاصة أحداث الحبل بالمسيح وميلاده وطفولته وصبوته، ويشير هو نفسه إلى ذلك بقوله “وأما مريم فكانت تحفظ جميع هذا الكلام متفكرة به فى قلبها(238)”، وكانت أمامه تحفظ جميع هذه الأمور فى قلبها(239)”. ويحتمل إنه قابلها فيما بين سنة 57 وسنة 59 م (أو 58-60).

وكان عليه أن يختار بإرشاد الروح القدس وينتقى بدقة مما تسلمه سواء شفاهة أو مكتوب، ويقوم بتدوين الإنجيل وكتابته على التوالى وبحسب الترتيب الدقيق والصحيح للأحداث وهو مسوق من الروح القدس الذى قاده وعلمه وأرشده وذكر أثناء التدوين والكتابة وساعده على اختيار الأقوال والأعمال بحسب الهدف الذى كان يكتب الإنجيل لأجله وبحسب غاية الروح القدس نفسه وتوجيهه وإرادته، وحفظه من الخطأ والزلل وعصمه.

وقد كُتب الإنجيل للقديس لوقا فيما بين سنة 58 و 63 م قبل انتهاء سجن بولس فى روما، وقد كتبه قبل كتابة سفره الثانى، سفر أعمال الرسل قبل إلى يتقرر مصير بولس الرسول حيث ينتهى السفر والقديس بولس أسير فى روما.

 

(152) Refut. Her. 7: 2,25,26.

(153) Strom. 4: 9,73.

(154) Anci. Chr. Gos. P.335.

(155) Ag. Haer. B.3 Ch. 1: 1 and 3 Ch 14: 1.

(156) Ag. Mar. 4,5.

(158) يوسايبوس ك6 ف6: 25,.

(159) رو 16: 2،25: 16،2تى 8: 2.

(160) يوسايبوس ك3 ف6: 4.

(161) كو 14: 4.

(162) فل 24.

(163) 2تى 11: 4.

(164) لو 3: 1.

(165) أع 1: 1.

(166) أع 9: 16_17.

(167) أع 1: 17.

(168) أع 5: 20،6.

(169) أع 5: 20_7.

(170) أع 1: 121_18.

(171) 16: 26

(172) 2تى 11: 4

(173) أع 26: 11

(174) أع 5: 6

(175) أع 19: 11-30؛ 1: 13-3؛ 1: 15-3، 22-35

(176) أنظر لو 18: 5، 24؛ 30: 10-35؛ 2: 16-25؛ 13: 14؛ 26: 21

(177) لو 38: 4

(178) لو 39: 9

(179) لو 11: 13

(180) لو 23: 4

(181) لو 43: 8

(182) مر 25: 5،26

(183) لو 26: 1

(184) لو 31: 4

(185) لو 13: 24

(186) لو 1: 22

(187) لو 5: 7

(188) لو 33: 10

(189) لو 15: 17

(190) لو 38: 3

(191) لو 11: 2،13

(192) لو 29: 2-32

(193) لو 6: 3

(194) لو 26: 4

(195) لو 27: 4

(196) لو 1: 10

(197) لو 2: 7-10

(198) لو 29: 13

(199) لو 47: 24

(200) أع 8: 1

(201) لو 7: 15

(202) لو 24: 15

(203) لو 10: 15

(204) لو 10: 18

(205) لو 48: 7

(206) لو 34: 23

(207) لو 43: 23

(208) لو 55: 9،56

(209) لو 23: 11

(210) لو 35: 1

(211) لو 6: 2

(212) لو 6: 2.

(213) لو 52: 2.

(214) لو 49: 2

(215) لو 44: 22

(216) لو 43: 22

(217) لو 43: 1

(218) لو 42: 1

(219) لو 37: 2

(220) لو 42: 10

(221) لو 2: 8،43

(222) لو 11: 7

(223) لو 37: 7

(224)

(225) لو 11: 13

(226) لو 1: 21-4

(227) لو 27: 23-29

(228) لو 20: 2

(229) لو 25: 5

(230) لو 26: 5

(231) لو 16: 7

(232) لو 13: 13

(233) لو 15: 17

(234) لو 43: 18

(235) لو 1: 1-4

(236) 1كو 6: 15

(237) أع 24-26

(238) لو 19: 2

(239) لو 51: 2

(240) يو 22: 21،23

(241) يو 31: 20

(242) يو 4: 1

(243) يو 19: 5

(244) يو 26: 14؛ 26: 15؛ 13: 16،14

(245) ك3 ف 2: 23

(246) To Auto Lycus 2, 22.

(247) Decame Christic 100: 3.

(248) Adv. Marc. 4: 3.

(249) Ag. Haer. 3: 2,1.

(250) يو 9: 1.

(251) Ag. Haer. 1 eh. 29, 1 and 31,3.

(252) Ref. Haer. B. 5.

(253) يو 14: 1.

(254) 1يو 1: 1.

(255) يو 34: 19،35.

(256) يو 24: 21.

(257) 29: 1،35،16،22.

(258) 2: 3.

(259) 43: 4.

(260) 52: 4.

(261) 16: 6.

(262) 1: 2

(263) 20: 8

(264) 13: 10

(265) 30: 11

(266) 6: 2

(267) 19: 6

(268) 8: 21

(269) 11: 21

(270) 9: 6

(271) 3: 12

(272) 24: 13

(273) 6: 18

(274) 39: 19

(275) 11: 2

(276) 27: 4

(278) 16: 12

(279) 11: 2،24؛ 15: 6،61؛ 1: 13

(280) 7: 6،8

(282) 10: 18

(283) 23: 13-25

(284) 26: 19،27

(285) 2: 20-8

(286) ص21

(287) 20: 21-25

(288) 16: 18.

(289) لو 10: 5.

(290) مر 37: 5.

(291) مر 2: 9.

(292) مر 33: 14.

(293) لو 8: 22.

(294) أع ص3.

(295) أع 14: 8.

(296) غل 9: 2.

(297) يرجع سبب بطرس بالدرجة الأولى لسنة.

(298) أع 1: 3.

(299) أع 14: 8.

(300) يو 8: 20.

(301) يو 16: 16.

(203) 25: 3.

(304) 55: 11.

(205) 28: 18.

(306) 40: 19.

(307) ص7،10،13

(308) 22: 9

(309) 31: 19

(310) 27: 4

(311) 10: 5

(312) 2: 9

(313) يو 11: 1

(314) 2كو 24: 11

(315) 1تس 15: 2

(316) يو 20: 2

(317) 9: 4

(318) 35: 7

(319) 49: 11

(320) 15: 18

(321) 2: 5

(322) 13: 19

(323) 7: 9

(324) 17: 19

(325) الطبوغرافية هى الوصف أو الرسم الدقيق للأماكن ويشمل الوديان والجبال والسهول والأنهار والطرق والجسور … إلخ. (قاموس المورد).

(326) 28: 1

(327) 1: 12

(328) 5: 4

(329) 1: 6؛ 1: 21

(330) 18: 11

(331) 28: 1

(332) 1: 2

(333) 21: 12

(334) 12: 2

(335) 1: 18

(336) 2: 5

(337) 2: 8؛ 27: 10

(338) 45: 11

(339) 38: 1

نشرت تحت تصنيف مسيحيات, دفاعيات | Leave a Comment »

الكتاب المقدس صادق فى نبؤاتة

Posted by Akristus_Anstee على 20 مايو 2011


الكتاب المقدس صادق فى نبؤاتة

أولاً – مقدمة

 1 – تعريف بالنبوة

 2 – فحوص النبوة الصادقة

 3 – الاعتراض على النبوات

ثانياً – نبوات تحققت عن:

 1 – صور

 2 – صيدون

 3 – السامرة

 4 – غزة وأشقلون

 5 – موآب وعمون

 6 – البتراء وآدوم

 7 – طيبة وممفيس

 8 – نينوى

 9 – بابل

 10 – كورزين وبيت صيدا وكفر ناحوم

 11 – اتساع أورشليم

 12 – فلسطين

ثالثاً – الاحتمالات النبوية

 الإحتمالات النبوية

 

 نهدف إلى ذكر نبوّات جغرافية وتاريخية تحققت، مما يُظهر صحَّة نبوَّة قائلها، بالرغم من أن تحقيقها كان مستحيلاً. ومن النادر أن يجد الباحث فرصة لمثل هذه الدراسة الممتعة، ولكن عند الدرس والبحث نرى أن يد اللّه كانت على كتف أولئك الأنبياء عندما أعلنوا رسالة اللّه لسامعيهم. فالنبوات تُظهر أن اللّه كليّ العلم وكليّ القدرة، كما أنها برهان على وحي الكتب المقدسة. ولقد قسّمنا النبوّات التي نقدمها إلى اثني عشر قسماً، في كل قسم منها نبوة خاصة ببلد أو أمة. غير أننا قدّمنا لهذا الفصل بمقدمة عامة تساعد على متابعة البحث.

 

وهاك ملخصاً يساعد على متابعة ما جاء في هذا الفصل:

أولاً – مقدمة:

1- تعريف بالنبوَّة:

 قدّمت دائرة المعارف البريطانية التعريف الآتي: “السجلات المدوَّنة للنبوَّة العبرية في سفر إشعياء توضّح أن معنى النبوة الأساسي هو الكلمة أو الرسالة الشفوية التي يعلن فيها رسول خاص من اللّه إرادة اللّه. أما العنصر النبوي في التهديد أو المواعيد فهو مشروط باستجابة السامعين (18: 1-20)، أو آية تحدُث في المستقبل (14: 7) لأن كل ما يحدث يتمم مقاصد إرادة اللّه”. ثم تمضي دائرة المعارف ذاتها لتقول: “ويضع إشعياء أهمية خاصة على إبراز أوجه الفرق بين آلهة بابل وبين يهوه، في أن يهوه ينفّذ ما سبق أن أنبأ به (3: 48). فنبوات الأنبياء هي إعلان لمقاصد اللّه الحي، أكثر منها لمصير الإنسان” (37).

 أما التعريف الكتابي للنبي فهو أنه الشخص الذي يعلن إرادة اللّه، والمستقبل، للشعب، كما يرشده الوحي الإلهي. وعلاوة على أنه ينادي بالقضاء على الخطأ، والدفاع عن الحق والبر، والشهادة لسمو الأخلاق على الطقوس الشكلية، فإن النبوّة وثيقة الارتباط بمقاصد نعمة اللّه من نحو شعبه (ميخا 4: 5،20: 7، إشعياء 3: 60، 25: 65).

 ويهدف النبي إلى جوار إعلان الآتيات، أن يعلن صفات اللّه وما يعمله، حسب مسرة مشيئته. وباختصار هو يعرِّف الناس باللّه وبإرادته وعمله.

 ولكل نبي أسلوبه الخاص في الإعلان.. ومع أن الطابع الشخصي لكل واحدٍ منهم باقٍ، إلا أن ما يعلنونه هو الحق الواحد، بفضل سيطرة الروح القدس الكاملة!

 ويظن البعض أن كل ما يفعله النبي هو الإخبار بالمستقبل، وهذا حق. ولكن كانت رسالة النبي تشمل الإصلاح الاجتماعي والسياسي، عن طريق الكرازة بالبرّ والنهضة الروحية، مع إعلان القصاص للمخطئ والجزاء للمحسن. وقد تكلّم الأنبياء بطريقة روحية تعكس إرادة اللّه وتطالب بالطاعة له.

 ولم تكن إعلانات الأنبياء للإثارة، لكنهم أعلنوها بسبب الأحوال التي كانت تحيط بهم (قارن تثنية 22: 18). وفي كل أصحاح ينبئ بالخراب نجد السبب الذي جاء بهذا الخراب.

 وترجع النبوة الأولى في الكتاب إلى عصر آدم وحواء، عندما جاء الوعد بالفداء في التكوين (15: 3 و16). وكان أخنوخ وإبراهيم وموسى من الأنبياء الأولين (العدد 6: 12-8، التثنية 18: 18، يوحنا 14: 6، 40: 7).

 والنبوة مصدرها اللّه (1 صموئيل 9: 9، 2 صموئيل 11: 24).

 ويوضح الكتاب أن التنبُّؤ بالمستقبل علامة على قوة اللّه ومجده، وبرهان على سموّ كلامه، كما أنه استجابة اللّه لصلوات البشر واحتياجاتهم، لأنه لمّا كان اللّه يعلن المستقبل (العمل الذي يعجز البشر عن عمله)، ولمّا كان يرى المستقبل قبل وقوعه، فإن كل مؤمن يجب أن يطمئن لأنه لا يحدث شيء لم يعيّنه اللّه! (38).

2- فحوص النبوة الصادقة:

 حدثت في التاريخ الكتابي منازعات حول “مَن هو النبي الصادق؟” (الملوك الأول 18: 13-22، أصحاح 22، إرميا 28). وكان حل النزاع عملياً أكثر منه أكاديمياً، فإن هناك صفات تظهر النبي الكاذب من الصادق.

 ومن صفات النبي الكاذب “النشوة الصوفية النبوية” وهي حالة تظهر بدون إنذار سابق وفي حالات خاصة، خصوصا بعد سماع نوع خاص من الموسيقى. وقد ظهر مع مثل هذه الحالات خروج عن الشعور، مع ضياع الإحساس. ولكن ليست هذه الصفة فصلاً في الحكم على النبي الكاذب، رغم أنها ظهرت على أنبياء البعل الكنعانيين.. فإن النبي إشعياء (في رؤياه في الهيكل) وحزقيال النبي اختبرا ما نسميه “نشوة صوفية”.

 وهناك صفة أخرى للنبي الكاذب، أنه عادة مأجور من الملك “ليتنبأ” بما يريده الملك. لكن هذه الصفة أيضاً ليست فصلاً في الحكم على النبي الكاذب، فإن الأنبياء صموئيل وناثان وحتى عاموس، كانوا يُعتبرون لحدٍّ ما أنبياء رسميين للدولة، ولكنهم كانوا أنبياء صادقين.

 ولكن العهد القديم يقدّم لنا ثلاث فقرات كتابية هي التثنية 13، 18، إرميا 23، وحزقيال 21: 12 إلى 11: 14، تصف النبي الكاذب.

 أما التثنية 18 فيقول إن النبوة التي لا تتحقق، هي كاذبة. ولكن هذه الصفة سلبية، فليس كل نبوة تتحقق هي من اللّه، فإن النبي الكاذب عندما يقول شيئاً يتحقق يكون هذا امتحاناً للشعب. أما التثنية 13 فيقول إن النبي الذي ينادي بآلهة أخرى خلاف اللّه فهو ليس من اللّه (يهوه). وكل نبي يتنبأ بنبوة تتحقق، ولكن تعليمه يخالف تعاليم موسى يكون كاذباً!

 أما ما جاء في ارميا 23 فهو توسّع في الحديث الذي جاء في التثنية 13، عندما يقول إرميا إن النبي الكاذب هو رجل فاسق (آيات 10 – 14) يقود الآخرين للشر (آية 17). وهو ينادي بسلام مزيَّف غير إلهي. والنبي الحقيقي يجيء برسالة توبيخ تسبب التوبة (آية 29) ويدعو الناس للتوبة والطاعة (آية 22).

 ويُخطئ بعض الناس في انتقاد الأنبياء لأن رسالتهم كلها إعلان للخراب، لكن إعلان الخراب لم يكن كل شيء قالوه! صحيح أنهم لم ينادوا أولاً بالسلام الحقيقي، لأن سلام اللّه يجيء نتيجة للقداسة والبر والتوبة. ويقول إرميا النبي إن النبي الكاذب يسرق اسم اللّه لكي يمجّد نفسه (آيات 30 – 32) ولكن النبي الصادق هو الذي أرسله يهوه، وهو الذي يتكلم باسم يهوه وبسلطانه.

 أما حزقيال فيقول (21: 12 – 11: 14) إن الأنبياء الكذبة جاءوا من تلقاء ذواتهم وينادون بنبوَّات من عندهم (2: 13 و3) ويعطون الناس تأكيدات كاذبة (4: 13-7). والسلام الذي يعلنونه سلام كاذب (10: 13-16) لا يبنون حياة الناس الروحية (22: 13). أما النبي الصادق فيدعو الناس إلى فحص نفوسهم ليروا مطالب اللّه منهم (4: 14-8). وهو الذي يعلِن بأسلوب جديد الحقائق الإلهية التي لا تتبدل ولا تتغيَّر.

3- الاعتراض على النبوات:

 الاعتراف الأساسي هو القول بأن تسجيل النبوة وكتابتها حدث بعد وقوعها وليس قبلها. ولذلك فإننا نقدم هنا تواريخ نبوّة الأنبياء كما قدّمها “مرل أنجر” في قاموسه، وقد استمدَّ حكمه من واقع ما جاء في النبوات نفسها، خصوصاً عندما يسجِّل النبي نبوّته. يوئيل وعوبديا وحدهما لا يحددان تاريخاً لنبوتيهما.

 حزقيال تنبأ من 592 – 570 ق م

 إشعياء 783 – 738 (القسم الأول)

 735 – 719 (القسم الثاني)

 719 – 704 (القسم الثالث)

 ارميا 626 إلى ما بعد 586 ق م

 عاموس الربع الثاني من القرن الثامن ق م

 هوشع 748 – 690 ق م

 ميخا نحو 738 – 690 ق م

 عوبديا قبل 300 ق م

 ناحوم بعد 661 إلى ما قبل 612 ق م

 صفنيا بين 640 – 621 ق م

 اللاويين (موسى) 1520 – 1400 ق م

 يوئيل قبل 300 ق م

 دانيال 605 – 538 ق م

 متى 50 م

 وقد تمت ترجمة كل نبوات العهد القديم إلى اللغة اليونانية حوالي عام 280 ق.م. (الترجمة المعروفة بالسبعينية). وعلى هذا فإن كل النبوات، بما فيها يوئيل وعوبديا، قد كُتبت قبل هذا التاريخ.

 ونود أن نورد بعض الحقائق عن نبوة حزقيال، حيث أننا سنقتبس منها كثيراً في هذا الفصل. وتعود كتابة السفر إلى سنة 570 ق.م. ولنبدأ بإيراد ما قالته دائرة المعارف البريطانية عنه:

 “توجد أفكار متنوعة عن وحدة سِفْر حزقيال وتاريخ كتابته. ولكن السِّفْر يوضّح أن خدمة النبي امتدت من 592 إلى 570 ق.م.، ولكن واحداً من العلماء (جيمس سميث) يقول إنه تنبأ في القرن السابع ق.م. في أيام الملك منسّا. وآخر (ميسيل) يقول إنه تنبأ بعد زمن نحميا حوالي عام 400 ق.م. لكن معظم العلماء يقبلون التاريخ الأول. وقد وُجدت نُسَخ من السفر في مخطوطات البحر الميت بوادي قمران.

 وتتضح الوحدة الأدبية للسفر من تكرار عبارة “فيعرفون أني أنا الرب” أكثر من خمسين مرة، وعبارة “حيّ أنا يقول السيد الرب” 13 مرة، وعبارة “سبوتي” 12 مرة، “يسلكون في شرائعي” 11 مرة.. الخ (39).

 ولقد حدث هجوم شديد على صحة نبوة حزقيال التاريخية بسبب قوله إن اللّه كلّمه في “السنة الخامسة من سَبْي يوياكين الملك”. ولكن الحفريات الحديثة جاءت في صف هذا التاريخ. فقد وُجدت ثلاث جرار مكتوب عليها “الياقيم وكيل يوياكين”.. مما يدل على أن ألياقيم كان وكيلاً لممتلكات يوياكين أثناء وجود يوياكين في السبي، ومن الواضح أن الشعب كان يعتَبِر أن يوياكين هو ملك يهوذا، وأن صدقيا كان يملك كقائمقام يوياكين إبن أخيه. ومن هذا نرى أن كلمات حزقيال في تاريخ سفره صحيحة ومناسبة للفكر اليهودي في وقته، الذي اعتبر يوياكين ملكاً، رغم أنه كان في منفاه (40). ونخلص من هذا أن قوله “السنة الخامسة من سبي يوياكين الملك” برهان على صحة السفر التاريخية، وليست (كما قال النقّاد) هجوماً ضدها.

 ويرى دارسو الأدب القديم أن سفر حزقيال وحدة أدبية، تتضح من وحدة أسلوب كاتبه، ووحدة خطه الفكري، فإن الكاتب يكتب بضمير المتكلم، وهو يعطي زمن كثير من نبواته ومكان حدوثها، مما يبرهن أن السفر كله من نتاج قلم كاتب واحد. وهذا يجعلنا نقول إن حزقيال هو الكاتب (41).

 وقد قال بيتر ستونر في كتابه “العلم يتكلم” إن النبوات التي جاءت في الكتاب عن البلاد المختلفة مثل صور وصيدون والسامرة وغزة وأشقلون وغيرها، لا يمكن أن تكون قد كُتبت بعد حدوثها، فإن الفترة الزمنية التي مضت بين الكتابة والتحقيق كبيرة. لقد قيل إن ما جاء في النبوات هو تاريخ عن أشياء حدثت، وليس نبوة بأشياء ستحدث، ولكن هذه النبوات جاءت قبل ميلاد المسيح، لأنها في العهد القديم. وقد تحققت نبوة كاملة منها، وأجزاء فقط من اثنتين منها قبل ميلاد المسيح، ولكن الباقي كلّه تحقق بعد الميلاد. وحتى لو أسقطنا ما تحقق قبل الميلاد، فإن العدد الذي تحقق بعد الميلاد كثير جداً (42).

 وقد راجَعَتْ كتاب ستونر لجنة من كبار علماء “الجمعية العلمية الأمريكية” وكتب أحدهم مقدمته، فقال إن المعلومات الواردة به صحيحة علمياً، وإن الحسابات الواردة فيه قد أُجريت طبقاً للنظريات العلمية الصحيحة (42).

 ولو أننا طرحنا النبوات التي فيها شك من جهة تاريخها، وجعلنا الشك في جانب رفضها، لبقي الكثير المُذهِل بعد ذلك!

 والحقيقة إن الذين يشكّون في صدق النبوات يفعلون ذلك لأنهم لا يؤمنون بوجود اللّه، ولذلك فالمعجزات عندهم مستحيلة، ومن ثَم لا توجد نبوات عن المستقبل، ولذلك فإنهم عندما يقرأون أقوال النبي ويرون أنها قد تحققت في زمن بعد النبي بكثير، فإنهم يزعمون أن النبوة قيلت بعد وقوع الحادث، وليس لأنهم درسوا الحفريات والاكتشافات الأركيولوجية الحديثة التي تقدّم أدلّة دامغة على صدق هذه النبوات.

ثانياً – نبوَّات تحققت

 سنقدم هنا نبوات جاءت في الكتاب المقدس، مع تعليقات عن تاريخية كل نبوة منها، حتى تتضح لنا دقة تلك النبوات. وعندما ندرسها نبوة بعد نبوة، ونراها كلها تتحقق بصورة مذهلة، سينزاح الشك الذي قد يكون خامرنا، وينقشع.

 ويقول أحد علماء الحفريات: “هناك مشاكل في التوفيق بين الحفريات والتاريخ الكتابي، لكنها ليست خطيرة. وأعتقد أنها ستنجلي بعد الاكتشافات الجارية. ولكن الاتفاقات بين اكتشافات علم الآثار والكتاب المقدس كثيرة جداً، ولا يوجد اكتشاف منها يجعلنا نشك في صحة التاريخ الكتابي” (43).

 وقد أطلِقت أعيرة نارية كثيرة ضد الكتاب المقدس، وهنا نطلق إثنتي عشرة قذيفة في صف الكتاب، عبارة عن اثنتي عشرة نبوة كتابية تحققت. وهي قذائف عالية، طويلة المدى، يصعب إسكاتها!

1- صُور

 من أغرب النبوات الكتابية التي تحققت تلك التي وردت عن مدينة صور. وتستعمِل كل كتب الدفاع عن المسيحية هذه النبوة، ولها الحق في ذلك.

وهاك كلمات النبي حزقيال 26: (592 – 570 ق.م.).

3 لذلك هكذا قال السيد الرب: “هأنذا عليكِ يا صور، فأُصعِدُ عليكِ أمما كثيرة، كما يُعلّي البحرُ أمواجه”.

4 “فيخربون أسوار صور، ويهدمون أبراجها، وأَسْحِي تُرابَها عنها، وأصيِّرها ضِحَّ الصَّخْرِ”.

5 “فتصير مَبْسطاً للشِّباك في البحر، لأني أنا تكلَّمتُ، يقول السيد الرب”.

7 لأنه هكذا قال السيد الرب: “هأنذا أجلب على صور نبوخذ نصّر ملك بابل من الشمال، ملك الملوك، بخيل وبمركبات وبفرسان، وجماعة وشعب كثير”.

8 “فيقتل بناتك في الحقل بالسيف، ويبني عليك معاقل، ويبني عليكِ برجاً، ويقيم عليك مترسة، ويرفع عليك ترساً”.

12 “وينهبون ثروتك، ويغنمون تجارتك، ويهدُّون أسوارك، ويهدمون بيوتك البهيجة، ويضعون حجارتك وخشبك وترابك في وسط المياه”.

14 “وأصيِّرك كضِحَّ الصخر فتكونين مَبْسَطاً للشِّباك. لا تُبْنَيْن بعد، لأني أنا الرب تكلمتُ” يقول السيد الرب.

21 “أصيِّرك أهوالاً ولا تكونين، وتُطلَبين فلا تُوجَدين بعْدُ إلى الأبد” يقول السيد الرب.

 في هذه النبوة نرى الحقائق الآتية عن مدينة صور:

 1- يخرب الملك نبوخذ نصر، ملك بابل، مدينة صور (آيتا 7،8).

 2- تقوم دول كثيرة على صور (آية 3).

 3- تصير صور صخرة عارية (ضِحّ الصخر) (آية 4).

 4- يبسط الصيادون شباكهم لتجفّ، على موقعها (آيتا 5،14).

 5- يُلقون أنقاضها في الماء (آية 12).

 6- لن تُبنى صور أبداً (آية 14).

 7- لا تُوجد صور بعد إلى الأبد (آية 21).

 والنبوة كما نراها واضحة، وقد تبدو متناقضة، ولكن التاريخ لا تناقض فيه، فلندرس تاريخ صور لنرى كيف تحققت النبوة.

تحقيق النبوة:

 1- توضح نبوة حزقيال (خصوصاً 27: 27) أهمية مدينة صور وتجارتها وثروتها. وقد حاصر نبوخذ نصر ملك بابل صور، بعد نبوة حزقيال بثلاث سنوات. وتقول دائرة المعارف البريطانية أنه بعد حصار دام 13 سنة (585 – 573 ق.م.) استسلمت صور للملك نبوخذ نصر الثاني وقبلت شروطه. وفي سنة 538 ق.م. كانت صور وكل فينيقية قد أصبحت تحت السيادة الفارسية (37).

 وعندما اقتحم نبوخذ نصر أبواب صور، وجد المدينة خالية تقريبا، فقد هجرها سكانها بالسفن إلى جزيرة تبعد نصف ميل عن الشاطئ وحصنوا مدينة هناك. وأُخربت صور سنة 573. ولكن المدينة الجديدة في الجزيرة بقيت قوية وعمّرت عدة قرون – (وهكذا تحققت نبوة حزقيال 8: 26).

 2- بعد ذلك جاء الاسكندر الأكبر. وتقول دائرة المعارف البريطانية إن الاسكندر الأكبر في حربه ضد فارس، بعد أن هزم داريوس الثالث في موقعة أسوس (333 ق.م.) اتجه جنوباً نحو مصر، داعياً المدن الفينيقية لتفتح له أبوابها حتى لا تستخدم سفن الجيش الفارسي موانيها. ولكن أهل صور رفضوا طلبه، فحاصر الاسكندر مدينتهم. ولما لم تكن لديه سفن فقد أخرب المدينة الأصلية وألقى بأنقاضها في الماء، جاعلاً منها طريقاً عرضه 60 متراً، وصل به إلى المدينة الجديدة في الجزيرة، وبنى قلاعاً وآلات حرب (37).

 (وهكذا تحققت نبوة حزقيال 12: 26).

 أخذ نبوخذ نصر المدينة الأصلية وترك المدينة الجديدة، ولكن الاسكندر أخذ الاثنتين، رغم صعوبة أخذ الثانية المحاطة بالمياه وبالأسوار الحصينة. ومع أن الأسطول الفارسي كان يحميها، إلا أن الاسكندر صنع طريقاً في البحر من أنقاض صور. ولم يكن هذا الهجوم سهلاً، فقد كان الصوريون يهاجمون العمال الذين يرمون الأنقاض في البحر. فبنى اليونانيون بُرجَين عاليين لحماية العمال. وكان اليونانيون كلما تقدموا في العمل وجدوا البحر يزيد عُمقاً. وأحرق الصوريون الأبراج التي بناها اليونانيون، وعطلوا تقدُّم الغزاة، وعزلوا جزءاً من الجيش عن البقية، وكانت الخسائر جسيمة جداً. ورأى الاسكندر شدة حاجته إلى السفن، فجعل أهل البلاد التي هزمها يساعدونه في صناعة سفن الحرب، فقدَّمَتْ له صيدا وأرفاد وبيبلوس نحو 80 سفينة، وعشراً من رودس، وثلاثاً من سولي ومالوس، وعشراً من ليكية، وواحدة كبيرة من مكدونية، و120 من قبرص (وهكذا تحققت نبوة حزقيال 3: 26).

 وعندما حصل الاسكندر على السفن، وتقدَّم بناء الطريق في البحر، عرف أن انتصاره على صور أكيد. وقد كان!

 ولا تزال الطريق التي صنعها الاسكندر موجودة، تربط الجزيرة بالأرض. وبعد حصار دام سبعة شهور سقطت صور، وقتل ثمانية آلاف من سكانها وبيع ثلاثون ألفاً في سوق العبيد (44). وكان الاسكندر قد تكلّف الكثير في غزو صور، وملأه الحقد على أهلها، فتصرف بكل قسوة لينتقم منهم، فأخرب المدينة تماما عام 332 ق.م: “وقد قامت صور الجديدة من عثارها بعد ذلك، لكنها لم ترجع أبداً إلى مكانتها في العالم. والجزء الأكبر من موقع المدينة اليوم صخرة عارية يجفّف عليها الصيادون شباكهم” (44) – (وهكذا تحققت نبوة حزقيال 5: 26 و14).

 ولم يتوقف تاريخ صور بعد الاسكندر، فقد بُنيت وهُدمت عدة مرات ولكنها أُخربت بعد 16 قرناً ولم تُبْنَ بعد ذلك أبداً!

 3- وبعد ذلك جاء أنتيجونس بعد أن انتصر على بابل، واستولى على المدن الفينيقية، ولكنه قُوبل بمقاومة شديدة من صور. وكانت قد مضت ثماني عشرة سنة على استيلاء الاسكندر عليها. وحاصر أنتيجونس صور 15 شهراً فسقطت وأخربها. ويرجع تاريخ أنتيجونس إلى سنة 314 ق.م.

 4- وجاءت كارثة أخرى على صور في عهد بطليموس فيلادلفوس (285 247 ق.م.) الذي بنى ميناء برنيس على البحر الأحمر، وربط مجرى النيل بخليج السويس، فتحوَّل مجرى التجارة إليه، بعد أن كان يمرّ بخليج العقبة إلى ميناء إيلات، ومنها إلى البتراء، ومن ثَمَّ إلى مواني البحر الأبيض المتوسط لتحمله سفن صور. وكانت هذه ضربة قاسية على تجارة صور، إذ خسرت تجارتها لتربحها الإسكندرية.

 5- ولكن المدينة استردت بعض غناها. ويصف زائر للمدينة سنة 1047م حالتها فيقول: “لقد بنوا جزءاً صغيراً من المدينة لا يزيد عن 100 ياردة فقط على صخرة في البحر، أمّا معظم المدينة فيقع فوق المياه. أما الحيطان فمبنية من الحجارة المنحوتة، تغطي الفواصل بينها بالبيتومين ليعزل الماء. وترتفع البيوت إلى خمسة أو ستة طوابق. وهناك نافورات للمياه، والأسواق نظيفة، وعلامات الغِنَى في كل مكان. وهي مدينة مشهورة بثروتها بين كل الموانئ الفينيقيّة. وقد أقاموا “المشهد” عند مدخل المدينة حيث الطنافس الثمينة والثريات الذهبية والفضية. وهم يجلبون الماء اللازم لهم من الجبل” (45).

 6- وقد استولى المسلمون على المدينة، وحاربهم الصليبيون وأخذوها، ولكن المسلمين استعادوها. ويقول أحد المؤرخين: “بعد أخذ بتولمايس وإخرابها، أرسل السلطان أحد الأمراء مع فرقة من جيشه لأخذ صور، فملأ الرعب قلوب أهلها ففتحوا الأبواب بدون أي مقاومة، فذُبح بعض سكانها وبيع الآخرون عبيداً. وهُدمت المعابد والأسواق، وأُبيد كل شيء بالسيف أو بالحريق” (46).

 وقد عاد المسلمون واستولوا على المدينة عام 1291 وأخربوها تماماً. وقد زار ابن بطوطة خرائب المدينة سنة 1355، وكتب ما ترجمته (عن الانكليزية): “كانت المدينة قبلاً مضرب الأمثال في قوّتها، تغسلها مياه البحر من ثلاثة جوانب. ولم يبق اليوم سوى آثار من أسوارها ومينائها، مع سلسلة كانت في مدخل الميناء” (47).

 (وهكذا تحققت نبوة حزقيال 14: 26).

 وكان بلني الكبير قد كتب يقول: “صور معروفة بأنها أم المدن، لأنها ولدت من حولها مدن لبتس ويوتيكا. وهي تنافس روما وقرطجنة وكادز”. ولكن شهرتها اليوم تقوم على أصداف بحرية وصبغة أرجوانية (47).

 (وهكذا تحققت نبوة حزقيال 21: 26).

 7- ونعود للوصف الحالي لصور كما تقدمه نينا جدجيان، في كتابها الذي أصدرته دار المشرق ببيروت “صور عبر العصور”، تقول: “لا زال القسم الصيدوني من صور مستعملاً اليوم، وهناك سفن صغيرة للصيد، ولكن فحص الأساس يظهر أعمدة جرانيتية من العصر الروماني استعملها الصليبيون لتدعيم الأسوار. وصار الميناء اليوم ملجأ لسفن الصيد الصغيرة، ومكاناً لتجفيف الشِّباك.. وهناك مدينة اليوم إسمها صور، لكنها ليست صور القديمة، لأنها مبنية على موقع آخر غير صور القديمة. إن صور سيدة البحار ومركز العالم التجاري لعدة قرون قد انتهت إلى غير رجعة! لقد بسط الصيادون شباكهم على أحجارها التاريخية العظيمة.. إن أحجار صور توجد اليوم في بيروت وعقرون، ولكن الحفريات أظهرت عظمة هذا الميناء الفينيقي، فإن صور القديمة العظيمة قد سقطت تحت الركام، ولا يوجد منها فوق سطح الأرض سوى بعض الأعمدة المتناثرة وأنقاض برج الكاتدرائية المسيحية. وعندما يتطلع الواحد منا تحت الماء يرى أعمدة الجرانيت الضخمة والأحجار الملقاة في قاع البحر. وحطام صور فوق الماء قليل” (47).

 (وهكذا تحققت نبوة حزقيال 12: 26).

ومن هذا نرى بوضوح

 1- أخرب نبوخذ نصر مدينة صور الأصلية القديمة.

 2- قامت أمم كثيرة ضد صور، إذ هاجمتها جيوش بعد جيوش في عصور متوالية، وهو ما ترمي إليه النبوة (3: 26-6).

 3- جعل الاسكندر الأكبر المدينة القديمة صخرة عارية رمى حجارتها وخشبها وحتى ترابها في الماء.. لقد صارت صخرة جرداء!

 4- تكررت الإشارة إلى أن الصيادين بسطوا شباكهم على حجارتها لتجف!

 5- رمى الاسكندر الأكبر أنقاض المدينة ليعمل طريقا في الماء!

 وهكذا تحققت حرفياً نبوة حزقيال 12: 26 “يهدمون أسوارك، ويهدمون بيوتك البهيجة، ويضعون حجارتك وخشبك وترابك في وسط المياه”.

 6- ولم تقم للمدينة قائمة بعد ذلك! لقد هُدمت مدن كثيرة وأُعيد بناؤها، ولكن يهودياً مسبياً في بابل قال عن صور بأمر من اللّه: “لا تُبْنَيْن بعد” فبقيت صور صخرة جرداء منذ خمسة وعشرين قرناً. وعندما يريد أحد اليوم أن يعرف موقع صور، فإنهم يشيرون إلى مكان عارٍ!

 

 ولا زالت الينابيع التي كانت تروي صور القديمة موجودة، وكلها تصب في البحر! وتعطي نحو عشرة ملايين جالون من الماء يومياً، وتكفي لإعاشة مدينة كبيرة، ومع ذلك فإن صور لم تُبْنَ! ولكن بعض الصيادين البسطاء يسكنونها اليوم ويبسطون شباكهم في موقعها تحقيقاً للنبوة، ولكنها لم ترتفع أبداً لمكانتها الأولى.

 ويقول ستونر: “لقد نظر حزقيال إلى صور في أيامه، عظيمة بالغة قمة العظمة، وتنبأ عليها سبع نبوات. وحسب الحكمة البشرية تكون نسبة صحَّة نبواته، لو أنها كانت بالصدفة، فرصة واحدة من 75 مليون فرصة!! ولكن نبواته كلها تحققت بكل تفاصيلها” (42).

2- صيدون

 قدّم النبي حزقيال النبوة التالية على صيدون، زميلة صور، سنة 592 – 570 ق.م.:

حزقيال 28:

22 هكذا قال السيد الرب: “هأنذا عليك يا صيدون، وسأتمجد في وسطك، فيعلمون أني أنا الرب، حين أُجري فيها أحكاما وأتقدَّس فيها.

23 وأرسل عليها وبأ ودماً إلى أزقَّتها، ويسقط الجرحى في وسطها بالسيف الذي عليها من كل جانب، فيعلمون أني أنا الرب”.

في هذه النبوة نرى الحقائق الآتية عن مدينة صيدون:

 1- لا ذكر لخرابها.

 2- دماء في شوارعها (آية 23).

 3- السيف عليها من كل جانب (آية 23).

 ويقول جورج ديفس في كتابه “نبوات تحققت تبرهن صحة الكتاب المقدس”: “تختلف النبوات التي جاءت عن صور عن تلك التي جاءت عن صيدون، فصور تُخرب لتكون صخرة جرداء لا تُبنى، أما صيدون فجاء عنها أن الدم يسيل في شوارعها، وأن جرحاها يسقطون وسطها، ويلاحقها السيف من كل جانب.. ولكنها لا تخرب” (48).

 لقد كان مصير صور وصيدون السياسي واحداً، فمن القرن الحادي عشر إلى القرن الرابع ق.م. قبضت صور – بدون منازع من صيدون – على زمام السلطة في كل فينيقية، ونشر أسطولها التجاري شهرتها في كل الآفاق (44) فكانت سيدة وملكة البحر المتوسط. وفي القرن الرابع (سنة 351 ق.م.) ثار الصيدونيون على ملك فارس الذي كانوا خاضعين له، وحصَّنوا مدينتهم ضده بنجاح. ولكن ملكهم سلَّم المدينة، لينقذ حياته. ولما كان الصيدونيون يعرفون انتقام الملك الفارسي، فقد اختبأ أربعون ألفاً منهم في بيوتهم ثم أشعلوا فيها النار، لأن هذا الانتحار عندهم كان أسهل من تعذيب الفارسيين. وهكذا كانت الدماء في شوارعها. (وتحقّقت نبوة حزقيال 23: 28). وفي مرات عديدة سالت الدماء في شوارعها، وجاء عليها السيف من كل جانب (48).

 ومع أن صيدون أخربت عدة مرات، إلا أن أهلها أعادوا بناءها. ويسكنها اليوم حوالي 25 ألفا. سالت الدماء فيها مراراً، ولكنها بقيت قائمة حتى اليوم. وفي أثناء الحروب الصليبية وقعت في أيدي الصليبيين ثلاث مرات، واستردها المسلمون ثلاث مرات. وفي العصور الحديثة كانت موضوع نزاع بين الأتراك والدروز، ثم بين الأتراك والفرنسيين، وفي سنة 1840 م اشتركت أساطيل بريطانيا وفرنسا وتركيا في ضربِها (48).

 لقد كان تاريخ صيدون تاريخ الدم والحرب، لكنها بقيت إلى اليوم!

ومن هذا نرى بوضوح:

 لم يكن عقل بشري منذ 2500 سنة يعقل أن صور ستنتهي وأن صيدون ستبقى وتجوز الأهوال، فقد كان الأقرب للحكمة البشرية أن يحدث العكس!

 إن نبوة حزقيال اليوم تشبه من يتحدّث عن لوس أنجلوس وسان فرنسيسكو. أيهما تسقط وأيهما تبقى، أو هل تسقطان. أو هل تقومان؟ ولكن حزقيال بروح النبوة قال إن صور ستسقط وإن صيدون ستمرّ بتاريخ دموي، وهكذا كان!

3- السامرة

 تنبأ النبيان هوشع وميخا ضد السامرة، قالا:

هوشع 13:

16 ” تُجازى السامرة لأنها تمردت على إلهها. بالسيف يسقطون. ُتحطَّم أطفالهم، والحوامل تُشَقُّ”.

ميخا 1:

6 “فأجعل السامرة خربة في البرية، مغارس للكروم. وألقي حجارتها إلى الوادي، وأكشف أسُسَها”.

وفي هذه النبوة نرى الحقائق الآتية عن السامرة:

 1- تسقط السامرة بعنف (هوشع).

 2- تصبح كومة خراب في البرية (ميخا).

 3- تُزرع الكروم في موقعها (ميخا).

 4- تُرمى حجارتها في الوادي (ميخا).

 5- تُكشف أساساتها (ميخا).

 وتاريخ السامرة قصير نسبياً وعاصف جداً، فقد كانت عاصمة المملكة اليهودية الشمالية (إسرائيل) وفيها حدث الارتداد عن عبادة يهوه. وقد حاصر شلمنأصر السامرة، وأكمل سرجون الحصار واستولى على المدينة عام 722 ق.م.، ثم استولى عليها الاسكندر عام 331 ق.م.، ثم استولى عليها جون هيركانوس عام 120 ق.م. وقد أحدث كل من الغزاة الثلاثة الخراب في المدينة وقُتل الكثيرون من سكانها (وهكذا تحققت النبوة رقم 1).

 يقول أحد المؤرخين سنة 1697 إن سابستا هي السامرة القديمة، وقد صارت الآن مزارع للكروم، ولم يبقَ فيها سوى بعض الأعمدة في الجزء الشمالي لتنبئ عن مكان السامرة القديمة التي كانت عاصمة لعشرة أسباط من اليهود، بعد انفصالهم عن حكم عائلة الملك داود! أمّا في الجزء الشرقي فأطلال كنيسة كبيرة. ولا يزال تل “سابستا” خصباً مزروعاً بالكروم والتين والزيتون. ولما كانت الأرض تُحرَث باستمرار، فمن الصعب العثور على أُسس وحجارة المدينة القديمة. (وهكذا تحققت النبوتان رقم 2، 3).

 أما تحقيق النبوتين 4، 5 فتقرأه في وصف زائر لها يقول: “السامرة كومة كبيرة من الأحجار. حُرثت شوارعها وتغطت بحقول القمح وأشجار الزيتون. لقد أُخربت المدينة، لكن أحجارها أُلقيت في الوادي. وقد اكتُشفت الأحجار القديمة الرمادية لقصور عمري وأخاب ملقاة على جوانب التل!” (49).

 واليوم نرى قمة التل، حيث كانت السامرة، مزروعاً. ونرى وسط الزراعة أساسات الأعمدة التي تبيّن موقع القصور القديمة، أما أسفل التل، في الوادي، فأننا نجد بقية أحجار أساسات المدينة! (وهكذا تحققت النبوتان 4، 5).

ومن هذا نرى بوضوح:

 يقول جون أركهارت: “لقد وقع الخراب على السامرة، وتحقق التنبؤ الذي طالما ضحك منه سامعون. لقد أخذ المزارعون أحجار المدينة العظيمة وكوَّموها معاً أو رموها في الوادي حتى يهيئوا موقع السامرة للزراعة” (48).

 ويقول ستونر: “لو أن ميخا تنبأ هذه النبوات الخمس عن السامرة، بحكمته البشرية لكانت نسبة نجاحه واحداً × 4 (فرصة التنبؤ بالخراب) × 5 (فرصة أن تصبح كومة) × 100 (فرصة أن يُزرع مكانها بالكروم) × 10 (فرصة أن تُرمى حجارتها في الوادي) × 2 (فرصة كشف أساساتها) – أي فرصة واحدة من أربعين ألف فرصة!” (42).

 لقد وقع الخراب على السامرة، وتحققت النبوة ضدها، لأنها عبدت الوثن، وارتدت عن عبادة الإله الحقيقي.

4- غزة وأشقلون

 غزة وأشقلون مدينتان على شاطئ البحر الأبيض المتوسط، غربي البحر الميت، وقد جاء ذكرهما في النبوات.

 عاموس 1: (775 – 750 ق.م.).

8 “وأقطع الساكن من أشدود، وماسك القضيب من اشقلون، وأردّ يدي على عقرون، فتهلك بقية الفلسطينيين” قال السيد الرب.

إرميا 47: (626 – 586 ق.م.)

5- “أتى الصُّلْعُ على غزة. أُهلِكت أشقلونُ مع بقية وطائهم. حتى متى تَخْمِشِين نفسك؟”.

صفنيا 2: (640 – 621 ق.م.).

4 “لأن غزة تكون متروكة، واشقلون للخراب. أشدود عند الظهيرة يطردونها، وعقرون تُستأصَل”.

6 “ويكون ساحل بحر مرعى، بآبارٍ للرعاة وحظائر للغنم”.

7 “ويكون الساحل لبقية بيت يهوذا، عليه يرعون. في بيوت أشقلون عند المساء يربُضون. لأن الرب إلههم يتعهدهم ويردُّ سبيهم”.

 ملحوظة: أشدود مدينة أخرى غير أشقلون، على بعد عشرة أميال شمال أشقلون، وتقع على الشاطئ أيضاً.

وفي هذه النبوة نرى الحقائق التالية:

 1- الفلسطينيون لن يستمروا (عاموس 8: 1).

 2- سيجيء الصُّلع إلى غزة (إرميا 5: 47).

 3- سيجيء الخراب على أشقلون (صفنيا 4: 3).

 4- تكون منطقة أشقلون للرعي (صفنيا 6: 2).

 5- بقية بيت يهوذا يسكنون أشقلون (صفنيا 7: 2).

 يقول جورج ديفس في كتابه “نبوات الكتاب تتحقق اليوم”: “لقد جاء القضاء على الفلسطينيين كما قالت النبوات، فقد أخرب السلطان بيبرس أشقلون عام 1270 م وملأ ميناءها بالأحجار. ومنذ ذلك التاريخ، لنحو 700 سنة، خربت أشقلون المدينة التي كانت عظيمة ناجحة” (50). (وهكذا تحققت النبوة رقم 3).

 ويضيف بيتر ستونر: “ومنذ أخربها السلطان بيبرس عام 1270 م صارت أرض رعي، وعلى موقعها اليوم أكواخ ومراع” (42). (وهكذا تحققت النبوة رقم 4).

 ويمضي جورج ديفس ليقول: “ولم تُخرب أشقلون فقط، لكن كل الدولة الفلسطينية قُطعت كما تنبأ النبي حزقيال منذ 2500 سنة، حتى أنه لا يوجد فلسطيني واحد حي في العالم اليوم” (50) (المقصود بكلمة فلسطيني هنا: الشعب الذي كان يسكن في فلسطين وقت إعلان نبوة حزقيال 15: 25-17، منذ 2500 سنة)” (وهكذا تحققت النبوة رقم 1).

 ويقول فلويد هاملتون: “كانت في أشقلون كتيبة تركية حتى القرن السابع عشر، لكن منذ ذلك الوقت هُجرت أشقلون. وتوجد اليوم أجزاء من سورها وقلاعها الحربية. وهي الوحيدة في مدن ذلك السهل التي بقي جزء من سورها!” (51) – (وهذا تحقيق للنبوة رقم 3).

 ويقول هاملتون عن تحقيق النبوة الخامسة: “لا زالت بعض حيطان البيوت قائمة. ولو أن الموقع كله مهجور. حتى الذين زرعوا الحدائق داخل الأسوار يسكنون بعيداً عنها”.

 ويصف جورج ديفس الموقع الآن فيقول: “عندما جاء اليهود إلى المكان قرروا أن يجعلوا أشقلون مدينة حدائق، باسم “جاردن سيتي” وهكذا تحقق قول النبي: “في أشقلون عند المساء يربُضون” (نبوة رقم 5)

 أما مدينة غزة فلها تاريخ أعجب، ويقول بيتر ستونر، “توجد مدينة اليوم باسم غزة، ولذلك ظن كثيرون أن هذه النبوة عن غزة نبوة خاطئة. ثم حدثت دراسة دقيقة لموقع غزة كما جاء في الكتاب المقدس، فظهر أن غزة الحديثة ليست على موقع غزة القديمة. وتمت الحفريات في موضع المدينة القديمة فوُجدت المدينة مدفونة تحت الرمال. لقد صارت فعلاً صلعاء! فأي وصف تعطيه لمدينة مدفونة تحت كثبان الرمال، أفضل من أنها صارت صلعاء؟!” (42) – (وهكذا تحققت النبوة رقم 2).

 ويعلّق جون أوركهات على اختفاء غزة فيقول: “لقد ظهر أن غزة القديمة دُفنت تحت الرمال تماماً، وأن المدينة الحديثة لن تُبْنَ على الموقع القديم. أما غزة الفلسطينيين القديمة فهي على بعد ميلين من الشاطئ، وهي الآن مجموعة تلال رملية. وهي “صلعاء” حتى لا يظهر حجر أو عمود للدلالة على المدينة القديمة، والعين لا ترى فيها حتى ورقة نبات أخضر!” (49).

ومن هذا نرى بوضوح:

 يقول بيتر ستونر: “الاحتمالات البشرية في تحقيق هذه النبوات هي واحد × 5 (أن الفلسطينيين يختفون) × 100 (أن تغطي الرمال غزة) × 5 (أن أشقلون تُخرب) × 5 (أن تكون أشقلون أرض رعي).. أو أن فرصة تحقيق النبوة هي فرصة واحدة من 12 ألف فرصة!” (42).

5- موآب وعمون

 موآب وعمون مملكتان صغيرتان شرقي البحر الميت، وتقع عمون إلى شمال موآب. وقد وقعتا تحت العقاب الإلهي.

حزقيال 25: (592 – 570 ق.م.)

3 “وقُلْ لبني عمون: إسمعوا كلام السيد الرب. هكذا قال السيد الرب: من أجل أنك قلتِ “هه!” على مقدسي، لأنه تنجس، وعلى أرض إسرائيل لأنها خَربت، وعلى بيت يهوذا لأنهم ذهبوا إلى السبي.

4 فلذلك هأنذا أسلمكِ لبني المشرق مِلْكاً، فيقيمون صِيَرَهم فيكِ، ويجعلون مساكنهم فيكِ. هم يأكلون غلتكِ، وهم يشربون لبنكِ”.

 إرميا 48: (266 – 568 ق.م.).

47 “ولكنني أرد سبي موآب في آخر الأيام، يقول الرب”.

إرميا 49:

6 “ثم بعد ذلك أردُّ سبي عمون، يقول الرب”.

في هذه النبوات نرى الحقائق التالية:

 1- سيأخذ بنو المشرق البلاد، ويسلبون غلَّتها (حزقيال 4: 25).

 2- سيأخذ بنو المشرق بلاد عمون ويبنون مساكنهم فيها (حزقيال 4: 25).

 3- أهل موآب وعمون الاصليون سيستعيدون أرضهم

 (إرميا 47: 48، 6: 49).

 ولندرس تاريخ هذه البلاد وهذه النبوات ماثلة في أذهاننا. يقول هوارد فوس: “إن دراسة طبوغرافية هذه البلاد تُظهر طبيعتها الجبلية الحصينة، وتوضح لنا كيف أرسل بعشا العموني جيشاً من عشرة آلاف مقاتل إلى كارجار سنة 354 ق.م. ليحارب شلمنأصر ملك أشور. وقد كانت تلك الدولة في قمة غناها وقوتها وقت أن قال إرميا إن ربة عمون (العاصمة) ستصير خراباً، حتى إن سامعي نبوّته لا بد شكّوا في احتمال تحقيقها” (52).

 ويوضح فوس كيف تحققت النبوتان 1، 2 عندما بنى الأمير عبد اللّه حاكم شرق الأردن قصره هناك، وهكذا بنى بنو المشرق مساكنهم في العاصمة ربة. واليوم يسكن “عمون” عشرون ألفاً، (1931)، وهي تقع على خط سكة حديد دمشق – الحجاز. وقد زاد عدد السكان زيادة كبيرة، خصوصاً لو عرفنا أن عددهم سنة 1920 كان بضع مئات فقط! (52).

 ويصف فوس كيف أن بني المشرق “يرثون” اليوم موآب فعلاً. ولكن الوقت سيجيء عندما تتحقق نبوة ارميا عن استعادة موآب وعمون الأصليون لأرضهم. إن عمان عاصمة شرق الأردن هي ربة بني عمون القديمة التي استولى عليها يوآب قائد جيش الملك داود. ومنذ بضع سنوات كان عدد سكانها مئات فقط. ويُحتمل أن السكان الحاليين ليسوا هم أحفاد السكان الأصليين (52).

 ويقول بيتر ستونر إن فرصة تحقيق هذه النبوات هي فرصة واحدة من خمس في أن بني المشرق يستولون عليها، وفرصة من عشر أن يبنوا قصورهم فيها، وفرصة من عشرين في أن يعود الموآبيون والعمونيون إليها. أي أن تحقيق هذه كلها له فرصة من ألف فرصة (42).

6- البتراء وأدوم

 أدوم دولة جنوب شرق البحر الميت، عاصمتها البتراء. ولا بد أنها كانت شريرة فعلاً حتى أن ستة أنبياء تكلموا ضدها هم: إشعياء، إرميا، حزقيال، يوئيل، عاموس، عوبديا.

 والنبوات ضد أدوم كثيرة ودقيقة، ولا توجد عندنا فسحة كافية من الصفحات لمعالجتها، ولكننا نقدم هنا بعضها:

إشعياء 34: (783 – 704 ق.م.).

6 “للربِّ سيفٌ قد امتلأ دماً اطَّلى بشحمٍ، بدم خرافٍ وتيوس، بشَحم كُلَى كباش. لأن للرب ذبيحةً في بصرة، وذبحاً عظيماً في أرض أدوم.

7 ويسقط البقر الوحشيُّ معها، والعجول مع الثيران، وتُرْوَى أرضهم من الدم، وترابهم من الشحم يُسَمَّن.

10 ليلاً ونهاراً لا تنطفئ. إلى الأبد يصعد دخانها، من دور إلى دور تُخرَب. إلى أبد الآبدين لا يكون من يجتاز فيها.

13 ويَطلَع في قصورها الشوك. القريصُ والعوسج في حصونها. فتكون مسكناً للذئاب، وداراً لبنات النعام.

14 وتلاقي وحوشُ القفر بنات آوى، ومَعْزُ الوحش يدعو صاحبه. هناك يستقر الليل، ويجد لنفسه محلاً.

15 هناك تُحْجِرُ النَّكَّازة (نوع من الحيَّات) وتبيض وتُفرِخ وتربّي تحت ظلها. وهناك تجتمع الشواهين بعضها ببعض”.

إرميا 49: (626 – 586 ق.م.).

17 وتصير أدوم عَجَباً لكل مارٍّ بها، يتعجَّب ويَصْفِر بسبب كل ضرباتها.

18 كانقلاب سدوم وعمورة ومجاوراتهما يقول الرب، لا يسكن هناك إنسان، ولا يتغرَّب فيها ابن آدم.

حزقيال 25: (592 – 570 ق.م.).

13 لذلك هكذا قال السيد الرب: “وأمدُّ يدي على أدوم، وأقطع منها الإنسان والحيوان. وأصيِّرهم خراباً من التيمن، وإلى ددان يسقطون بالسيف.

14 وأجعل نقمتي في أدوم بيد شعبي إسرائيل، فيفعلون بأدوم كغضبي وكسخطي، فيعرفون نقمتي” يقول السيد الرب.

حزقيال 35:

5 “لأنه كانت لكَ بُغضة أبدية، ودَفَعْتَ بني إسرائيل إلى يد السيف في وقت مصيبتهم، وقتِ إثم النهاية.

6 لذلك، حيُّ أنا يقول السيد الرب، إني أهيئكَ للدم، والدمُ يتبعكَ، إذْ لم تكره الدَّم، فالدمُ يتبعُك.

7 فأجعل جبل سعير خراباً ومقفراً، وأستأصل منه الذاهب والآئب”!

في هذه النبوات نرى الحقائق التالية:

 1- أدوم تصير خرابا (إشعياء 13: 34).

 2- لن تُسكن للأبد (إرميا 18: 49).

 3- يهزمها الوثنيون (حزقيال 14: 25).

 4- تهزمها إسرائيل (حزقيال 14: 25).

 5- تاريخها دموي (حزقيال 5: 35 و6، إشعياء 6: 34 و7).

 6- تخرب أدوم حتى مدينة التيمن (حزقيال 13: 25).

 7- تسكنها الحيوانات المتوحشة (إشعياء 13: 34 – 15).

 8- تتوقف تجارتها (حزقيال 7: 35، إشعياء 10: 34).

 9- يتعجب الناظرون إليها (ارميا 17: 49).

 وهذه النبوات المخيفة عن أدوم سببها لأنها ابتعدت عن اللّه، وآذت شعبه. وهذه النبوات تفصيل للنبوة الأصلية في يوئيل 19: 3 و20. وعندما يزور الناس موقع أدوم اليوم ينذهلون من دقة تحقيق نبوة إشعياء 34.

 ونقدّم هنا تاريخ أدوم قبل هذه النبوات، وبعدها:

 أما تاريخ أدوم قبل هذه النبوات فهو عاصف لا يهدأ. فبعد موت الملك شاول أظهرَ أهل أدوم عداوتهم لاسرائيل، وإذ كان الملك داود مشغولاً بإخضاع الملك هَدَدْعزر ملك صوبة في شمال سوريا، هاجم الأدوميون الجزء الجنوبي من أرض يهوذا مهددين العاصمة أورشليم، فرجع داود وهاجم أدوم وقتل 18 ألف أدومياً في وادي الملح جنوب البحر الميت. وظلت أدوم خاضعة لمملكة يهوذا حتى حكم يهورام من 853 – 841 ق.م. وبعد موت يهورام بخمسين سنة غزا أمصيا ملك يهوذا أدوم واستولى على حصنها سالع (سالع كلمة عبرية معناها صخرة، والبتراء هي كلمة صخرة في اللغة اليونانية).

 وبعد اضمحلال أشور زحفت جحافل الكلدانيين على شرق الأردن والتهمت أدوم وأمما أخرى (52).

 أما تاريخ أدوم بعد هذه النبوات، فإن سقوط مملكة أشور كان الموعد التقريبي لإتمام النبوات ضد أدوم.. أما بقية تاريخ أدوم فهو ما حدث بعد أن تحققت النبوات. ولعل النبطيين هم “بنو المشرق” المذكورون في حزقيال 4: 25، في القرن السادس ق.م. ومن المكابيين الأول 3: 5 نرى أن اليهود هزموا أدوم. ويقول يوسيفوس إن هيركانوس وسمعان الجيراسي هاجما أدوم تباعاً. وهكذا تحققت هذه النبوة.

 وفي وقت ميلاد المسيح كانت البتراء مزدهرة، فقد كانت في طريق

التجارة إلى آسيا، كما يقول المؤرخ سترابو وكانت سوقاً لتجارة العطور والأطياب العربية. وفي خلال الحكم الروماني جمعوا الأدوميون لليهود، وصار اسم المملكة الواحدة “أدومية”. وقبيل حصار تيطس لأورشليم سُمِح لعشرين ألف أدومي بدخول المدينة المقدسة فعاثوا فيها سرقة وقتلاً. ومنذ ذلك الوقت اختفى ذكر الأدوميين (بني عيسو) من التاريخ! (38).

 وعندما احتاج اليهود إلى العون في أثناء الحصار الروماني (70 م) كان الأدوميون أكثر ما يكونون أذى. وبعد مذبحة اليهود، عاد الأدوميون إلى بلادهم، ليختفي ذكرهم من صفحات التاريخ، ولو أن عاصمتهم البتراء استمرت. وتقول دائرة المعارف البريطانية إن اضمحلال البتراء بدأ قبل الغزو الإسلامي لها في القرن السابع الميلادي (نبوة رقم 3). وقد بنى الصليبيون قلعة هناك في القرن الثاني عشر، واحتلها فيما بعد القبائل الرحَّل، وظلت على هذه الحال حتى اكتشف موقعها الرحالة السويسري بوركهارت عام 1812 (37) – (وهكذا تحققت النبوة رقم 8).

 ويقول هنري موريس إن أدوم تُذكَر كثيراً في الكتاب المقدس، ولكنها سقطت من تاريخ العالم حتى القرن التاسع عشر. وقد ظن بعض النقاد أن أدوم لم يكن لها وجود، حتى ظهرت كتابات عنها في الآثار المصرية والأشورية، وأخيراً أظهرت الحفريات أطلال البتراء نفسها، مدينة الصخرة، فأُفحِم النقّاد الذين كانوا يظنونها أسطورة” (43).

 كانت البتراء إحدى عجائب العالم القديم، مبنية في جبل صخري، وكان الكثير من أبنيتها محفوراً في الصخر الأحمر الوردي، فكانت رائعة الجمال مستحيلة على الغزاة، لها مدخل واحد ضيق يشبه الخندق يمكن أن تحميه فرقة صغيرة من العسكر تهزم جيشاً كبيراً من الأعداء.

 ولكن ما هو حال البتراء اليوم؟ يصفها جورج آدم سميث مقتبساً من كُتَّاب مختلفين يقول:

 “لقد تمت هذه النبوات عن أدوم بدقة متناهية. إن أصوات الشواهين والصقور والبوم الكثير، تملأ المكان وتزيده وحشة. لقد قال النبي إنها تصير مسكن النكَّازة (أي الحيات) وهي اليوم تعج بالسحالي والثعابين والعقارب التي يخشاها الناس.. وقد قال الأدلاَّء لبعض السياح أنهم كثيرا ما رأوا الأسود والنمور في البتراء، ولو أنها لم تنزل إلى الوادي. ويذكر النبي “معز الوحش” وهي في العبرية “الساطير” التي تعني “ذات الشعر”. وقد وُجد الكثير منه على الجبال في البتراء” (وهكذا تحققت النبوّات رقم 1، 2، 7، 9) (53).

نشرت تحت تصنيف مقالات لاهوتيه, مسيحيات, دفاعيات | Leave a Comment »

إنبثاق الروح القدس

Posted by Akristus_Anstee على 16 مايو 2011


إنبثاق الروح القدس

الأنبا بيشوى

انبثاق الروح القدس PROCESSION OF THE HOLY SPIRIT. وكلمة انبثاق باللغة اليونانية (EKPOREVSIS- ekporeusiV) تؤمن كنيستنا حسب نص الكتاب المقدس فى (يو15: 26) أن الروح القدس ينبثق من الآب. أما الكاثوليك فيؤمنون أن الروح القدس منبثق من الآب والابن. وقد أضافوا عبارة “والابن” إلى قانون الإيمان فى موضوع انبثاق الروح القدس. وسوف نوضح خطأ ه>ا المفهوم فما يلى:

أولاً: أقوال الكتاب المقدس

يقول السيد المسيح فى إنجيل معلمنا يوحنا “ومتى جاء المعزى الذى سأرسله أنا إليكم من الآب، روح الحق الذى من عند الآب ينبثق فهو يشهد لى” (يو15: 26).

(to pneuma thV ajlhqeiaV o para tou patroV ejkporeuetai)

ويحتج الكاثوليك بقول السيد المسيح “الذى سأرسله أنا إليكم” ويقولون طالما أن السيد المسيح هو الذى يرسل الروح القدس، فإن الروح القدس منبثق منه. ولكن من الملاحظ أن السيد المسيح قال “سأرسله أنا إليكم من الآب”. كما قال إنه من عند الآب ينبثق.

يضاف إلى ذلك أن الانبثاق شئ والإرسال شئ آخر فالانبثاق أزلى، وأما الإرسال فزمنى.

السيد المسيح قال أيضاً: “وأما المعزى الروح القدس الذى سيرسله الآب باسمى فهو يعلمكم كل شئ ويذكركم بكل ما قلته لكم” (يو14: 26). والملاحظ هنا أنه يقول “الذى سيرسله الآب”. فتارة يقول الذى سأرسله أنا، وتارة يقول الذى سيرسله الآب. ولكن فى الانبثاق لم يقل سوى أنه منبثق من الآب. ولو كان الإرسال هو صورة طبق الأصل من الانبثاق؛ فكيف يشرح الكاثوليك قول السيد المسيح فى سفر إشعياء “منذ وجوده، أنا هناك، والآن السيد الرب أرسلنى وروحُهُ” (اش48: 16). لو كان الإرسال دائماً هو صورة من علاقة الأقنوم بالآب الذى هو الينبوع، فإن إرسال الابن سيكون بناءً على هذا الافتراض الخاطئ، هو صورة من ولادته الأزلية. وبذلك يكون الابن مولوداً منذ الأزل من الآب والروح القدس وهذا غير صحيح.

ونلاحظ تعبير “روحُهُ” فى (أش48: 16) جاء فى صيغة الفاعل وليس المفعول به. بمعنى أن السيد المسيح قد أُرسل من الآب ومن الروح القدس. فهل ينبغى أن يكون الابن مولوداً من الآب ومن الروح القدس قبل كل الدهور؟ أم أن الولادة الأزلية شئ، والإرسال الزمنى شئ آخر؟ لأن الانبثاق والولادة أزليان، أما الإرسال فهو زمنى – أى حادث فى الزمن. الانبثاق فوق الزمن، والولادة فوق الزمن، أما الإرسال فهو فى ملء الزمان. كقول الكتاب “ولكن لما جاء ملء الزمان، أرسل الله ابنه مولوداً من امرأة مولوداً تحت الناموس” (غل4: 4).

وكقول السيد المسيح لتلاميذه “ليس لكم أن تعرفوا الأزمنة والأوقات التى جعلها الآب فى سلطانه. لكنكم ستنالون قوة متى حل الروح القدس عليكم، وتكونون لى شهوداً فى أورشليم وفى كل اليهودية والسامرة وإلى أقصى الأرض” (أع1: 7، 8).

“وفيما هو مجتمع معهم أوصاهم أن لا يبرحوا من أورشليم بل ينتظروا موعد الآب الذى سمعتموه منى” (أع1: 4).

كلمة ينتظروا موعد الآب، تدل على أن إرسال الروح القدس هو شئ زمنى.. حلول الروح القدس شئ زمنى، وموعد الآب شئ زمنى، الانتظار معناه زمنى- كان السيد المسيح يتكلم عن أزمنة وأوقات.. حلول الروح القدس على التلاميذ يوم الخمسين شئ زمنى، وموعد الآب شئ زمنى. ولكن الانبثاق لا يمكن لأحد أن ينتظره لأنه فوق الزمن وقبل كل الدهور.

ثانياً: قانون الإيمان النيقاوى القسطنطينى:

ينص قانون الإيمان الذى وضعه الآباء على ما يلى:

“نعم نؤمن بالروح القدس الرب المحيى المنبثق من الآب..” فلا الكتاب المقدس ولا قانون الإيمان يحوى عقيدة الكاثوليك التى تقول أن الروح القدس “منبثق من الآب والابن”، وهى العبارة التى ترددها الكنيسة الرومانية الكاثوليكية فى قانون الإيمان رسمياً إبتداءً من سنة 1054م.

عبارة “والابن” باللاتينية Filioque Filio] تعنى “الابن” و que تعنى “و” أى (والابن[(. فعقيدة "الفيليوك" هى عقيدة مبتدعة، ولم يقبل بها كل الكنائس الأرثوذكسية فى العالم (الخلقيدونية وغير الخلقيدونية).

الرد على مفهوم الكاثوليك:

أولاً: ملكية الآب والابن:

أصحاب هذا المفهوم يحاولون أن يستندوا إلى قول السيد المسيح للآب السماوى "ما هو لك فهو لى" (يو17: 10). ويقولون إذا كان الآب هو باثق للروح القدس، وكل ما هو للآب فهو للابن، فينبغى أن يكون الابن أيضاً باثقاً للروح القدس.

ونحن نرد على ذلك ونقول أن السيد المسيح قد ذكر هذا القول فى صلاته للآب حينما كان يتكلم عن أنفس التلاميذ وقال "كانوا لك وأعطيتهم لى" (يو17: 6). "وكل ما هو لى فهو لك. وما هو لك فهو لى" (يو17: 10).

فما علاقة ملكية الآب السماوى للبشر، وملكية السيد المسيح لتلاميذه القديسين؛ بأن يكون الابن باثقاً للروح القدس؟!! الجوهر الكائن شئ والملكية شئ آخر. فعلاقة الآب بالروح القدس هى علاقة كينونة الروح القدس من الآب باعتبار الآب هو الأصل أو الينبوع فى الثالوث القدوس. وليست علاقة ملكية، لأن الروح القدس ليس من ممتلكات الآب ولكن له كينونة واحدة مع الآب والابن، والجوهر الإلهى للثالوث القدوس لا يمكن أن يقوم بدون الروح القدس.

تأمُّل: } لقد كنا ملك لله، ولما بعنا أنفسنا للشيطان وللعبودية جاء السيد المسيح واشترانا بدمه. لمجرد التشبيه نعطى مثلاً: إنسان كانت لديه سيارة عزيزة عليه، وسُرِقَت، وبينما هو سائر فى الطريق عثر عليها معروضة للبيع فى معرض بيع سيارات، فمن حُبه لها، واعتزازه بها، دخل المعرض واشتراها ثانية، رغم أنها ملكه وكانت له.

نحن ملك لله، وبه، و له. ونحن بعنا أنفسنا بإرادتنا، ومع أننا بعنا أنفسنا، فالمسيح لأنه كان سيشترينا بدمه قال للآب "كانوا لك وأعطيتهم لى" (يو17: 6).. اشترانا من الهاوية، وخلّصنا من الموت، وطالما هم ملك للآب، فسوف يقدّمهم فى استعلان ملكوت الله للآب، ويصير الله الكل فى الكل{.

يا ليتهم يستخدمون الكتاب المقدس استخداماً صحيحاً.

عندما أتت ثورة الإصلاح الدينى، قالت لا يوجد سوى الكتاب المقدس وبذلك خرجوا عن التسليم الرسولى. لذلك دائماً قداسة البابا شنودة الثالث عند تدريسه العقيدة، يعتمد على الكتاب المقدس، لأن كنيستنا تقليدية، وأساس عقيدتنا الكتاب المقدس، وفى نفس الوقت لا يلغى التقليد وأقوال الآباء. وهذه قيمة الكنيسة الأرثوذكسية التى ترفع الكتاب المقدس وكذلك التسليم الرسولى الذى تسلمناه من المجامع المسكونية.

وحتى لو فرضنا جدلاً أن هذه الآية يمكن أن تُعمم حتى نصل إلى ما يخص الله نفسه، فهى لا يمكن أن تعنى فى هذه الحالة أكثر من أن جوهر الابن هو نفسه جوهر الآب، ولا تعنى إطلاقاً إن الابن له أبوة مثل الآب. فالجوهر الإلهى فيه آب واحد. وكلمة آب فى اللغة الآرامية أو السريانية تعنى "أصل"، أى لا تعنى فقط معنى والد ولكنها تشمل المعنيين (والد وباثق) فلذلك يقول الكتاب "روح الحق الذى من عند الآب ينبثق" (يو15: 26). فإذا كان السيد المسيح باعتباره الابن الأزلى يملك كل ما للآب، فإن هذا لا يعنى أكثر من أن له كل خواص الجوهر الإلهى مثل: الأزلية، والحق، والحكمة، والمحبة، والقدرة على كل شئ، والوجود فى كل مكان، والخلق (ومن هنا تأتى ملكية الخليقة).. الخ. ولكن لا يمكن أن تعنى أن يشاركه الأبوة، لأنه كيف يكون ابناً وآباً فى آنٍ واحد. لأنه إن كان يشارك الآب فى أبوته، فالنتيجة أن الابن سيكون والداً لنفسه، أو بمفهوم آخر أن يكون الابن هو الآب، وإن سابيليوس الذى حرمته الكنيسة لم يقل بأكثر من ذلك، فنحن لا نقبل إطلاقاً أن يكون أقنوم الابن هو أقنوم الآب بل يوجد بينهما تمايز حقيقى بالرغم من وحدة الجوهر للآب وللابن وللروح القدس. فالله جوهر واحد مثلث الأقانيم. ولو ألغينا عقيدة التثليث لما كنا مسيحيين.

ولا ننسى أيضاً أن السيد المسيح قد قال للآب "كل ما هو لى فهو لك" (يو17: 10) فهل معنى ذلك أن الآب له البنوة هو أيضاً ويصير مولوداً من الابن. إن هذا غير مقبول ولا معقول على الإطلاق ويبطل إدّعاء الكاثوليك.

الابن هو الله الكلمة، والروح القدس هو الرب المحيى، والآب هو الأصل أو الينبوع فى الثالوث. فبالرغم من عقيدة الله الواحد، لكن الله الآب ليس هو الله الكلمة. بل أن الكلمة والآب هما إله واحد، الآب والد، الابن مولود، لكن جوهر الآب هو جوهر الابن.

ماء ينبع من ينبوع ويجرى فى المجرى، جوهر اللاهوت يصب من الآب فى الابن، الينبوع يخرج منه الماء ثم يجرى فى التيار، الماء واحد، فماء التيار هو ماء الينبوع، وجوهر الآب وجوهر الابن هو جوهر واحد، ولكن لا نقدر أن نقول أن الوالد هو المولود: الوالد هو آب والمولود هو ابن، فالآب هو الآب، والابن هو الابن. ولا يجوز أن نخلط بينهما بالرغم من أن لهما كينونة واحدة، وجوهر إلهى واحد للثالوث القدوس، وإرادة ثالوثية واحدة، ولاهوت واحد، وطبيعة واحدة. وحتى من الناحية اللغوية قال السيد المسيح "كل ما هو للآب فهو لى" فقد اختص الآب بلقبه الخصوصى، وبهذا يكون قد استبعد ما هو خاص مما هو كل. فإذا قلت مثلاً: [كل ما للأستاذ فهو لى]، فالأستاذ أستاذ وأنا طالب حتى لو اشتركنا فى باقى الأمور جميعاً. ولذلك فنحن نفرق بين الخواص الجوهرية التى تخص جميع الأقانيم معاً، والخواص الأقنومية التى يختص بها كل أقنوم متمايزاً، ولا يشترك فيها أقنوم مع آخر؛ لكى لا تختلط الأقانيم مع بعض. فالآب له الأبوة، والابن له البنوة، والروح القدس له الانبثاق.

- الآب والد وباثق باعتباره الأصل أو الينبوع.

- والابن مولود إذ هو كلمة الله وصورته، الذى يعلن الآب ويخبر عن الروح القدس.

- والروح القدس هو روح الحق المنبثق من الآب، الذى يلهم عن الآب وعن ابنه الوحيد.

ثانياً: روح الابن أو روح السيد المسيح

الإيمان بالثالوث هو سر الحياة. والمسيحية حياة، ومدخل المسيحية العماد على اسم الآب والابن والروح القدس.

وقد ورد فى الآيات التالية:

·   “إن كان روح الله ساكناً فيكم، ولكن إن كان أحد ليس له روح المسيح فذلك ليس له” (رو8: 9).

·   “بطلبتكم ومؤازرة روح يسوع المسيح” (فى1: 19).

·   “ثم بما أنكم أبناء أرسل الله روح ابنه إلى قلوبكم صارخاً يا أبا الآب” (غل4: 6).

احتجاج آخر: إذا كان روح الابن هو روح الآب فإنه بالضرورة يكون منبثقاً من كليهما.

ونحن نقول الملاحظات الآتية:

1- أنه هنا يتكلم عن إرسال الروح القدس وليس الانبثاق “أرسل الله” .

2- أنه يقول فى “قلوبنا” والذى فى قلوبنا هو مواهب وعطايا الروح القدس الفائقة وليس جوهر الأقنوم. وإلا صرنا نحن الروح القدس نفسه ونصير آلهة بالمعنى الكامل للاهوت (مسألة المواهب الإلهية سوف نتعرض لها فيما بعد).

3- إن الروح القدس هو روح الابن لأن الروح القدس له نفس الجوهر الذى للابن والذى للآب أيضاً. فهو روح الابن بسبب وحدة الجوهر الإلهى وليس بسبب انبثاقه من الابن.

4- الروح القدس هو روح السيد المسيح لأنه هو الذى مسحه “روح الرب علىّ لأنه مسحنى” (لو4: 18) ولأنه استقر عليه وفيه حينما تجسد وقَبِل المسحة من أجل خلاصنا، لأنه استعلن مسيحاً للرب، ورأساً للكنيسة.

5- الروح القدس يسمى “روح الحكمة” (أف1: 17)، “روح الفهم” (أش11: 2)، “روح القداسة” (رو1: 4)، “روح الإيمان” (2كو4: 13)، “روح الإعلان” (أف1: 17)، “روح المشورة” (أش11: 2).

فهل لذلك ينبغى أن ينبثق الروح القدس من هذه جميعاً؟!

والكتاب يقول “ويخرج قضيب من جزع يسى، وينبت غصناً من أصوله ويحل عليه روح الرب، روح الحكمة والفهم، روح المشورة والقوة، روح المعرفة ومخافة الرب” (أش11: 1، 2).

فهل الروح القدس ينبثق من مخافة الرب منذ الأزل؟!!

ومعلمنا بولس يقول “إذ لنا روح الإيمان عينه حسب المكتوب آمنت لذلك تكلمت” (2كو4: 13)، وروح الإيمان معروف طبعاً أن لا علاقة لهذا التعبير بانبثاق الروح القدس أزلياً من الآب. وهكذا روح المخافة – المعرفة.. إلخ. روح السيد المسيح تسمية لا تعنى أنه منبثق من الابن.

فالاحتجاج بأن تسمية الروح القدس بأنه روح الابن أو روح السيد المسيح يعنى أنه منبثق من الابن هو احتجاج لا مجال له على الإطلاق.

6- الروح القدس أيضاً يسمى “روح الابن” أو “روح المسيح” لأنه يشهد للمسيح كقول الكتاب “كل روح يعترف بيسوع المسيح أنه قد جاء فى الجسد فهو من الله” (1يو4: 2). لذلك قال السيد المسيح “أما المعزى الروح القدس الذى سيرسله الآب باسمى فهو يعلمكم كل شئ ويذكركم بكل ما قلته لكم” (يو14: 26) وكلمة “سيرسله باسمى” تعنى أن اسمه “روح المسيح” أو “روح الابن”.

ثالثاً: نفخة الروح القدس

مفهوم الكاثوليك هو أن السيد المسيح قد نفخ الروح القدس فى وجه تلاميذه بعد القيامة. وهذا معناه- فى رأيهم- أن الروح القدس منبثق من الابن.

وللرد نقول إن السيد المسيح لم ينفخ ذات جوهر أقنوم الروح القدس فى وجه تلاميذه، ولكنه نفخ سلطانه ومواهبه المختصة بالحل والربط، وغفران الخطية. (مثل نفخة رئيس الكهنة فى سيامة الكاهن). ولذلك حينما يذكر أقنوم الروح القدس فى ذاته فى الكتاب المقدس، فإنه يذكر مع أداة التعريف (الروح القدس=تو إبنفما تو آجيونto pneuma to agion ) مثلما ورد فى:

o de paraklhtoV, to pneuma to agion, o pemyei o pathr en tw onomati mou “

“وأما المعزى الروح القدس الذى سيرسله الآب باسمى” (يو14: 26).

{Otan elqh o paraklhtoV on egw pemyw umin para tou patroV, to pneuma

thV alhqeiaV o para tou patroV ekporeuetai,

“متى جاء المعزى الذى سأرسله أنا إليكم روح الحق الذى من عند الآب ينبثق” (يو15: 26).

أما حينما يذكر الروح القدس من جهة مواهبه وسلطانه وعطاياه فيذكر بدون أداة التعريف (روح قدس = إبنفما آجيون pneuma  agion).

لذلك فالترجمة الصحيحة لقول السيد لتلاميذه عندما نفخ فى وجوههم هى مثلما ورد فى (يو21: 22) labete pneuma  agion”اقبلوا روحاً قدساً”. والمقصود بذلك هو موهبة الكهنوت التى هى من مواهب الروح القدس للكنيسة. ولا عجب فى هذا، بل إن رئيس الكهنة يفعل نفس الشئ حينما يقوم بسيامة كاهن جديد. فالسيد المسيح وهو رئيس الكهنة الأعظم، كان جديراً به أن يعطى موهبة الكهنوت لتلاميذه قبل أن يصعد إلى السماء بعد أن أتم الفداء على الصليب، وقام منتصراً من بين الأموات. وإلا فمن أين نأتى برئيس كهنة ليقوم بسيامة التلاميذ بعد صعود السيد المسيح، ولكنه أكّد دور الروح القدس فى إقامة الرعاة، ومنح مواهب الكهنوت حينما قال لهم “اقبلوا روحاً قدساً”.

قال أحد اللاهوتيين من الروم الأرثوذكس فى الرد على الكاثوليك فى موضوع انبثاق الروح القدس:

[فى يوم الخمسين وفى الحالات الأخرى، عندما أنعم السيد المسيح بالروح القدس لم يكن أقنوم الروح القدس، ولكن مواهبه Charismata هى التى نقلت].

أخيراً نقول:

مَن هو مصدر وجود الروح القدس؟ الآب والابن؟ أم الآب فقط؟ الآب هو المصدر ولكن الصدور ليس له بداية، بل هو صدور أزلى خارج نطاق الزمن، وحيث لا يوجد سابق ولا مسبوق. مثل النار التى لم يكن لها بداية، فحرارتها المنبعثة منها هى أيضاً بلا بداية.

القضية، هل أصل وجود أقنوم الروح القدس الآب أم الآب والابن؟ قطعاً الأصل هو الآب الذى انبثق منه الروح القدس.

بعض التعبيرات اللاهوتية باللغة اليونانية التى تفيد فى دراسة موضوع انبثاق الروح القدس:

اللغة واسعة، وليست اللغة هى الهدف إنما بعض التعبيرات بحسب موقعها فى أثناء الدراسة. المهم هو المفهوم اللاهوتى فى أساسياته.

جوهر

essence

  • ousia

أوسيا

ولادة

generation

begetting

gennhsiV

جينيسيس

الابن الوحيد الجنس بالولادة

only-begotten son

  • o monogenhV uioV

ه مونوجينيس إيوس

انبثاق

procession

ekporeusiV

إكبوريفسيس

حالة الوجود أو طريقة الوجود

mode of existence

trotoV thV

uparxewV

إتربوس تيس هيباركسيئوس

كينونة شخصية (أقنوم)

personal being

upostasiV

هيبوستاسيس

طاقة

energy, activity

energeia

إينرجيا

تعبير upostasiV “هيبوستاسيس” أستخدم فى ترجمة الكتاب المقدس البيروتية بمعنى جوهر. وذلك فى رسالة العبرانيين “بهاء مجده ورسم جوهره” كلمة (جوهر) فى الطبعة البيروتية هى ترجمة لكلمة upostasiV “هيبوستاسيس”، وصحة ذلك أن هذه الكلمة قد وردت فى هذه الآية بمعنى أقنوم وليس بمعنى جوهر.

أبوة الابن

son-fatherhood

uiopatria

إيوباترايا

سَبَب

cause

aition

أيتيون

سُبّب

caused

aitiata

أيتياتا

سبب بنوى

sonly cause

uiikh aitia

إيكى أيتيا

سبب أبوى

fatherly cause

patriki aitia

باتريكى أيتيا

ذو أصل له أصل

originated

arcomenh

أرخومينى

ليس له أصل

unoriginated

anarcoV

أنارخوس

نص يونانى لعبارة قالها أحد آباء القسطنطينية فى الرد على عقيدة انبثاق الروح القدس من الآب والابن، قالها جريجورى بطريرك القسطنطينية (جريجورى القبرصى) وكان يتحاور مع (جون فيكوس):

[O Pathr QeogonoV QeothV kai  phgaia  QeothV kai  monh  phgh  thV olhV QeothtoV]­

(هو باتير ثيؤجونوس ثيؤتيس كى بىجايا ثيئوتيس كى مونى بىجى تيس أوليس ثيؤوتيتوس).

ومعناها (الآب هو الألوهة الوالدة، والألوهة النبع، والمصدر (النبع) الوحيد لكل الألوهة.

[The father only is the begetting deity and divine source and the only source of the whole deity].

وهو يقصد أنه لا يوجد ينبوع فى اللاهوت إلا الآب فقط ينبوع والد وباثق.

الألوهة الوالدة     QeogonoV            =        begetting deity      ثيئوجونوس

اللاهوت الوالد (أى الآب) فى الألوهة (عقائدياً هو أقنوم الآب):

begetting deity of the deity     = QeogonoV QeothV ثيئوجونوس ثيئوتيس

أداة تعريف للمذكر المفرد

the

  • o

أو

اسم مذكر مفرد فى حالة الفاعل

father

Pathr

باتير

صفة للمذكر المفرد فى حالة الفاعل

begetting deity

QeogonoV

ثيئوجونوس

ألوهة

deity

QeothV

ثيئوتيس

و (أداة عطف)

and

kai

كى

نبع (صفة فى حالة الفاعل)

source

phgaia

بى جايا

الوحيد (صفة فى حالة الفاعل)

only

monh

مونى

نبع (اسم فى حالة الفاعل)

source

phgh

بىجى

من=فى (أداة تعريف فى حالة المضاف إليه)

of

thV

تيس

كل (فى حالة المضاف إليه)

whole

  • olhV

أوليس

ألوهة (فى حالة المضاف إليه)

deity

qeothtoV

ثيئوتيتوس

الأصل الواحد (الوحيد) monarcia = monarchy = single or one principle مونارخيا

كلمة arch اليونانية تعنى رأس أو رئيس أو بداية أو سبب بمعنى أصل.

1- تنسب للآب فى علاقات الأقانيم الإلهية

“أصل أبوى”  Patrikh arch = Fatherly Principleباتريكى أرشى

2- لو نسبت للثالوث يكون معناها بالنسبة إلى الخليقة

تدبير Triadikh arch = Triadic Principle = economy إترياذيكى أرشى

بالنسبة للخليقة “أصل ثالوثى”.

كل قضية الروح القدس تتلخص فى الانبثاق “إكبوريفسيس ekporeusiV وفى     الباترياركى patriarch عن الآب. وهما التعبيران اللذان يعبّران عن عقيدتنا فى انبثاق     الروح القدس.

الفرق:

·   فى الثالوث القدوس لا يوجد إلا مونارشى واحد. ولذا نسميها باتريكى أرشى Patrikh arch وهى مونارشية الآب.

·   ترياديكى أرشى Triadikh arch  هذه فى عملية الخلق بمعنى أن الثالوث هو علة الخليقة وليس الآب وحده.

معنى التدبير أى أن الله هو الذى دبّر الخلق، هو الذى دبر كل شئ.

هناك مبدأ لاهوتى بحسب شروحات الآباء لعقيدة الثالوث

[ Everything which comes out commonly from the divine essence is energy and not hypostasis ].

“أى شئ يأتى بصفة عامة (مشتركة) من الجوهر الإلهى هو طاقة وليس أقنوم”.

·   كل طاقة أو عمل جاء من الثالوث.

·   كل عطية هى من الآب من خلال الابن بالروح القدس.

·   عطية الروح القدس هى من الآب من خلال الابن بالروح القدس.

·   كل موهبة صالحة هى نازلة من فوق من عند أبى الأنوار من خلال الابن بالروح القدس.

· الخلق: خلق الآب العالم بكلمته وروحه. “فى البدء خلق الله السماوات والأرض، وكانت الأرض خربة وخالية وعلى وجه الغمر ظلمة وروح الله يرف على وجه المياه. وقال الله ليكن نور فكان نور” (تك1: 1-3). أى الآب خلق العالم بكلمته وبروحه.

لذلك كرر القديسون هذا المعنى، وقالوا: }كل عطية من الآب هى من خلال الابن بالروح القدس{.

كثير من الآباء الكبار قالوا العبارة التى مفادها أن “كل عطية لها أصلها فى الآب وتنقل بواسطة الابن وتتحقق بالروح القدس.

ومن أمثلة ذلك:

·   قال القديس غريغوريوس “أسقف نيصص”:

[Every operation which extends from God to the Creation, and is named according to our variable conceptions of its origin from the Father, and proceeds through the Son and is perfected in the Holy Spirit].

}كل عملية تأتى من الله إلى الخليقة، وتسمى بحسب فهمنا المتنوع لها. لها أصلها من الآب وتأتى إلينا من خلال الابن وتكتمل فى الروح القدس{.[1]

·   هذه العبارة قالها القديس أثناسيوس عدة مرات. قال القديس أثناسيوس:

[The Father creates all things through the Word in the Holy Spirit]

{الآب يخلق كل الأشياء من خلال الكلمة فى الروح القدس}[2]

وقال أيضاً:

“The Father does all things through the Word in the Holy Spirit”.

{الآب يفعل كل الأشياء من خلال الكلمة فى الروح القدس} [3]

·   ويوجد نص جميل للقديس أثناسيوس يوّضح كيفية منح الحياة من الله للخليقة قاله فى حديثه عن ألوهية الروح القدس:

[It is clear that the Spirit is not a creature, but takes place in the act of creation. For the Father creates all things through the Word in the Spirit; for where the Word is, there is the Spirit also, and the things which are created through the Word have their vital strength out of the Spirit from the Word. Thus it is written in the thirty-second Psalm: “By the Word of the Lord the heavens were established, and by the spirit of His mouth is all their power].[4]

{ من الواضح أن الروح (القدس) ليس مخلوقاً، ولكنه يشترك (له دوره) فى عملية الخلق. لأن الآب يخلق كل الأشياء من خلال الكلمة فى الروح (القدس)؛ لأنه حيثما يوجد الكلمة، فهناك الروح أيضاً، والأشياء التى خلقت من خلال الكلمة تأخذ قوتها الحيوية (خارجة) من الروح من الكلمة. لذلك كُتب فى المزمور الثانى والثلاثون “بكلمة الرب صنعت السموات وبنسمة فيه كل قواتها}.

إن منح الطاقات الإلهية هو عمل مشترك (أو عام) للثالوث القدوس، وهو يبدأ من الآب ويأتى من خلال الابن ويتحقق فى الروح القدس.


­ De Processione Spirities Sancte P.G [Patriologia Greka]   142، 271  AB .

 

[1] N. & P.N. Fathers, series 2, Vol. V, Gregory of Nyssa, Eerdmans Pub. 1978,  p. 334

[2] Shapland, Concerning The Holy Spirit, 3rd letter to Serapion, chapter 5, 174-175

[3] Shapland, Concerning The Holy Spirit, 3rd letter to Serapion, chapter 28, 134_135

[4] The Spirit & the Church: Antiquity -Stanely M. Burgess- Hendricksons Publishers- P.118

 

نشرت تحت تصنيف مقالات لاهوتيه, موضوعات كتابيه, مسيحيات, دفاعيات, ردود اباء الكنيسة | Leave a Comment »

هل الملكوت للبتوليين فقط؟!

Posted by Akristus_Anstee على 15 مايو 2011


 

 

نص السؤال كما ورد: اعرف ان الزواج مكرم من عند الله ولكن ينتابنى شعور بان الزواج اقل من كرامة الرهبنة وان الملكوت للرهبان فقط وليس للعلمانيين فمعظم سير القديسين قاصره على الرهبان فقط وان كان هناك نموذج من العلمانيين فهم بتوليين

 

 

 

الإجابة:

 

بالحق قلت أن الزواج مكرماً عند الله..  فقد قال الكتاب: “لِيَكُنِ الزِّوَاجُ مُكَرَّمًا عِنْدَ كُلِّ وَاحِدٍ، وَالْمَضْجَعُ غَيْرَ نَجِسٍ” (رسالة بولس الرسول إلى العبرانيين 13: 4).

ولكن جانبك الحق في باقي السؤال، سواء أن الملكوت للرهبان فقط وليس للعلمانيين، أو من حيث أن معظم سير القديسين قاصرة على الرهبان أو البتوليين فقط!

فلنأخذ الأمر نقطة نقطة..

إذا كانت الزواج مكرماً بشهادة الوحي الإلهي، فكيف تقول أن المتزوجين لن يدخلوا ملكوت السموات؟!  إن كان كلامك صحيحاً، فلم نكن هنا اليوم، لأن آبائنا وأجدادنا كانوا سيمتنعون عن الزواج لأنهم لن يدخلوا ملكوت الله!

نرى في سفر طوبيا قصة كاملة لها علاقة بالزواج وطهارة الزواج وتقديسه..  فهل الكتاب يتحدث عن أمر غير مطلوب؟!

 

 

 

 

أمثلة من متزوجين أبرار من الكتاب المقدس:

هل تظن أن أجدادنا آدم وحواء لن يدخلوا الملكوت؟!  فقد قيل عن آدم أنه “ابْنِ اللهِ” (إنجيل لوقا 3: 38)..  هل آبائنا إبراهيم وأسحق ويعقوب المتزوجون لن يدخلوا ملكوت السموات بسبب زواجهم؟!  هل يوسف العفيف الذي التصقت به هذه الصفحة حتى بعد زواجه لن يدخل ملكوت السموات لأنه تزوج؟!  هناك أمر اسمه “طهارة الزواج” (سفر الحكمة 14: 24)..  كما أنه هناك طهارة في البتولية..

يتحدث الكتاب عن الأرامل الذين يردن أن يتزوجن فيقول: “الْمَرْأَةُ مُرْتَبِطَةٌ بِالنَّامُوسِ مَا دَامَ رَجُلُهَا حَيًّا. وَلكِنْ إِنْ مَاتَ رَجُلُهَا، فَهِيَ حُرَّةٌ لِكَيْ تَتَزَوَّجَ بِمَنْ تُرِيدُ، فِي الرَّبِّ فَقَطْ” (رسالة بولس الرسول الأولى إلى أهل كورنثوس 7: 39)، فها هو يقول أن الزواج “في الرب”.

هل أستير وراعوث ويهوديت لن يدخلوا ملكوت السموات؟!  هل القديسة حنة والقديس يواقيم والدا السيدة العذراء لن يدخلوا ملكوت السموات؟!

انظر بركة الأب لابنته في الزواج: “ثُمَّ أَخَذَ (رَعُوئِيلُ) بِيَمِينِ ابْنَتِهِ سَارَةَ وَسَلَّمَهَا إِلَى يَمِينِ طُوبِيَّا، قَائِلاً: «إِلهُ إِبْرَاهِيمَ وَإِلهُ إِسْحَاقَ وَإِلهُ يَعْقُوبَ يَكُونُ مَعَكُمَا، وَهُوَ يَقْرِنُكُمَا وَيُتِمُّ بَرَكَتَهُ عَلَيْكُمَا».  فكيف يكون “إلهاً لإبراهيم” هذا وإبراهيم لن يدخل الملكوت لأنه تزوج؟!  وها هو الكتاب يتحدث عن هؤلاء الآباء أنهم عبيد الله الأمناء: “لِيُبَارِكْكُمُ اللهُ وَيَذْكُرْ عَهْدَهُ مَعَ إِبرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ عَبِيدِهِ الأُمَنَاءِ” (سفر المكابيين الثاني 1: 2)

ماذا عن السيد المسيح نفسه حين كرَّم الزواج بذهابه لُعرس قانا الجيل؟!  وحين أقرَّ بوضوح أن مكان الأبرار -بغض النظر عن زواجهم أو بتوليتهم- سيدخلوا ملكوت السموات؟!  والأمثلة كثيرة على هذا.. منها: “إِنَّ كَثِيرِينَ سَيَأْتُونَ مِنَ الْمَشَارِقِ وَالْمَغَارِب وَيَتَّكِئُونَ مَعَ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْحَاقَ وَيَعْقُوبَ فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ” (إنجيل متى 8: 11)، وها هو لعازر المسكين لأنه كان باراً “فَمَاتَ الْمِسْكِينُ وَحَمَلَتْهُ الْمَلاَئِكَةُ إِلَى حِضْنِ إِبْرَاهِيمَ” (إنجيل لوقا 16: 22)..

ما أجمل الآية التي تقول: “أَنْتُمْ أَبْنَاءُ الأَنْبِيَاءِ، وَالْعَهْدِ الَّذِي عَاهَدَ بِهِ اللهُ آبَاءَنَا قَائِلاً لإِبْراهِيمَ: وَبِنَسْلِكَ تَتَبَارَكُ جَمِيعُ قَبَائِلِ الأَرْضِ” (سفر أعمال الرسل 3: 25)..  فنحن أبناء الأنبياء، وأبناء الأبرار، وأبناء القديسين..  وبنسل هؤلاء الأبرار “تتبارك جميع قبائل الأرض”..

ثم هل الله يأمر بالخطأ وهو الذي “بَارَكَهُمُ اللهُ وَقَالَ لَهُمْ: أَثْمِرُوا وَاكْثُرُوا وَامْلأُوا الأَرْضَ”.. (سفر التكوين 1: 28؛ سفر التكوين 9: 1، 7)؟!

وماذا عن أجداد المسيح المذكورين أسمائهم في سلاسل الأنساب؟!

أمثلة من متزوجين أبرار من تاريخ الكنيسة:

القديسة هيلانة الم